يرى الإمام (رضوان الله عليه) أن سرّ انتصار الثورة الإسلامية يكمن في الإيمان، ووحدة الكلمة، والاتكاء على الإسلام، والتحول الروحي للشعب، وحبّ الشهادة، والعناية الإلهية. فالأمة التي نهضت لله، ولم تخشَ الموت، وتوحّدت، وغلبت بقوة الإيمان الطاغوتَ والقوى العظمى، هي الأمة التي كُتب لها الظفر.
ووفقًا لما أوردته وكالة أنباء «حوزة»، فإن ما يرد فيما يلي هو مختارات من كلمات مؤسِّس الجمهورية الإسلامية حول العوامل المؤثرة في تحقق انتصار الثورة الإسلامية، تُقدَّم إلى حضراتكم من أهل الفكر والفضل.
مقاومة الشعب
إن مقاومة الشعب الإيراني لا نظير لها في العالم. لقد ناضل الشعب الإيراني، بشجاعة فائقة، من أجل القضاء على الاستبداد الجهنمي، على نحو أدهش الشرق والغرب معًا؛ وكانت نضالات دامية أفضت في نهاية المطاف إلى الاستقلال والحرية. (1)
الوحدة والتلاحم بين الفئات
إن سرّ نجاحنا ـ الذي أرغم القوى الكبرى في العالم على التراجع، وأسقط قوة شيطانية كقوة أسرة بهلوي ـ هو هذه الوحدة بين الفئات ووحدة الكلمة. فلو أن طبقة العلماء وحدها أرادت أن تواجههم لخُنقت؛ ولو أن الكاتب أراد أن ينهض وحده ضدهم لأُبيد؛ ولو أن الجامعي حاول ذلك بمفرده لما استطاع؛ ولو أن السوق أراد أن يتحرك وحده لما أمكن؛ ولو أن الفلاح أراد القيام بذلك منفردًا لما تيسّر له. إن ما حققناه بأيدينا ـ وسنحققه إن شاء الله فيما بعد ـ إنما كان ثمرة هذا الالتحام الذي تحقق بين فئات الأمة. وعلينا أن نحفظ هذا التلاحم ونصونه. (2)
تفتّح الإيمان والتحول في النفوس
إن هذا الإيمان الراسخ الذي تفتّح في هذه الأمة، وهذا التبدّل الذي حدث، وهذا التحول الذي طرأ على نفوس المسلمين هنا، كان هو سرّ الانتصار. (3)
وحدة الكلمة والترابط
نحن جميعًا إخوة، وعلينا أن نكون معًا صفًا واحدًا. إن سرّ انتصارنا كان في وحدة الكلمة وترابطنا بعضنا ببعض. وكان سرّ انتصارنا أيضًا التوجّه إلى الله تبارك وتعالى وصون الإسلام. فاحفظوا هذا السر، واحفظوا هذه الوحدة، وصونوا هذا التلاحم. (4)
الاتكاء على الإسلام وحبّ الشهادة
إن الشعب يقدّم الدم من أجل الإسلام لا من أجل السياسة؛ من أجل السياسة الإسلامية. لقد مضت أمتنا بهذه النهضة قدمًا بفضل اتكائها على الإسلام. وكانت أمتنا عاشقة للشهادة؛ وبهذا العشق للشهادة تقدمت هذه النهضة. ولولا هذا العشق وهذه الرغبة، لما انتصرنا قط أمام كل تلك القوى. إن انتصارنا كان رهين كونكم جميعًا إسلاميين، متوجهين إلى الدين بأسره. (5)
الاتكال على الله والطابع المعنوي للنهضة
إن سرّ انتصارنا اليوم هو أننا اتكلنا على الله تبارك وتعالى. وإن سرّ انتصارنا أن حركتنا لم تكن ذات طابع سياسي فحسب، ولم تكن من أجل النفط وأمثاله؛ بل كان لها بُعد معنوي، وكانت إسلامية خالصة. لقد كان شبابنا يتمنّون الشهادة، وكانوا يستقبلونها كما كان جنود الإسلام في صدر الإسلام يستقبلونها. إن جنودنا لا يهابون الشهادة، لأنهم لا يرون الموت فناءً… بل يرونه سعادة. إنهم يعدّون الشهادة فوزًا وسعادة ويسعون إليها. وكان سرّ الانتصار هو الاتكال على القرآن وهذه السيرة المقدسة التي جعلتهم يستقبلون الشهادة من غير خوف؛ فلم يكن في قلوبهم رهبة. وعلى الرغم من أن الدبابات والرشاشات كانت تصبّ نيرانها عليهم، كانوا يتقدمون غير هيّابين. لقد غلبت القبضةُ الدبابةَ، وغلبت القبضةُ الرشاشَ، وغلبت القبضةُ القوى العظمى. فاحفظوا هذا السرّ؛ فإذا حفظتم سرّ الانتصار ظللتم منتصرين. إن أمتنا ما دامت مع الله فهي منتصرة، وما دام الإسلام ملاذها فهي منتصرة، وما دام لواء القرآن مرفوعًا فوق رؤوسها فهي منتصرة. فصونوا هذا السرّ. واعلموا أن الحركات السابقة كانت حركات إمّا سياسية أو شبه إسلامية؛ أما النهضة اليوم فهي إسلامية كاملة، وهي لله خالصة. الجميع يهتفون: الإسلام، والجميع يهتفون: الجمهورية الإسلامية. هذا هو السرّ الذي جعلنا ننتصر؛ فحافظوا أنتم أيضًا على هذا السرّ. (6)
الإيمان سرّ الانتصار
كان سرّ الانتصار هو الإيمان. فالإيمان هو الذي أوجد وحدة الكلمة، وهو الذي أتى بتلك الوحدة التي جعلت أرجاء البلاد بأسرها تصدح بصوت واحد، الجميع معًا، الجميع معًا، يهتفون بمطلب واحد. لقد اجتمعوا من المركز إلى أقصى أطراف الوطن، فامتدّ الصوت في كل أنحائه، وتعالت الهتافات: «الجمهورية الإسلامية»، «الإسلام». وعدّوا الشهادة فوزًا لهم. أولئك الذين كانوا يفرّون من كل شيء، اندفعوا إلى مواجهة الدبابات والمدافع، وغلبوا جيش الشيطان، وغلبوا الطاغوت. فاحفظوا هذا السرّ، واحفظوا هذه النهضة، وصونوا وحدة الكلمة. (7)
عناية الله والقوة المعنوية
إن الإسلام هو الذي حرّككم ومنحكم تلك القوة التي مكنتكم من الوقوف في وجه تلك القوى الشيطانية الكبرى دون خوف. كانت تلك قوة منحكم الله إياها؛ وإلا فنحن عباد ضعفاء لا نملك شيئًا… إنما كانت قوة الله. كان ذلك عطاءً إلهيًّا تفضّل الله به عليكم، وعليكم أن تصونوا هذه العناية الإلهية. إن حفظ هذه العناية ـ التي ستكون منشأ جميع الانتصارات إن شاء الله ـ إنما يكون بأن نعضد الخطوات الأخرى التي ينبغي لنا أن نخطوها، جميعًا معًا. وكما كان الإيمان منذ البدء هو المنطلق الذي دفع هذه النهضة إلى التقدم، فإن اجتماعكم بأسره، بفضل الإيمان الكامن في قلوبكم، كان السبب في تحطيم تلك القوة الشيطانية. لقد كانت عناية، بل عناية خاصة من الله تبارك وتعالى… يوم خرجتم إلى الميدان ونزلتم إلى الشوارع، كانوا هم يمتلكون العُدد الجبارة، وأنتم لم يكن بأيديكم إلا القبضات؛ ومع ذلك لم يخطر ببالكم أن راتبي قليل، لم يكن الراتب مطروحًا، ولا كانت الحياة مطروحة حتى يُبحث في الراتب. تلك الروحية هي التي منحتكم الغلبة. فحافظوا عليها، حافظوا على ما منحكم الغلبة! ما دامت هذه الروح فيكم فأنتم منتصرون. (8)
التحول الروحي ـ المعنوي
إن التحول الذي وقع إبّان النهضة، في ذلك الحين الذي كانوا فيه منشغلين بالثورة وماضين في العمل، كان تحولًا روحيًا شاملًا عمّ جميع الفئات، وكان لهذا التحول أهمية بالغة. بل إني أرى أن هذا التحول الروحي الذي تحقق للأمة كان أعظم شأنًا من التحول الذي أفضى إلى إسقاط النظام وإخراجه؛ لأن ذاك كان تحولًا معنويًا. لقد أصبح الناس يتحابون بعضهم بعضًا. وقد بلغني مرارًا أنه حين كان أولئك يخرجون إلى الشوارع للتظاهر، كانت البيوت تساندهم، بل إن أحدهم ذكر أنه رأى شخصًا حين وصلت إلى يده قطعة ساندويش، أخذ يجزئها ويوزعها على رفاقه وعلى أولئك الذين كانوا هناك. لقد نشأ في الناس حسّ تعاوني، وكان هذا الحسّ مما يرضاه الله. فتفضّل الله تبارك وتعالى على هذه الأمة، فجعل أمةً خالية الوفاض تغلب قوةً كانت تملك كل شيء. ولم يكن ذلك إلا لأن هذه الأمة اكتسبت روح التعاون، واكتسبت الإيمان. ذلك الإيمان هو الذي منحكم النصر. (9)
