تأمل علمي في حكم الفقه الإسلامي للمحاربة

شبكة الاجتهاد: «الأمن» هو أحد الحقوق الأساسية للأفراد في المجتمع الإسلامي، ويقع على عاتق النظام والحكومة الإسلامية واجب الحفاظ على أمن المواطنين، وحماية الأموال العامة، والمدن، والقرى، والطرق. ومن منظور الإسلام، يُعد الأمن أحد أهم الخطوط الحمراء التي لا يجوز لأحد التعدي عليها، وبالتالي يُتخذ إجراء صارم ضد المخالفين في هذا المجال.

أولئك الذين يهددون أمن المجتمع الإسلامي يُصنفون في القرآن على أنهم محاربون، ويترتب عليهم عقاب شديد. المستند الشرعي لحكم المحاربة ورد في الآية 33 من سورة المائدة:

«إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ یُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَیَسْعَوْنَ فِی الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ یُقَتَّلُوا أَوْ یُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَیْدِیهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ یُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِکَ لَهُمْ خِزْیٌ فِی الدُّنْیَا وَ لَهُمْ فِی الْآخِرَهِ عَذَابٌ عَظِیمٌ».

أما عن سبب نزول الآية، فقد جاء في الروايات: أن مجموعة من المشركين من مكة قدموا إلى المدينة وأسلموا، لكنهم كانوا مرضى، فأمرهم الرسول ﷺ بالذهاب إلى منطقة معتدلة خارج المدينة، وسمح لهم بالاستفادة من حليب الإبل التابعة للبيت المال. إلا أنهم عند تماثلهم للشفاء، اعتدوا على الرعاة المسلمين، فقطعوا أيديهم وأرجلهم، وعماهم، وغنموا الإبل، وتراجعوا عن الإسلام. بناءً على الآية، أمر رسول الله ﷺ بالقبض عليهم وتنفيذ العقوبة عليهم كما فعلوا مع الرعاة.

بعض النقاط الهامة المتعلقة بهذه الآية تشمل:

  1. حدة أسلوب الآية: أسلوب الآية شديد جدًا تجاه من يهدد أمن المجتمع الإسلامي ويثير الرعب والفزع بين الناس، مما يعكس أهمية هذا الموضوع بالغة في الإسلام.
  2. الربط بين الإفساد في الأرض والقتال مع الله ورسوله: وفقًا للآية، التعدي على أمن المجتمع الإسلامي، والإيذاء أو الترهيب أو قتل المواطنين، يُعد حربًا على الله ورسوله («يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَه»). من يأخذ السلاح لإلحاق الضرر بحياة أو ممتلكات المسلمين يُنظر إليه كما لو أنه يتحدى الله ورسوله مباشرة.
  3. الدين والسياسة مرتبطان: الدين ليس منفصلًا عن السياسة، لذلك فإن تنفيذ الأحكام والحدود الإلهية يتحقق فقط في ظل وجود نظام وحكومة إسلامية؛ فبدون الدولة، لا يوجد ضمان أو آلية عملية لتنفيذ الأحكام الشرعية.
  4. أهمية السلطة والإنفاذ في إصلاح المجتمع: أمر الرسول ﷺ بسرعة وحزم بالتصدي للمخالفين والمحاربين، ما يبيّن أن إصلاح المجتمع لا يقتصر على الوعظ والإرشاد والدعوة والعمل الثقافي، بل يتطلب أيضًا القوة والحزم الثوري ضد المفسدين ومهددي الأمن، وإلا فلن يتحقق الاستقرار الاجتماعي.
  5. تحديد نوع العقوبة: اختيار إحدى العقوبات الأربع المذكورة في الآية («أَنْ یُقَتَّلُوا أَوْ یُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَیْدِیهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ یُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ») يتم بواسطة الإمام أو الحاكم المعين منه، وفقًا لنوع المخالفة والجريمة المرتكبة، وبالتالي تختلف العقوبة بحسب الظروف والوقائع.
  6. العقوبات حق لله: العقوبات المذكورة في الآية تعتبر حق الله، ولا يمكن للعفو من جانب الحكومة أو المواطنين تغييرها. إذا عفا أولياء المقتول أو من تضررت ممتلكاتهم، فإن المحارب لا يُبرأ من مسؤوليته لأن أفعاله أخلّت بالأمن العام وسلبت حق الناس في الحياة، والحكومة الإسلامية مُلزَمة بتنفيذ العقوبة.
  7. العقوبة الدنيوية والآخرة: في بعض الجرائم، إذا عوقب الفرد في الدنيا، فهذا يُكفّره عن العقوبة في الآخرة. أما المحاربة فلا، إذ أن المحارب مُهدّد بالعقوبة في الدنيا والآخرة معًا، كما جاء في الآية: «ذَلِكَ لَهُمْ خِزْي فِي الدُّنْيا وَ لَهُمْ فِي الْآخِرَة عَذَابٌ عَظِیم».
  8. تخفيف العقوبة عند التوبة: هذه الأحكام الشديدة تخص من لم يتبوا قبل القبض عليهم ولم يسلموا أنفسهم للسلطات. أما من تابوا وسلموا أنفسهم قبل القبض، فتخفف العقوبة عليهم في الدنيا، ويغفر الله لهم جزءًا من العقوبة في الآخرة، كما جاء في الآية: «إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَیْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِیم».

المؤلف: حجة الإسلام محسن رضائي، أستاذ في الحوزة والجامعة ومدير مؤسسة “معيار الفكر”.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

روابط ذات صلة

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل