يبيّن الكاتب في هذه المذكّرة أنّ الإنسان ما دامت أمامه طرقٌ فرعيّة أرضيّة، فإنّه لا يصرخ استغاثةً حقيقيّة. أمّا الاضطرار فهو الانقطاع عن جميع تلك الطرق؛ أي بلوغ نقطة «لا إله إلاّ الله» في صرخة انعدام السند والملجأ.
وكالة أنباء حوزة | لنبدأ الحديث من هذه «الأخبار اليوميّة» نفسها، ولكن لا من أخبار الشاشات… بل من أخبار الحياة:
فسادٌ يُفقد الإنسان ثقته… وظلمٌ يخنق الأنفاس… واقتصادٌ يضيّق الموائد… وأُسرٌ تتفكّك تحت الضغوط… وحروبٌ تُشرّد الأطفال… ولا عدالةٌ تقتلع جذور الأمل…
كأنّ البشر كلّما تقدّموا، كثرت الأدوات، وقلّ الاطمئنان… وكثرت القوانين المكتوبة، وابتعدت العدالة… وكثرت الكلمات، وقلّ الصدق… وهنا يقف الإنسان الصادق لحظةً ويقول:
«فأين الطريق حقًّا؟»
وأريد أن أقول جملةً بغاية الجديّة، لا كشعار، بل كتجربة تاريخيّة:
ما دام قلب الإنسان دافئًا بغير الله، فلن تتحقّق الاستغاثة الحقيقيّة.
نحن أحيانًا ندعو، لكنّ أعماق قلوبنا ما تزال متعلّقةً بإنسان، أو بقوّة، أو بمال، أو بعلاقة، أو بموقع، أو بطريق سياسيّ، أو بخطّة أرضيّة… ولا يؤثّر الدعاء إلّا حين يبلغ الإنسان فعلًا هذه النقطة:
«يا ربّ… لم يعد لي سندٌ إلّا أنت… ولا انفراج إلّا انفراجك… ولا نجاة إلّا النجاة التي ترسلها أنت».
وهنا نحتاج أن نغوص خطوةً أعمق: الفرق بين الدعاء والاستغاثة، هو الفرق بين الضيق والاضطرار.
قد يكون الدعاء نابعًا من الإيمان، لكن يبقى للإنسان في داخله عدّة طرق خفيّة؛ ويبقى في أعماقه يقول: «إن لم تنجح، فهناك هذا الخيار… وإن لم تنجح، فهناك ذاك الشخص… وإن لم تنجح، فهناك ذلك المال…».
أمّا الاستغاثة، فتعني أنّ الإنسان قد فقد كلّ الطرق الزائدة؛ أي إنّ القلب يبلغ نقطةً لا يعود فيها مجال للتمثيل أو الادّعاء.
الاستغاثة دعاءٌ تنفجر فيه طلبات العون من أعماق الروح؛ فالإنسان لا يكتفي بالطلب، بل يصرخ:
صرخة العجز الواعي.
وأمّا الاضطرار، فهو لحظة الشفافيّة الكاملة؛ حين تنهار كلّ الركائز غير الإلهيّة، ويبقى الإنسان أمام حقيقة واحدة واضحة:
«أنت وحدك… أنت وحدك…»
الاضطرار ليس ألمًا، بل هو تطهير. ففي الاضطرار، يتجاوز الدعاء مرحلة اللفظ ليغدو حضورًا. ولهذا السبب تحديدًا، تبدأ تواريخ الخلاص الكبرى غالبًا من هذه النقطة: من قطع الأمل بغير الله، والاتصال الجادّ بالله.
ولكي لا يبقى هذا الكلام مجرّد إحساس، أريد أن آخذكم إلى قلب قصّة حقيقيّة، لا إلى حكاية متخيَّلة؛ قصّةٍ كرّرها القرآن مرارًا، لأنّه يريد لها أن تتحوّل إلى خارطة طريق.
القرآن الكريم يرسم المشهد أوّلًا، كأنّه مخرجٌ دقيق: يقول إنّ فرعون استعلى في الأرض، وفرّق الناس شيعًا، واستضعف طائفةً منهم، يقتل أبناءهم ويستبقي نساءهم… ولم يكن هذا مجرّد ظلمٍ جسديّ، بل كان إذلالًا منهجيًّا منظّمًا.
