في خضمّ الخطابات القانونية والسياسية السائدة في العصر الحديث، والتي سقطت إما في فخ العلمانية الغربية الراديكالية، أو تخبطت في رؤى طوباوية لإحياء “الخلافة التاريخية”، برزت الثورة الإسلامية في إيران بوصفها ظاهرةً كاسرةً للنماذج المعرفية؛ فلم تُعد رسم الجغرافيا السياسية فحسب، بل أحدثت تحولاً جذرياً في الخارطة المعرفية للعالم الإسلامي.
لقد استطاعت هذه الثورة، عبر صياغة مفهوم مبتكر لـ “القانون العام الإسلامي”، أن تستعرض إمكانية التحقق العيني للحكم الديني في عصر “الدولة-الأمة”، وأن تقدم إجابةً اجتهادية عملية على النزاع التاريخي المرير بين الأصالة والحداثة. وفي هذا السياق، تبرز قراءة “وائل حلاق” -الباحث الفلسطيني الأمريكي في الدراسات الإسلامية- كواحدة من أهم القراءات الأكاديمية الغربية ذات الصبغة التقليدية التي تقف في مواجهة هذه التجربة؛ حيث يرى حلاق، عبر تحليله التاريخي، أنّ الانفصال المؤسساتي للفقه عن السلطة في الحضارة الإسلامية الكلاسيكية يمثل سمةً جوهرية، وبناءً عليه، يشكك في إمكانية قيام “دولة فقهية” أصيلة في العصر الراهن.
تسعى هذه المقالة، وفق منهج تحليلي تبييني ومستفيدةً من أدبيات الفقه السياسي الشيعي، إلى نقد الأسس النظرية لأطروحة حلاق، وتقديم رواية واقعية عن التجربة الـمُعاشة للجمهورية الإسلامية في إيران؛ لإثبات كيف أنّ “الفقه الحكومي” -بوصفه معرفةً حركية وسيالة- لم يغدُ ممكناً فحسب، بل إنه عبر منجزاته الحضارية الملموسة، يعيد تعريف مفاهيم مثل السيادة، والقانون، وحقوق المواطنة في الأفق العالمي.
نقد نظرية حلاق وبيان منجزات النظام القانوني للجمهورية الإسلامية
إنّ نقد نظرية حلاق يتجاوز مجرد الخلاف حول السردية التاريخية؛ ليكون صراعاً بين “فهمين للسنّة”. فحلاق، باستعارته لمنهجية “التأريخ النقدي”، يؤكد بحقّ على الاستقلال المؤسساتي للقضاة والفقهاء في العصر الكلاسيكي (لاسيما لدى أهل السنة)، وينظر إلى “الفقه” بوصفه مؤسسة اجتماعية مستقلة تمارس الرقابة على السلطة، لا كجهاز تشريعي حكومي.
بيد أنّ هذا التحليل يعاني من قصورين بنيويين:
الأولى، أنّه يعمّم نموذجًا تاريخيًا خاصًا (عصر الخلافة والسلطنة) على مجمل التجربة الإسلامية، فيقع في شرك الحتمية التاريخية، ويتجاهل إمكان «الاجتهاد في البنية» وابتكار مؤسسات سياسية–حقوقية جديدة، منبثقة من المبادئ الكلية للشريعة ذاتها.
والثانية، وهي الأهمّ، أنّ تركيزه الحصري على الأصول السنية حال دون إدراكه للطاقة الفريدة التي ينطوي عليها «الفقه السياسي الإمامي الشيعي»، المتجسّد في نظرية «ولاية الفقيه». ففي هذه النظرية، التي تمثّل ذروة تطوّر الفكر الشيعي، لا يُنظر إلى الفقيه الجامع للشرائط بوصفه منافسًا للسلطة أو رقيبًا خارجيًا عليها، بل باعتباره «وليّ الأمر» ومُنفّذ الأحكام الإلهية في عصر الغيبة، ومحور وحدة الفقه والحكم.
هنا، ينتقل الفقه من هامش الكتب الاستدلالية إلى متن الدستور وبنية الدولة، ليولد ما يُعرف بـ«فقه الحكومة» أو «فقه الدولة». وإنكار حلاق لإمكان هذا التحقّق لا يعود ـ في جوهره ـ إلى ضعف في التحليل التاريخي، بقدر ما ينبع من قوالب ذهنية مسبقة لنظرة علمانية–تاريخانية، لا ترى للدين في المجال العام دورًا يتجاوز الأخلاق الفردية أو الرقابة المؤسسية المستقلة.
التحوّل المزدوج في الحقوق العامة للجمهورية الإسلامية
تمثّل الجمهورية الإسلامية الإيرانية المختبر العيني لهذه النظرية، حيث أحدثت تحوّلًا مزدوجًا في مجال الحقوق العامة: تحوّلًا في «ماهية» القوانين، وآخر في «بنية» المؤسسات.
فعلى المستوى الماهوي، نشهد عملية أسلمة للنظام التشريعي. فالدستور، بوصفه الميثاق الوطني، لم يُصغَ على أساس العقد الاجتماعي البشري فحسب، بل انطلق من مبدأ حاكمية الله والتشريع الإلهي، وقد تولّى صياغته نخبة من كبار المجتهدين. وتُظهر أصولٌ من قبيل الأصل الثاني (المرتكزات العقائدية للنظام)، والأصل الرابع (إلزام جميع القوانين والأنظمة بالموازين الإسلامية)، والفصل الثالث (حقوق الأمة)، بوضوح كيف أُعيد تعريف مفاهيم الحقوق العامة الحديثة ضمن إطار الرؤية الكونية الإسلامية، ومواءمتها مع الأحكام القطعية للفقه. ولم يقتصر هذا المسار على الدستور، بل امتدّ إلى القوانين العادية، من قانون التجارة والعقود، إلى القانون الجزائي وأصول المحاكمات، مستلهمًا الأحكام الفقهية، وهادفًا إلى تحقيق العدالة الاجتماعية الإسلامية.
وعلى المستوى الشكلي، استُحدثت مؤسسات مبتكرة تضمن اندماج الدين بالحكم. فمجلس صيانة الدستور، بوصفه هيئة «الرقابة الفقهية»، يمثّل التجسيد العيني لسيادة الشريعة على عملية التشريع الحديثة. كما يشكّل مجمع تشخيص مصلحة النظام آلية لحلّ التعارض المحتمل بين المصالح العليا للدولة والأحكام الشرعية الأولية، عبر اللجوء إلى الأحكام الثانوية والحكومية. أما استقلال السلطة القضائية، فلا يعني انفصالها عن الأسس الدينية، بل يهدف إلى ضمان المحاكمة العادلة وفق القوانين الإسلامية، بمعزل عن نفوذ السلطتين التشريعية والتنفيذية.
هذه المؤسسات، التي لم يكن لها نظير في البنى الفقهية التقليدية، تمثّل استجابات إبداعية لـ«الفقه الحركي» تجاه متطلبات الحكم في عالم اليوم المعقّد، وهي لا تزال في حالة تطوّر نوعي وكمّي مستمر. ويُعدّ تشكيل المجلس الفقهي للبنك المركزي، بهدف الإشراف الشامل على أداء النظام النقدي والمصرفي، مثالًا واضحًا على تنامي مؤسسات الرقابة الشرعية في الأنظمة الحديثة.
الآثار الحضارية للتجربة الإيرانية
لم تقتصر منجزات هذه التجربة على القوانين والمؤسسات الداخلية، بل خلّفت آثارًا عميقة في الفضاء الحضاري للعالم المعاصر، ولا سيّما في العالم الإسلامي.
