إنّ الذات الإلهيّة المقدّسة لم تُوجب علينا العلم فحسب، بل قرّرت لنا علومًا كثيرة، وأقسمت بالأداة العلميّة؛ فأقسمت بالقلم، وأقسمت بالحبر، وأقسمت بالكتاب وبالعلم نفسه، وهو أمرٌ واضح. فإذا أقسمت بالحبر جاء قوله تعالى: «ن»، وإذا أقسمت بالقلم قال: «وَالقَلَم»، وإذا أقسمت بالكتابات والعلوم قال: «وَمَا يَسْطُرُون»؛ أي إنّ المكتوب والعلم المدوَّن محلّ قَسَمٍ إلهيّ، والقلم الذي يكتب محلّ قَسَم، والحبر الذي هو أداة الكتابة محلّ قَسَم إلهيّ. وهذا كلّه يدلّ على أنّ الذات الإلهيّة تعطي للعلم أهميّةً بالغة.
إنّ الإنسان إذا أراد أن يفهم مسألةً ما، فلا يستطيع فهمها من دون ميزان، وإلّا حكم أحيانًا بالحدس والخيال والظنّ والوهم. ولذلك، ولكي يكون الفهم دقيقًا، لا بدّ من ميزان. وميزان العلوم، سواء في الحوزات العلميّة أو في الجامعات، هو علم المنطق؛ منطقٌ غنيّ قويّ يبيّن طريق التصوّر، وطريق التصديق، وطريق الحوار، كما يكشف أيضًا عن مزالق المغالطات، لكي لا يقع الإنسان نفسه في الخطأ، ولا يُوقع غيره في حفرة الخطأ. وفنّ المغالطة من الفنون الضروريّة في علم المنطق، ليصون الإنسان نفسه من الوقوع فيها، ويمنع غيره من الابتلاء بها.
أمّا أهمّ أدوات العلوم الحوزويّة فهو علم الأصول؛ فكلّما كان علم الأصول أغنى وأقوى، لا يضلّ في مساراتٍ منحرفة، ولا يسدّ طريق الآخرين، ولا ينشغل بإثارة الشبهات، بل ينصرف إلى:
- معرفة الصراط المستقيم للاستنباط،
- وتقوية هذا الاستنباط،
- والتحفّظ من حدوث أيّ اعوجاج أو انحراف في هذا الطريق المستقيم.
ولهذه الأمور أثرٌ بالغ الأهميّة
ينبغي للحوزة أن تدرس منطقًا قويًّا غنيًّا لكي تتمكّن من إنتاج السؤال. فإذا أنتجت السؤال ودخلت إلى علم الأصول، بدأت بالمراجعة والتحليل، لأنّ دهليز الدخول إلى الفقه هو علم الأصول، فتبحث: أيّ القضايا هي قضايا حقيقيّة، وأيّها قضايا خارجيّة، وما هو المعيار في ذلك. فإذا تجاوز هذا الدهليز، واستخرج الفتوى، ودخل إلى المسألة الفقهيّة، عندئذٍ يدرك ما هو قابل للتغيّر وما هو غير قابل للتغيّر؛ فعلى سبيل المثال: هل القضيّة القائلة بأنّ الدية على العاقلة قابلة للتغيير أم غير قابلة للتغيير؟ وأمثال ذلك.
لا مخرج ولا بديل من فتح أبواب المنطق الغنيّ القويّ؛ لأنّ المنطق هو طريق الاستدلال، ومنه يُفتح الباب إلى علم الأصول الغنيّ القويّ، لأنّه طريق الاستنباط، ومن هناك يُفتح الطريق إلى الفقه الذي يُعدّ المحور الأساس لعمليّة الاستنباط.
وهنا يُطرح السؤال: هل لم يقع في هذه القرون أيّ تغيير أو تحوّل؟ أم إنّ تحوّلات قد وقعت، وحين بلغت حدًّا كبيرًا أدّت إلى ظهور دين جديد، فجاءت المسيحيّة، وجاءت اليهوديّة، وجاء الإسلام؟
إنّ هذه الأديان لم تأتِ لتغيير القضايا الحقيقيّة، بل جاءت لتغيير القضايا الخارجيّة. فإذا كان قوله تعالى: «إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ» من القضايا الحقيقيّة، فهو واحدٌ سواء في المسيحيّة أو في اليهوديّة أو في الإسلام؛ غير أنّ بعضها كان ضعيفًا، وبعضها أغنى، وبعضها أقوى، لكنّها كلّها تسير في الخطّ نفسه. وقد جاء الإسلام بالأكمل والأتمّ منها، أمّا الأصل فكان في هذا المسار نفسه.
إنّ نظام الإمامة والأمّة ليس للتعليم وحده؛ فالعلم تتولّاه الحوزات والجامعات. والعلم مهمّته إزالة الجهل، وهو ما تقوم به الحوزات والجامعات، أمّا الحسينيات والمساجد والمراكز التبليغيّة فوظيفتها إزالة الجهالة.
غير أنّ ما يتصدّى له نظام الإمامة والأمّة، وما هو وظيفته الأساس، أنّه ـ مع قيادته لإزالة الجهل التي تقوم بها الحوزات والجامعات، وقيادته لإزالة الجهالة التي تقوم بها المساجد والمراكز والحسينيات والهيئات الدينيّة ـ فإنّه، مع قيادته للعلم، ومع قيادته للعقل، ومع قيادته لإزالة الجهل، ومع قيادته لإزالة الجهالة، فإنّ الوظيفة الرئيسة لنظام الإمامة والأمّة هي إزالة الجاهليّة.
إنّ العالم الغربي اليوم مبتلى بجانبٍ من الجاهليّة، بل نحن اليوم أمام زاوية من زوايا الجاهليّة في الغرب. فالمآسي التي تُنتج قضيّة غزّة وأمثال غزّة لا تُحلّ بالعلم، ولا تُحلّ بإزالة الجهالة، وإنّما تُحلّ بإزالة الجاهليّة.
إنّ نظام الإمامة والأمّة قاعدته الأساس، ووسامه الرئيس، وثمرته الكبرى هي إزالة الجاهليّة. ومن هنا يجب تقوية مسؤولي النظام والدعاء لهم، وتقوية المجتمع الإسلامي والدعاء له، والتضرّع والابتهال إلى الذات الإلهيّة المقدّسة أن يهبنا ـ كما تفضّل علينا بإزالة الجهل وإزالة الجهالة ـ نعمة إزالة الجاهليّة أيضًا.
(مقاطع من رسالة سماحته إلى المؤتمر السابع والعشرين لكتاب العام في الحوزة العلميّة)
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