وقد ورد هذا المشهد في الآية المشهورة من سورة القصص:
﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ… يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ…﴾ (القصص: 4)
ثمّ يقول القرآن جملةً هي عمود الأمل؛ ففي قلب الظلام تمامًا، يكشف الله خارطة النور:
﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا… وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ (القصص: 5)
أي: إنّنا نريد أن نتفضّل على هؤلاء المستضعفين، فنحوّلهم إلى قادةٍ وأئمّة، ونجعلهم ورثة الأرض.
تأمّلوا جيّدًا: القرآن لا يقول «نريد فقط أن نخلّصهم من الألم»، بل يقول: نريد أن نغيّر الموقع والمكانة؛ نريد للمهانين أن يصلوا إلى موضع التأثير والقيادة.
وهذا هو عين ما يبحث عنه إنسان اليوم أيضًا: ليس مجرّد تخفيف الألم، بل إقامة العدل.
ولكنّ السؤال هنا: كيف يتحقّق هذا الوعد العظيم؟ وكيف ينزل من السماء إلى الأرض؟
هنا تبلغ القصّة تمامًا نقطتكم المفصليّة: الاضطرار والاستغاثة.
يقول القرآن إنّ بني إسرائيل لم يكونوا مجرّد مبتلين بضيقٍ عابر؛ بل كانت المحنة طويلة الأمد.
والمحنة الطويلة تصنع بالإنسان أحد أمرين:
- إمّا أن تقتله من الداخل وتُصيّره فاقد الإحساس…
- وإمّا أن تفصله عن كلّ الركائز الجوفاء، وتوصله إلى صرخةٍ خالصة نقيّة.
يقول الإمام الصادق عليه السلام:
«فَلَمَّا طَالَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ الْعَذَابُ، ضَجُّوا وَبَكَوْا إِلَى اللهِ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، فَأَوْحَى اللهُ إِلَى مُوسَى وَهَارُونَ أَنْ يُخَلِّصَاهُمْ مِنْ فِرْعَوْنَ، فَحَطَّ عَنْهُمْ سَبْعِينَ وَمِائَةَ سَنَةٍ…»
ثمّ يضيف الإمام الصادق عليه السلام جملةً تهزّ الوجدان، وهي رسالة مباشرة لنا:
«هكَذَا أَنْتُمْ لَوْ فَعَلْتُمْ لَفَرَّجَ اللهُ عَنَّا، فَأَمَّا إِذَا لَمْ تَكُونُوا، فَإِنَّ الأَمْرَ يَنْتَهِي إِلَى مُنْتَهَاهُ.»
أي: هكذا أنتم أيضًا، لو فعلتم مثل ذلك لفرّج الله عنّا، أمّا إذا لم تفعلوا، فإنّ الأمر يمضي إلى نهايته المحتومة.
وهذه الرواية مذكورة بوضوح في بحار الأنوار، ج 52، ص 132، كما ورد مضمونها في عدد من المصادر التفسيريّة.
ويؤكّد النصّ على عبارة:
أربعين صباحًا…
أي لم يكن يومًا أو يومين.
ولم يكن ليلةً عاطفيّة في مجلس.
ولم يكن موجةً شعوريّة عابرة.
أربعون صباحًا تعني:
كان الناس يستيقظون من النوم، لكن لم يعد لصباحهم طعم اليوم العادي.
صباحهم يبدأ بالأنين.
صباحهم يبدأ بالدموع.
صباحهم يبدأ بجملة واحدة:
«يا ربّ… كفى… لم يبقَ لنا شيء…»
ويقول النصّ: «ضَجُّوا»…
والضجيج هو الأنين العالي، هو الصراخ الخارج من العمق، هو اللحظة التي لا يعود الإنسان فيها معنيًّا بأن يبدو «مرتبًا» أو متماسكًا.
«وبكوا»… وبكوا فعلًا.
لماذا؟ لأنّهم بلغوا نقطة أدركوا فيها أنّ:
لا القبيلة تُنقذنا،
ولا العلاقات،
ولا المال،
ولا القوّة…
الله وحده.
وهناك بالضبط نزل الوحي:
وانفتح طريق النجاة.
وبحسب الرواية، خُفِّف عنهم من تلك المدّة الثقيلة مائة وسبعون عامًا.
ماذا يعني هذا كلّه؟
يعني أنّه في منطق أهل البيت عليهم السلام، بعض المقادير الإلهيّة قابلة للتغيير؛ ولكن ليس بأيّ دعاء…
بل بالدعاء الذي يخرج من قلبٍ انقطع أمله عمّا سوى الله.
والآن، لنعد إلى السؤال الأوّل.
الفساد العالمي، والظلم، والأزمات الاقتصاديّة، وانهيار الأخلاق، وتفكّك الأسر…
هذه كلّها ليست مجرّد مشكلة نقص في الحلول.
المشكلة الأعمق هي أنّ الإنسان ما زال يتوهّم أنّه يستطيع إنقاذ نفسه بالآليّات نفسها التي صنعها بيديه، مع أنّ هذه الآليّات ذاتها تكون أحيانًا منتِجة للظلم.
لا أقول أن لا نسعى أو لا نعمل؛ كلا.
لكن هناك حقيقة ثابتة:
النجاة الجذريّة لا تأتي إلّا حين يفهم الإنسان أنّه من دون الارتباط بالله لا تُبنى عدالة مستدامة، ومن دون منقذٍ إلهيّ لا تكتمل تلك العدالة العالميّة.
وهنا بالضبط تتحوّل قصّة بني إسرائيل إلى مرآة:
حين طال الظلم،
وحين انهارت الآمال الأرضيّة،
وحين بلغ الناس حدّ الاضطرار،
تشكّلت استغاثة جماعيّة…
ثمّ جاء الانفراج.
﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ (النمل: 62)
أي: من الذي يجيب المضطرّ؟
الذي غيّر تاريخ بني إسرائيل… هو نفسه القادر أن يغيّر تاريخنا اليوم.
فيا إخوتي، ويا أخواتي…
إذا كنتم ترون اليوم أنّ المشكلات لم تعد شخصيّة، بل اجتماعيّة، عالميّة، حضاريّة…
إذا كنتم ترون أنّ العدالة مجروحة، وأنّ الأسر تحت الضغط، وأنّ الناس ينهكون من اليأس…
فكلّ هذا ينبغي أن يقودنا إلى نقطة واحدة:
إلى نقطةٍ لا نكتفي فيها بالطلب، بل نستغيث.
إلى نقطةٍ نستبدل فيها الاتّكاء الكامل على الأرض، بالاعتماد على السماء.
إلى نقطةٍ لا نعدّ فيها المنقذ مجرّد عقيدة ذهنيّة، بل حاجةً وجوديّة مصيريّة.
وهذا هو بالضبط المعنى الذي أكّده الإمام الصادق عليه السلام بعد رواية بني إسرائيل:
«أنتم أيضًا، لو فعلتم مثلهم، لَحَلَّ الفرج…»
والآن، ولكي نرى قانون الاستغاثة متجسّدًا من جديد في مشهدٍ تاريخيّ واضح، دعوني آتي بمشهدٍ آخر: بدر.
بدر لم تكن مجرّد معركة؛
بدر كانت عرضًا حيًّا لهذه الحقيقة:
حين تقلّ الأسباب الظاهريّة، ويشتدّ الضغط، فإذا اتّصل القلب بالسماء، فُتح باب المدد.
القرآن يذكّر في بدر بأمرين معًا: قلّة العدد وضعف الظاهر، ثمّ العون الإلهي:
﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (آل عمران: 123)
وفي الميدان نفسه، يسجّل القرآن لحظة الذروة في العجز الواعي؛ لا دعاءً عاديًّا، بل استغاثة:
﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ (الأنفال: 9)
أي: إنّ باب الإجابة انفتح حين خرج طلب العون من أعماق القلوب.
فلنقل معًا، بهدوء، وبتمهّل، ومن صميم القلب:
«إلهي عَظُمَ البلاء…»
يا ربّ، لقد عظم البلاء…
لا من أجل اليأس، بل من أجل الصدق.
من أجل أن نرفع الأقنعة.
من أجل أن نقول: يا ربّ، لم نعد نريد ركائز جوفاء…
ثمّ اختموا الدعاء بصيغةٍ قصيرة عمليّة، لئلّا يتعب الجمع، لكن مع حفظ الذروة:
يا ربّ، أوصلنا إلى حال بني إسرائيل…
إلى تلك الأربعين صباحًا من الضجيج والبكاء…
واجمع قلوبنا…
وعجّل فرج وليّك…
حجّة الإسلام والمسلمين السيّد علي مهدينيا
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





