طلوع العبوديّة | هل يُعَدّ الشكر خطَّ المواجهة الأوّل في الجهاد الروحي مع الشيطان؟

يقول الإمام زين العابدين عليه السلام في الدعاء الرابع والأربعين من الصحيفة السجّاديّة:

«الحمدُ للهِ الّذي هَدانا لِحَمدِه»، فيُثني بالحمد على هداية الله إلى الحمد نفسه. فأهلُ الشكر هم الذين يلازمون الحمد على الدوام؛ إذ إنّ الشكر يُدخِل الإنسان في مسار العبادة، وهو على خلاف طريق الشيطان، ويكسر شوكته.

وبحسب تقرير وكالة «حوزة» للأنباء، فإنّ شهر رمضان المبارك يُعدّ فرصةً فريدةً للمناجاة والتقرّب إلى حضرة الحقّ سبحانه. وفي هذا الشهر النوراني، يطلّ ملفّ «طلوع العبوديّة» الخاصّ، مصحوبًا بمقاطع من أدعية الإمام زين العابدين عليه السلام في الصحيفة السجّاديّة، ببيان حجّة الإسلام والمسلمين السيّد عبد الرزّاق بيردهقان، الخبير في الصحيفة السجّاديّة.

بسم الله الرحمن الرحيم؛

كنّا في رحاب الدعاء الرابع والأربعين من الصحيفة السجّاديّة. وقد قال الإمام زين العابدين عليه السلام في الجملة الأولى:

«الحمدُ للهِ الّذي هَدانا لِحَمدِه».

فحمد عليه السلام اللهَ تعالى على إدراك شهر رمضان المبارك، وأدّى شكرَه جلّ وعلا على هذه الهداية، أي على أنّ الله سبحانه هو الذي هدانا إلى حمده. فالحمد على الحمد هو مقتضى الشكر الحقيقي. ويقول الشيخ سعدي:

«كلّ نفسٍ يدخل مُعينٌ على الحياة، وإذا خرج باعثٌ على انشراح الذات؛ ففي كلّ نفسٍ شكرٌ واجب، وعلى كلّ شكرٍ شكرٌ آخر».

ثمّ يقول: «مَن ذا الذي يستطيع بيده ولسانه أن يؤدّي شكره كما ينبغي؟» أي إنّ الإنسان ينبغي أن يكون من أهل الحمد، وأن يكون ـ في الوقت نفسه ـ شاكرًا على حمده وشكره نفسه.

متابعة «طلوع العبوديّة» | الشكر وبناء صفّ الشاكرين

بعد هذا الحمد، يقول الإمام زين العابدين عليه السلام:

«وَجَعَلَنَا مِنْ أَهْلِهِ لِنَكُونَ لِإِحْسَانِهِ مِنَ الشَّاكِرِينَ».

أي: إلهي، أحمدك وأشكرك لأنّك جعلتنا من أهل الشكر.

وكونُ الإنسان من أهل الشكر أمرٌ واضح المعالم؛ فالإمام زين العابدين عليه السلام لا يعدّ من أهل الشكر من يشكر الله مرّةً واحدة على بعض النِّعم، بل يرى أنّ الشاكر الحقيقي هو من يُلازم شكر الله على الدوام.

فالإنسان قد يرى النِّعم العظيمة التي أُفيضت عليه، غير أنّه، بحكم العادة، لا يؤدّي شكرها. ومثل هذا لا يُعدّ بعدُ في صفّ الشاكرين. يقول الإمام زين العابدين عليه السلام: إنّ من كان من أهل الشكر فهو في صفّ الشاكرين، ولا بدّ أن يكون حمدُه كثيرًا ومتواصِلًا؛ كما ورد في الدعاء الأوّل من الصحيفة السجّاديّة:

«حَمْدًا لَا مُنْتَهَى لِحَدِّهِ، وَلَا حِسَابَ لِعَدَدِهِ، وَلَا مَبْلَغَ لِغَايَتِهِ، وَلَا انْقِطَاعَ لِأَمَدِهِ».

ولِمَ ينبغي للإنسان أن يحمد الله تعالى؟ يجيب الإمام زين العابدين عليه السلام: ليكون من أهل الحمد، وليقِفَ ـ في مقابل إحسان الله ـ في صفّ الشاكرين.

وحين يشكر الإنسانُ اللهَ على النِّعم والإحسانات التي أفاضها عليه، تترتّب على ذلك ثمراتٌ عظيمة، من أهمّها:

  1. أنّ الإنسان يدخل في مسار العبوديّة لله تعالى، ويُحسب في زمرة العابدين.
  2. أنّه يسلك طريقًا مخالفًا لطريق الشيطان؛ لأنّ الشيطان لم يكن عابدًا لله، والعبد الشاكر يسير في الجهة المعاكسة لمسار الشيطان.
  3. أنّه يكسر شوكة الشيطان ويُحطّم ظهره.

وأمّا سبب كون الشاكر كاسرًا لظهر الشيطان، فقد جاء بيانه في القرآن الكريم، حيث يقول تعالى:

«وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ۗ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ» (الأعراف: 10).

فالشيطان يشعر بأنّه إذا لم يكن الناس من الشاكرين استطاع أن يُضلّهم.

وكذلك يقول الله تعالى حكايةً عن قول إبليس:

«ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ».

فإذا صار الإنسان من أهل حمد الله تعالى، ترتّبت على ذلك ثلاث ثمرات أساسيّة:

  1. دخوله في دائرة العبادة الإلهيّة،
  2. كونه من عباد الله،
  3. كسره لشوكة الشيطان وسيره في طريقٍ مخالفٍ لطريقه.

إنّ هذا المسار وما يفيض الله به على الإنسان من لطفٍ ببركة الشكر يُعدّ من أعظم النِّعم الإلهيّة. ولذا نرى الإمام زين العابدين عليه السلام، في كثيرٍ من أدعيته ـ ومنها هذا الدعاء ـ يؤكّد على هذا المعنى تأكيدًا بالغًا، ويدعونا إلى سلوك طريق الشكر.

نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإيّاكم من الشاكرين لديه.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل