الأستاذ مبلغي في تكريم “أحمد عمر هاشم”: إنتقال الأزهر من “فقه المداراة” إلى “هندسة معرفية جديدة”

أوضح عضو مجلس خبراء القيادة في إيران النهج الحديث للأزهر الشريف، معتبراً أن العودة إلى علم الكلام برؤية وجودية هي السبيل الوحيد لتحقيق وحدة عميقة في الأمة الإسلامية. وأكد قائلاً: «إن التوصية بالمداراة الأخلاقية، وحتى “فقه المداراة”، رغم ضرورتهما، إلا أنهما لا يمتلكان الكفاءة النهائية لتحقيق وحدة إسلامية مستدامة».

وفقاً لتقرير “شبكة اجتهاد”، أكد الأستاذ أحمد مبلغي، عضو مجلس خبراء القيادة وممثل إيران في مجمع الفقه الإسلامي الدولي، خلال حفل تكريم الدكتور «أحمد عمر هاشم» -أحد أبرز علماء التقريب وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر- على ضرورة تجاوز التوصيات الأخلاقية المحضة وتأسيس ركائز كلامية (عقائدية) لتحقيق الوحدة الإسلامية.

أقيمت هذه المراسم في «جامعة المذاهب الإسلامية» بحضور راعي المصالح المصرية في طهران وجمع من الشخصيات التقريبية والدولية، حيث ألقى الأستاذ مبلغي كلمةً بصفته أحد المتحدثين الرئيسيين في هذا الحفل.

وفي مستهل حديثه، وصف الأستاذ مبلغي الدكتور أحمد عمر هاشم بأنه شخصية تنطلق من وعيٍ كلامي وحديثي وفقهي، ويمتلك توجهات مهدوية. كما أعرب عن تقديره لجامعة المذاهب الإسلامية على مبادرتها في تكريم الشخصيات التقريبية المصرية، معتبراً هذه الخطوة قفزة هامة نحو تعزيز التواصل بين العلماء المسلمين.

نقد المقاربة التقليدية لمسألة التقريب؛ الأخلاق والفقه وحدهما لا يكفيان

في معرض تبيينه لتاريخ التقريب، أشار الرئيس الأسبق لـ «جامعة المذاهب الإسلامية»، إلى التجربة الناجحة لـ «دار التقريب بين المذاهب الإسلامية» في مصر، موضحاً: «إن تلك المؤسسة ركزت في عصرها على “المداراة الأخلاقية” و”قبول عذر أتباع المذاهب في اجتهاداتهم”، وهو ما كان له أثر بالغ في تخفيف حدة التوترات وتضميد الجراح».

إلا أنه طرح رؤية نقدية تجاه الاكتفاء بهذا المنهج في العصر الراهن، مكملاً: «إن التوصية بالمداراة الأخلاقية، وحتى “فقه المداراة”، رغم ضرورتهما، إلا أنهما لا يمتلكان الكفاءة النهائية لتحقيق وحدة إسلامية مستدامة».

وحاجج الأستاذ مبلغي بأن التصور الذي كان سائداً في الماضي يرى أن علم الكلام -بسبب طرحه للعقائد الاختصاصية- قد يؤدي إلى تفعيل التعصبات التاريخية، ولذلك جرى تهميشه. لكن الحقيقة هي أن الفقه يتعامل مع «الاعتبارات»، في حين أن علم الكلام هو العلم الوحيد الذي يُعنى بـ «الوجود» (الأنطولوجيا)، وهو القادر على رسم البنى التحتية الوجودية للأمة الواحدة.

وفي إطار طرحه لنظرية «الجعل الإلهي» كمحور لـ “علم الكلام الجديد” الهادف للوحدة، صرّح هذا الأستاذ في حوزة قم العلمية: «إن الأمة هي أصل كلامي (عقائدي) لأن الله تعالى هو من “جعلها” أمة (وجعلناكم أمة وسطاً)».

وأضاف: «إن تعدد المناهج والشرائع (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً) هو أيضاً “جعل إلهي” يجب الاعتراف به رسمياً في علم الكلام». وبحسب قوله، فإن هذه الاختلافات تمثل من الناحية الاجتماعية واقعاً وجعلاً إلهياً غايته «الاستباق في الخيرات» لا التنازع.

التحول الاستراتيجي للأزهر: من الوعظ إلى الفلسفة الكلامية

وفي جانب آخر من حديثه الذي ألقاه باللغة العربية، تناول الأستاذ مبلغي بالتحليل النهج الجديد للأزهر الشريف، قائلاً: «لقد خطا الأزهر الشريف، بلسان إمامه الأكبر الدكتور أحمد الطيب، خطوة استراتيجية، منتقلاً من فضاء الوعظ والتوصية الأخلاقية إلى عمق “التفلسف التقريبي” والمنحى الكلامي».

وأشار مبلغي، من خلال تحليله لمؤلفات شيخ الأزهر، إلى أنَّ: «الدكتور أحمد الطيب قد أدرك تماماً أن أزمة الأمة ليست مجرد أزمة أخلاقية فحسب، بل هي أزمة بنيوية ومعرفية (إبستمولوجية) تتطلب إعادة هندسة شاملة».

المحاور الكلامية الأربعة في الخطاب الجديد للأزهر الشريف

شرح عضو مجلس خبراء القيادة معالم هذا النهج الكلامي (العقائدي) الحديث في الأزهر الشريف ضمن أربعة محاور أساسية:

١. المفهوم الشامل للإيمان: وهو الانتقال من عقلية “الإقصاء والاستبعاد” إلى منهجية “الاحتواء والاستيعاب”، وذلك استناداً إلى القاعدة الأشعرية الراسخة التي تقضي بعدم تكفير أحد من أهل القبلة.

٢. فلسفة الاختلاف: النظر إلى التعدد المذهبي ليس بوصفه انحرافاً عن الأصل، بل باعتباره ظاهرة طبيعية، بل وآية من آيات الله في خلقه.

٣. العقلانية الإسلامية: التأكيد على قدرة العقل الإسلامي على إدارة التباينات والمتناقضات الفكرية بحكمة، والحيلولة دون تحولها إلى صراعات تؤدي إلى الانفجار الداخلي.

٤. إعادة تعريف وظيفة علم الكلام: تحويل دور علم الكلام من مجرد كونه أداة لـ «الدفاع النظري» عن العقائد، إلى علمٍ يُعنى بـ «حراسة كيان الأمة» وصون تماسكها.

واختتم الأستاذ مبلغي حديثه مؤكداً: «إننا نعاني اليوم من فقرٍ في النظريات الفلسفية التي تشكل البنى التحتية للمجتمع؛ وعلينا أن ندرك أن الوحدة الحقيقية هي التي تنبثق من صلب علم الكلام (البناء العقدي)، لا من مجرد الوصايا الأخلاقية المحضة».

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل