أكّد الباحث والكاتب التركيّ، يوسف تازغون، أنّ أبرز سمات الإمام الخمينيّ (قدّس سرّه) تمثّلت في تعامله مع الدين بوصفه منظومةً شاملةً لا تقتصر على شؤون الآخرة، بل تمتدّ إلى تنظيم الحياة الدنيويّة، مبيّنًا أنّ سماحته مزج بين العرفان والسياسة، ولم ينظر إلى الفقه كمجموعةٍ من القواعد فحسب، بل كنظامٍ حيويٍّ وشاملٍ يستوعب كافّة أبعاد الحياة، معتبرًا أنّ نظريّة «ولاية الفقيه» هي التجسيد الأجلى لهذا المنهج.
بمناسبة الذكرى السنويّة لانتصار الثورة الإسلاميّة، أُجري حوارٌ مع سماحة الشيخ يوسف تازغون، أحد أعضاء جمعيّة علماء أهل البيت في تركيا (أهلادر)، حول أبعاد الثورة الإسلاميّة؛ حيث أوضح، وهو من خرّيجي الحوزة العلميّة في قم وباحثٌ وكاتبٌ مرموقٌ، أنّه تأثّر خلال فترة دراسته الحوزويّة بالإمام الخمينيّ (قدّس سرّه)، والعلّامة محمّد حسين الطباطبائيّ (رضوان اللّه تعالى عليه)، والعلّامة محمّد تقي مصباح اليزديّ (رضوان اللّه تعالى عليه). وفي ما يلي تفاصيل الحوار:
السؤال: في البداية، نشكرك على قبول دعوتنا. كما تعلم، نحن في أيّام الذكرى السنويّة للثورة الإسلاميّة في إيران؛ فماذا تعني لك الثورة الإسلاميّة عام 1979م؟ هل تراها مجرّد تحوّلٍ سياسيٍّ، أم حركةً حضاريّةً بمعناها الأوسع؟
يوسف تازغون: إنّ تفسير الثورة الإسلاميّة عام 1979م على أنّها مجرد انتقالٍ للسلطة يعني عدم إدراك روحها الحقيقيّة. فلا شك أنّه قد حدث تغييرٌ في النظام، وقد تحقّق انتقالٌ من الملكيّة إلى الجمهوريّة الإسلاميّة؛ لكنّ التحوّل الجوهريّ لم يكن في القالب السياسيّ فحسب، بل كان على المستوى الفكريّ والعقائديّ. فقد شكّلت هذه الثورة ظهورًا جديدًا في مواجهة ادّعاءات العالم الحديث التي تحصر الدين في النطاق الخصوصيّ والفرديّ.
أنا أقيّم الثورة الإسلاميّة بأنّها عودة الإسلام إلى مسرح التاريخ في العصر الحديث كفاعلٍ نشطٍ. لقد كانت هذه الحركة محاولةً عمليّةً لإثبات أنّ الإسلام ليس مجرّد مجموعةٍ من التعاليم الفرديّة والعباديّة، بل يمتلك القدرة على تنظيم الحقوق، والسياسة، والاقتصاد، والنظام الاجتماعيّ.
الحضارة لا تعني المدن والمؤسّسات فحسب؛ بل تشمل صورة الإنسان، والنظرة إلى المعرفة، والعلاقة بين السلطة والأخلاق، وفهم العدالة. وقد تدخّلت الثورة الإسلاميّة في هذه المجالات تحديدًا، وسعت لتقديم إجاباتٍ مستمدّةٍ من الوحي لأسئلةٍ من قبيل: «أيّ إنسانٍ؟»، «أيّ مجتمعٍ؟»، و«أيّ دولةٍ؟». ومن هذا المنطلق، فإنّ الثورة الإسلاميّة هي مسارٌ نحو تشكيل حضارةٍ، أكثر من كونها مجرّد ثورةٍ حكوميّةٍ.
السؤال: برأيك، ما هي الرسالة الأساسيّة للثورة الإسلاميّة؟
يوسف تازغون: الرسالة الأساسيّة للثورة الإسلاميّة هي «أنّ الاستقلال والعزّة لا يتحقّقان إلّا في ظلّ العبوديّة للّه». لقد اتّخذت الثورة الإسلاميّة موقفًا ضدّ الاستبداد الداخليّ والهيمنة الخارجيّة معًا. ولم يكن شعار «لا شرقيّة ولا غربيّة» مجرد خيارٍ سياسيٍّ، بل كان إعلانًا للاستقلال القائم على أساس العبوديّة للّه تعالى.
لقد عزّزت الثورة الإسلاميّة هذا الوعي لدى المسلمين بأنّهم ليسوا محكومين باتّباع الأيديولوجيّات التي ينتجها الآخرون، وأنّ بإمكانهم تقديم نظريّةٍ سياسيّةٍ واجتماعيّةٍ منطلقةً من مصادرهم وتراثهم الفكريّ. وكانت هذه الثقة بالنفس ذات أهمّيّةٍ بالغةٍ؛ لأنّ المجتمعات الإسلاميّة في القرن العشرين كانت غالبًا مضطرّةً إلى تعريف نفسها في ظلّ الرأسماليّة أو الاشتراكيّة. فجاءت الثورة الإسلاميّة لتعلن: «نحن أيضًا لدينا فكرٌ ورأيٌ».
لقد أعادت الثورة الإسلاميّة مفاهيم مثل الإيثار، والشهادة، والصبر، والمقاومة إلى ساحة الوعي الاجتماعيّ مرّةً أخرى. ولم تكن هذه المفاهيم مجرّد شعاراتٍ أيديولوجيّةٍ، بل تجسّدت عمليًّا خلال سنوات الحرب المفروضة (مع صدّام) وفترة العقوبات.
السؤال: برأيك، ما هي أبرز ملامح فكر الإمام الخمينيّ (قدّس سرّه) بالنسبة للمسلمين اليوم؟
يوسف تازغون: أهمّ ما تميّز به الإمام الخمينيّ (قدّس سرّه) أنّه نظر إلى الدين لا لأمر الآخرة فحسب، بل لتنظيم الحياة الدنيا أيضًا. فقد مزج الإمام العرفان بالسياسة، ونظر إلى الفقه بوصفه ليس مجرّد قواعد جامدةٍ، بل نظامًا حيويًّا وشاملًا يستوعب كافّة أبعاد الحياة. ونظريّة «ولاية الفقيه» في هذا الإطار ليست مجرّد نموذجٍ سياسيٍّ، بل هي الإطار النظريّ لهداية الدين الاجتماعيّة.
لا يوجد في فكر الإمام الخمينيّ (قدّس سرّه) انفصالٌ بين السياسة والمعنوية. فقد كان قائدًا سياسيًّا وعارفًا بارزًا في الوقت نفسه، وتناول في مؤلّفاته مثل «الأربعون حديثًا» و«آداب الصلاة» تهذيب النفس والإخلاص والسلوك الباطنيّ للإنسان. ولذلك، فإنّ السياسة في نظره ليست ساحةً للتنافس على السلطة، بل هي مجالٌ للمسؤوليّة الأخلاقيّة.
إنّ الرسالة الأبرز لفكر الإمام الخمينيّ (قدّس سرّه) للمسلمين اليوم هي تجاوز «حاجز الخوف». فرغم توازنات القوى العالميّة، أجاب الإمام بالإيجاب على سؤال: «هل يمكن قيام سياسةٍ مبنيّةٍ على الحقيقة؟». وهذا التجاوز للحاجز النفسيّ ذو أهمّيّةٍ كبيرةٍ؛ لأنّ مشكلة كثيرٍ من المجتمعات الإسلاميّة ليست نقص الإمكانيّات، بل نقص الثقة بالنفس.
السؤال: بصفتك أحد رجال الدين الذين تلقّوا تعليمهم في إيران، من هو المفكّر أو العالم الذي تأثّرت به أكثر من غيره خلال فترة دراستك؟
يوسف تازغون: أكثر ما أثّر فيّ خلال فترة دراستي في إيران هو الانضباط الفكريّ العميق للدروس الحوزويّة، ولا سيّما علم أصول الفقه، الذي يدرّب الإنسان على منهجيّةٍ غير سطحيّةٍ في التعامل مع القضايا. وهذه الطريقة لا تقتصر على المباحث الفقهيّة والدينيّة، بل تؤثّر في صياغة الإطار العامّ للفكر أيضًا.
ومن حيث الشخصيّات، لا شك أنّ هناك شخصيّتين كبيرتين تركتا تأثيرًا واسعًا ليس عليّ فحسب، بل على كثيرٍ من الطلّاب: الأوّل، الإمام الخمينيّ (قدّس سرّه) الذي غيّر نظرتنا إلى الحياة والعالم والدين والسياسة؛ والآخر؛ العلّامة الطباطبائيّ (رضوان اللّه تعالى عليه) الذي كان من أكثر الشخصيّات تأثيرًا في الفهم الصحيح والعميق للدين.
ومن أبرز الشخصيّات أيضًا العلّامة محمّد تقي مصباح اليزديّ (رضوان اللّه تعالى عليه)، الذي كان أسلوبه في مواجهة التيّارات الفكريّة الحديثة مفيدًا للغاية؛ إذ إنّه لم يتجاهل تساؤلات العصر الحديث في الوقت الذي كان يدافع فيه عن التراث.
فهؤلاء العظماء أظهروا لنا أنّ الفكر الإسلاميّ ليس تراثًا متجمّدًا، بل هو مدرسةٌ حيّةٌ، مولّدةٌ، ناقدةٌ، وقادرةٌ على الحوار مع العصر.
السؤال: ما الرسالة التي توجّهها، ولا سيّما إلى الشباب، في ذكرى الثورة الإسلاميّة؟
يوسف تازغون: ما أستطيع أن أقوله هو أنّ الثورة تبدأ من العقل والقلب؛ فإذا لم يعرف الشابّ مصادره العقديّة، فإنّه سيفكّر، لا إراديًا، بمفاهيم الآخرين.
واليوم، تقوم كلٌّ من شبكات التواصل الاجتماعيّ، والأجواء الجامعيّة، والثقافة العامّة ببناء عالمٍ معرفيٍّ. لذا، يجب على الشباب، بل علينا جميعًا، أن نكون ملمّين بالعلوم التراثيّة وأن نتعلّم لغة العصر في الوقت نفسه، فإنّ الحضور المؤثّر لا يتحقّق بمجرّد الشعارات، بل بالمعرفة والأخلاق.
وفي الختام، أعرب يوسف تازغون عن شكره لوكالة أنباء الحوزة لإتاحتها فرصة هذا الحوار، قائلًا: نتابع بدقّةٍ الموادّ العلميّة والفكريّة المنشورة في هذه الوكالة؛ لأنّها تُصبّ في إطار إحياء وعي الأمّة الإسلاميّة. ونعتقد أنّ أخبار هذه الوسيلة الإعلاميّة ومقالاتها وتحليلاتها تؤدّي دورًا مهمًّا في تشكيل الوعي في العالم الإسلاميّ. ونسأل اللّه تعالى أن يبارك في خدماتكم ويديمها وأن يثيب العاملين في هذا المجال خير الثواب.