غلبة قوة الإيمان على الجنود الشيطانية
إنها قوة الروح وقوة الإيمان التي منحتكم الغلبة على الجنود الشيطانية وعلى الطاغوت؛ وينبغي لتلك القوة الإيمانية والقوة الباطنية أن تمكِّنكم كذلك من الغلبة على الجنود الشيطانية الكامنة في باطن الإنسان، تلك التي تسعى إلى إغوائه وإضلاله. (10)
وحدة الكلمة وإسلامية المقصد
إن الذي أوصلنا إلى ما نحن عليه وحقق لنا النصر هو أن الفئات لم تكن فيما بينها اختلافات. فقد كان الجميع يهتفون بصوت واحد: نريد جمهورية إسلامية؛ ولم يكن ثمة فرق بين المدينة والقرية، ولا بين المركز والأطراف. لقد تعاضد الجميع وتعالت صيحاتهم: نريد جمهورية إسلامية. وهذان الأمران ـ أحدهما وحدة الكلمة بين الجميع، حيث كانت الأكثريّة متكاتفة، والآخر إسلامية المقصد ـ هما اللذان منحاكم النصر. (11)
عدم الخوف من الموت
إن سرّ انتصار أمتنا كان في أنهم لم يعودوا يخشون أن يخرجوا إلى الشوارع فيُقتَلوا. كانوا يخرجون، وكان يُقتَل منهم الكثير؛ وفي نهاية المطاف انتصروا بهذه الصيحات والهتافات ونداءات «الله أكبر». (12)
إرادة الله والتحاق جميع الفئات بالأمة
لقد رأيتم أنه في هذه الثورة قد انعطفت قلوبكم جميعًا نحو الأمة، وأن الله تبارك وتعالى هو الذي صرف هذه القلوب. وإلا فإن جيشًا كان يقف في الطرف الآخر، وبحسب طبيعته وموقعه، كان ينبغي أن يكون في الاتجاه المقابل. غير أنكم رأيتم كيف تحوّلت القلوب إلى هذا الجانب، فكان ذلك سببًا في التحاق مختلف الفئات بالأمة، وسيرها معها خطوةً بخطوة، وارتفاع صوتها بصوتها؛ فكان هذا موجبًا لانتصار الأمة: أمة لم تكن تملك شيئًا، في مواجهة طرف كان يملك كل شيء. لقد كانت إرادة الله هي التي منحتنا النصر، وعلينا أن نعمل بما يصون هذه العناية الإلهية ويُبقيها لنا. (13)
الاتكاء على الإسلام ووحدة الكلمة
إن ما أدركته أمتنا، على الرغم مما كانت عليه من ضعف وتشتت، هو عين ما أدركه المسلمون في صدر الإسلام: الاتكاء على الإيمان والإسلام ووحدة الكلمة. إن شبابنا، في زمن الثورة وحتى اليوم، ما زالوا يطلبون أن ندعو لهم بالشهادة. إن هذا التحول العظيم الذي نشأ في هذه الأمة بإرادة الله تبارك وتعالى هو الذي أفضى إلى انتصارهم على قوة شيطانية كبرى كانت جميع القوى العظمى تساندها. (14)
الإسلام سرّ الانتصار
ليس خافيًا على أحدٍ ممن اطّلع على الثورة الإسلامية في إيران أن الدافع إليها، وسرّ انتصارها، كان الإسلام. (15)
إلهية المقصد، والإيمان، والوحدة
إن هذا النصر الذي حظيت به الأمة كان له عاملان مؤثران: أحدهما ـ وهو أسمى من كل شيء ـ أن المقصد كان إلهيًّا خالصًا. كانت الدافعية هي الإسلام. كنا نرى في شعاراتهم وهتافاتهم شعاراتٍ إسلامية، ونداءات «الله أكبر». كان الهدف أن يُقصى أولئك الذين كانوا يُعَدّون مناوئين للإسلام. ومن ثمّ ـ إن شاء الله ـ يتحقق المقصد الحقيقي الذي يُعدّ ذلك مقدمةً له.
إذن، كان أحد الجانبين أن صرختكم جميعًا كانت: نريد الإسلام، ولا نريد الملكية وأمثالها. وأما الجانب الآخر ـ الذي جاء تبعًا لذلك ـ فكان وحدة جميع الفئات؛ أي إن الأمة في جميع أرجاء هذا البلد نهضت، وتخلّت معًا عن مقاصدها الخاصة، وعن المطالب الشخصية، وتوجّهت جميعًا نحو هدف واحد.
فكان سرّ انتصارنا هو وحدة الكلمة بين مختلف الفئات، والإيمان؛ الإيمان بالله تبارك وتعالى. وبهذا السرّ انتصرتم. لقد كان انتصارًا إعجازيًّا، لا انتصارًا سهلًا يمكن حسابه وفق المعايير المألوفة؛ بل كان نصرًا لم يكن له أن يتحقق لولا إرادة الله تبارك وتعالى. (16)
اتحاد جميع الفئات
إن ما أكدت عليه مرارًا، وهو سرّ الانتصار، هو اتحاد الفئات الطلابية وتشكيل جماعة إسلامية ـ وطنية في مواجهة المنحرفين الذين يسعون إلى بثّ الفرقة. وعليكم ـ أيها الشباب الأعزاء ـ أن تنهضوا، وأن تنصرفوا إلى العلم والأدب، فهما سبيل التقدم والتحرر من الاستعمار والاستثمار، قديمهما وحديثهما. واعلموا أن الاختلاف والتفرقة هما منبع جميع الشقاء وأسباب كل أشكال العبودية. (17)
النصر مرهون بالتحول الروحي في الشعب
لا ريب أنه ما دامت نياتنا خالصة ولله، فإن الله تبارك وتعالى معنا وسننتصر. وقد كان في مواجهتنا قوة عظمى تؤيدها جميع القوى، من قوى عظمى وغيرها؛ غير أنه لما خلصت النية، ولما تحوّل الناس إلى ما يشبه حال الناس في صدر الإسلام… كان هذا النصر ثمرةَ ذلك التحول الروحي الذي نشأ في الأمة.
وإلا فنحن لم نكن نملك سلاحًا، ولا كان لدينا نظام قائم، ولا إجراءات منسجمة مع الأصول الحربية المعروفة. لم يكن لدينا إلا إيمان الشعب، والحمد لله، وحدة الكلمة. وإني أسأل الله تبارك وتعالى أن تبقى هذه الوحدة محفوظة، وأن تُحلّ جميع مشكلاتنا إن شاء الله. (18)
نزوع الشعب إلى الإسلام واتحاد جميع الفئات
ومن المسائل التي يلزمني التنبيه إليها أن هذه الثورة التي تحققت في إيران إنما كان انتصارها نتيجة أمرين:
أحدهما ـ وهو الأهمّ والأعلى شأنًا ـ أن الشعب تقدّم بالإسلام؛ أي إن الهتاف الذي عمّ أرجاء البلاد كان: إننا نريد الإسلام. لقد رأى الناس، طوال أعمارهم، من ذلك النظام السابق ـ وهو نظام فاسد ـ ما جرّ البلاد إلى التباهي والانحطاط، وحال دون أن تخطو في سبيل الرقيّ. وأنتم أمل البلاد، وسعادة الوطن وتقدّمه رهنٌ بفاعليتكم. لقد عانى شبابنا طوال حياتهم؛ فمنذ أن فتحوا أعينهم على الدنيا لم يروا إلا السوء. وكانوا يرون ذلك النظام فاسدًا. ومن جهة أخرى كانوا مسلمين، مؤمنين بالإسلام.
ومن هنا، فإن أردنا أن نستخلص مطلبًا من أمةٍ ما، وجب أن ننظر إلى لغتها، لنعرف ماذا تريد. أما أن نفرض نحن حكمًا فنقول: إن هذه الأمة تريد كذا، فذلك قول باطل. القول الصحيح هو أن ندرس حال الأمة، وأن نصغي إلى صوتها لنعلم ماذا تريد. فأمة تهتف جميعًا: «نريد جمهورية إسلامية»، «لا شرقية ولا غربية، جمهورية إسلامية»، لا يحقّ لنا أن نجلس ونقول: كلا، إنما قامت هذه الأمة لتطلب ديمقراطية! إن في الإسلام كل شيء بمعناه الصحيح السليم؛ غير أننا نرى الناس جميعًا يصرّحون بأنهم يريدون جمهورية إسلامية. وليس لنا أن نؤول كلامهم أو نفرض عليهم ما نشتهي فنقول: إنهم يقصدون شيئًا آخر. فهذا خلاف الواقع.
أما الأمر الثاني، فكان اتحاد جميع الفئات. فقد توحّد الجميع في هذه القضية. وإن وُجد أفراد ذوو نزعات منحرفة، فإنهم أمام الحماسة العامة التزموا الصمت ولم يمارسوا تعطيلًا. لقد عمل الجميع مجتمعين وتقدّموا معًا، وكانوا جميعًا يريدون الإسلام. وهذان الأمران كانا أساس انتصار هذا البلد. (19)
قوة الإيمان في مواجهة قوة الشيطان
لقد رأيتم أن أمةً قليلة العدد، لا تملك سلاحًا ولا عُددًا حربية ولا خبرة عسكرية، لكنها تملك سلاح الإيمان، قد غلبت بقوة إيمانها قوةً شيطانية كانت جميع القوى وراءها؛ لا القوى العظمى وحدها، بل كل القوى. إن قوة الإيمان هي التي منحت جماعة لا تملك شيئًا القدرة على الغلبة. وهي عين القوة التي مكّنت المسلمين في صدر الإسلام، وهم قلّةٌ وعدّةُهم يسيرة، من التغلب على الروم بما لديهم من إمكانات، وعلى إمبراطورية إيران بما كانت تملكه من عُدد. أولئك كانوا خواءً من الإيمان، وهؤلاء كانوا ممتلئين به؛ فكانت الغلبة لهم. (20)
التجرّد من الذات والاتصال بالله
إن بثّ الأفكار المتعددة، والإعراض عن الذات، والإقبال على الله؛ حقيقة الأمر أن أمتنا أدارت ظهرها لذاتها وأقبلت على الله. لم تكن ملتفتةً إلى ما تشتهيه نفوسها، بل كان همّها كلّه أن تُقيم الجمهورية الإسلامية. كان ذلك توجّهًا إلى الله؛ تجاوزت ذاتها واتصلت بربّها. وهذا هو سرّ الانتصار. (21)
القيام لله
لقد رأيتم أن في هذه الأمة أمرين كانا سرّ انتصارها:
أولهما أن المطالب الشخصية لم تكن مطروحة آنذاك أبدًا. كان الجميع يهتفون: «الله أكبر»، والجميع يقول: «الجمهورية الإسلامية»، والجميع يرفض النظام السابق. لم يكن أحد يومئذٍ منشغلًا بوضعه الشخصي. ولو شكا أحدٌ لصاحبه شيئًا من حاله لضحك منه قائلًا: ليس هذا وقت هذه الأحاديث. هكذا كان الوضع.
والأمر الآخر أن اجتماعهم كان لله. والدليل أنهم كانوا في كل مكان يهتفون: نريد أن نُستشهد. فالشهادة أمرٌ لله. إذن، كان في هذا النصر أمران: أنه كان لله ـ يتجلى في الهتاف «الله أكبر» وفي القول: نريد أن نقيم الجمهورية الإسلامية لله ـ وأنهم كانوا مجتمعين، متّحدي الصوت. الطفل الصغير والشيخ الثمانيني كانوا يتكلمون بلسان واحد.
وقد استهدف أعداؤنا هذين الحصنين. فمنذ أن انهار سدّ النظام السابق، برز الأعداء، وبدأ فريقٌ منهم يعمل على تقويض البعد الإسلامي. فلتتنبهوا جيدًا إلى أن هذين الركنين كانا معًا عرضةً للهجوم. لقد هوجم البعد الإسلامي، وقيل: لا نريد «إسلامية»، نريد «جمهورية» فحسب! كان هذا استهدافًا لصفة الإسلام، لأنهم لم يريدوا تحمّل تبعاتها. فقد أدرك الخبراء أن هذا النصر إنما كان من الإسلام؛ فالناس لا يذهبون إلى الشهادة من أجل «الجمهورية» في ذاتها، بل يقولون: نريد أن نُستشهد من أجل الإسلام. وحتى الآن، إنهم يلبسون الأكفان من أجل الإسلام، لا من أجل «الجمهورية» ولا من أجل «الجمهورية الديمقراطية». (22)
مرافقة الله لنهضة الشعب
ينبغي للجميع أن يستحضروا أن انتصار ثورتنا كان انتصارًا تحقق ببركة الإسلام، وبالتوجّه إليه، وبنداء «الله أكبر»؛ وبهذا تحقق النصر. فلا يظننّ أحدٌ أن أشخاصًا أو جماعاتٍ هم الذين أحرزوا لنا هذا النصر. كلا، بل إن الله تعالى هو الذي، حين رأى الشعب قد نهض في سبيله، واكبه وسانده. (23)
الثورة الباطنية للشعب بعناية الله
إن الثورة الداخلية لهذه الأمة هي التي أفضت إلى قيام هذه الثورة، وإن ذلك التحول الباطني، ومعرفتهم بالإسلام، وتوجّههم إلى الله تبارك وتعالى، هو الذي جعلنا، طوال هذه المرحلة التي نعيشها ـ منذ بدء النهضة، ثم تحولها إلى ثورة، ثم انتصارها، وحتى اليوم ـ نشهد يومًا بعد يوم تزايد حضور الأمة وتعاظم التزامها. وهذا ليس لأجل الثورة في ظاهرها، بل لأجل الثورة الباطنية.
فالثورات قد وقعت في مواضع كثيرة، غير أن هذه الثورة الداخلية التي نشأت في هذا البلد إنما كانت بعنايات الله تبارك وتعالى. نحن لا نملك من أنفسنا شيئًا؛ وكل ما كان فإنما هو من عنايته، وهي التي أوجبت هذا التحول الباطني، فنقلت الأمة من الحالة التي كانت عليها في السابق ـ وهي حالة يعلمها الجميع ـ إلى هذه الحال المتحوّلة التي ترونها اليوم. وهذا هو الذي أفضى إلى النصر.
إن علينا أن نلتمس سرّ الانتصار في هذه الثورة الداخلية للشعب؛ فمتى لم يتحقق هذا المعنى، فإن الثورات لا تعدو أن تكون مجرد نقلٍ للسلطة من يدٍ إلى أخرى، ويبقى حال الأمة على ما كان عليه. (24)
وحدة الكلمة في الدافع والمقصد
لا ريب أن سرّ بقاء الثورة الإسلامية هو عين سرّ انتصارها؛ وسرّ الانتصار تعيه الأمة، وستقرؤه الأجيال القادمة في صفحات التاريخ: إنه يقوم على ركنين أساسيين؛ الدافع الإلهي والمقصد السامي المتمثل في إقامة الحكومة الإسلامية، واجتماع الأمة في جميع أنحاء البلاد على وحدة الكلمة في سبيل ذلك الدافع وذلك المقصد. (25)
الملاحق:
- صحيفة الإمام، ج 21، ص 401–402
- المصدر نفسه، ج 5، ص 471
- المصدر نفسه، ج 6، ص 188
- المصدر نفسه، ج 6، ص 339
- المصدر نفسه، ج 6، ص 416
- المصدر نفسه، ج 6، ص 478
- المصدر نفسه، ج 7، ص 23–24
- المصدر نفسه، ج 8، ص 167–168
- المصدر نفسه، ج 8، ص 201–203
- المصدر نفسه، ج 8، ص 346
- المصدر نفسه، ج 8، ص 374
- المصدر نفسه، ج 8، ص 484
- المصدر نفسه، ج 9، ص 89
- المصدر نفسه، ج 9، ص 143–144
- المصدر نفسه، ج 9، ص 274
- المصدر نفسه، ج 9، ص 308
- المصدر نفسه، ج 10، ص 47–48
- المصدر نفسه، ج 10، ص 80
- المصدر نفسه، ج 10، ص 199–200
- المصدر نفسه، ج 11، ص 197–198
- المصدر نفسه، ج 10، ص 418
- المصدر نفسه، ج 11، ص 368–369
- المصدر نفسه، ج 11، ص 437–438
- المصدر نفسه، ج 12، ص 197
- المصدر نفسه، ج 19، ص 479
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