أولًا، نجحت الجمهورية الإسلامية في تقديم نموذج بديل للحكم، لا هو علماني ولا سلفي تقليدي. فهذا النموذج، القائم على «الجمهورية الإسلامية»، يجمع بين الانتخابات الشعبية وإطار ولاية الفقيه، وقد أثبت للحركات الإسلامية كافّة أنّه يمكن، مع الالتزام بالمبادئ الدينية، إنشاء بنية حديثة، فعّالة وخاضعة للمساءلة.
ثانيًا، إنّ خطاب المقاومة ومناهضة الاستكبار، المنبثق من صلب هذا النظام، قد غيّر الجغرافيا السياسية للمنطقة. فمحور المقاومة، بقيادة إيران، لا يمثّل تحالفًا استراتيجيًا فحسب، بل تجسيدًا لتعايش حضاري قائم على مفاهيم العدالة، والدفاع عن المستضعفين، ورفض الهيمنة. وقد بثّ هذا الخطاب، في مواجهة منطق التسوية والانفعال، روحًا جديدة في حركات التحرّر في لبنان وفلسطين واليمن والعراق.
ثالثًا، جرى إعادة تعريف المفاهيم الكبرى للحداثة في ضوء الإسلام؛ فـ«الديمقراطية» أُعيدت صياغتها في إطار «الديمقراطية الدينية»، و«التنمية» ضمن نموذج التقدّم الإسلامي–الإيراني، و«الأمن» بوصفه أمنًا إنسانيًا مقرونًا بالبعد الروحي.
رابعًا، أثبتت الإنجازات العلمية والتكنولوجية المتحقّقة في ظلّ هذا النظام ـ من امتلاك دورة الوقود النووي الكاملة، إلى تطوير التقنيات الحيوية والفضائية ـ أنّ الالتزام الديني لا يشكّل عائقًا أمام التقدّم، بل قد يكون، عبر تعزيز الثقة بالنفس الوطنية وترسيخ مبدأ الاعتماد على الذات، محرّكًا أساسًا له.
خاتمة
في المحصّلة، لا بدّ من الإقرار بأنّ نظرية حلاق، على الرغم من غناها التاريخي، تعجز عن استيعاب ظاهرة «الثورة الإسلامية الإيرانية» والنظام المنبثق عنها. وهذا العجز لا يعود إلى قصور منهجي بقدر ما يرجع إلى ضيق الأفق البراديغمي لرؤيته. فالتجربة الإيرانية تمثّل عملية «بناء حضاري» في الواقع؛ مسارًا تجاوز ثنائية الانفعال أمام الغرب أو الارتداد الجامد إلى الماضي، وفتح أفقًا ثالثًا هو «التفاعل الحضاري الفاعل».
في هذا المسار، لا يُقصى الدين إلى الهامش، ولا يُذاب في بنى مستوردة، بل يحافظ على أصالته، ويضطلع بدور إعادة إنتاج مؤسسات الحكم وصياغة خطابات عالمية. ويغدو الفقه، ضمن هذه المنظومة، معرفةً جماعية للحكم بعد أن كان علمًا فرديًا تعبّديًا. وما يراه حلاق مستحيلًا، بات اليوم في إيران واقعًا حيًا ومؤثّرًا، بكل ما يحمله من تعقيدات وتحدّيات. إنّها حقيقة تجاوزت الحدود الفاصلة بين الفقه والقانون، والدين والسياسة، والتقليد والابتكار، وليست مجرّد نموذج حكم، بل «عالَمَ حياة» حضاريًا، يبعث إلى العالم الإسلامي، بل إلى ما وراءه، رسالة مفادها أنّه يمكن الجمع بين التديّن، والعدالة، والاستقلال، والتقدّم، والفاعلية في النظام الدولي. وهذا هو أعظم منجزات الثورة الإسلامية، الذي تجاوز حدود الجغرافيا، وتحول إلى فكرة كونية.
الكاتب: د. محمد رضا فارسيان، باحث وأستاذ جامعي
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





