شهر رمضان ومسؤولية المبلّغ: من منبر الكلمات إلى صناعة التغيير

إنّ شهر رمضان بالنسبة للمبلّغ الديني ليس فقط فصلًا مضغوطًا للمنابر والبرامج الموسمية؛ بل هو فرصة لإعادة بناء الثقة، وتعميق فهم القرآن، وتحويل الحماسة العبادية إلى تغييرٍ سلوكي. في شهرٍ تتضاعف فيه ثواب الأعمال، ينال الجهدُ الإرشادي أيضًا أجرًا مضاعفًا. فإذا لم يرتبط التبليغ في هذا الشهر بـ«التربية»، فإنه – في أحسن الأحوال – يصنع ذكرى روحية، لا تحوّلًا دائمًا.

رمضان أشبه بمختبرٍ اجتماعيّ كبير؛ ثلاثون يومًا من التمرين على الإرادة، والتعاطف، وضبط النفس. وفي مثل هذا الميدان، لا يكون المبلّغ مجرّد خطيب، بل مصمّمًا لمسار النمو. وأولى مسؤولياته الأُنس العميق بالقرآن؛ فرمضان شهر نزول القرآن، وكلّ منبرٍ يبتعد عن النصّ يذهب إلى الهامش. غير أنّ هذا الأنس ليس مجرّد تلاوة؛ بل الفنّ أن نربط الآية بحياة اليوم. فعندما نتحدّث عن الصبر، أو الإنفاق، أو التقوى، ينبغي أن نبيّن كيف تكتسب هذه المفاهيم معناها في الأسرة، والاقتصاد، والعلاقات الاجتماعية، بل وحتى في سلوكنا الإعلامي.

في هذا الشهر، ووفقًا للتعاليم الدينية، يُحتسب كلّ عملٍ صالحٍ بمعاملٍ مضاعف. فإذا كان الأمر كذلك في الصلاة والصيام، فكيف بهداية إنسان؟ إنّ الجهد الخالص للمبلّغ، أو إضاءة ذهنٍ، أو الإصلاح بين قلبين، في هذا الموسم النوراني، له ثوابٌ مضاعف ومتنامٍ. وهذه بشارة عظيمة، لكنها في الوقت نفسه تفرض مسؤولية ثقيلة.

والواجب الثاني هو الصدق والعيش المتناغم مع القول. فالمخاطب اليوم يقِظٌ وباحث، وسريعٌ في اكتشاف الفجوة بين الكلام والعمل. الثقة رأس مالٍ يُبنى بسنواتٍ من الجهد، وقد يزول بزلةٍ واحدة. ورمضان أفضل فرصة لإعادة بناء هذا الرصيد؛ عبر البساطة، وترك التكلّف، والابتعاد عن المبالغة.

وثالثًا، معرفة القضايا الحقيقية للمجتمع. فالشابّ اليوم يواجه أسئلةً تتمحور حول الهويّة والانتماء، وهمومًا معيشية، وضغطًا من رواياتٍ إعلامية متعدّدة. والمبلّغ الذي لا يعرف هذا الفضاء يكتفي – من حيث لا يشعر – بتكرار العموميات. إنّ التبليغ المؤثّر يعني الإجابة الدقيقة، الموثّقة، الهادئة عن الشبهات؛ ويعني تعزيز قدرة المخاطب على التحليل، لا مجرّد إثارة عواطفه.

ورابعًا، وجود «امتدادٍ سلوكي» لكلّ برنامج. فإذا كانت الجلسة الرمضانية لا تُنتج إلا دمعةً وعاطفةً دون أن تفضي إلى قرارٍ عملي، فإن أثرها سيكون قصير الأمد. أمّا الاقتراحات الصغيرة ولكن المستمرة – مثل الإصلاح بين شخصين، أو تصحيح عادةٍ سيئة، أو التدرّب على حوارٍ محترم داخل الأسرة – فيمكن أن تحوّل المنبر إلى أداة تغييرٍ اجتماعي.

وخامسًا، العناية الجادّة بمكارم الأخلاق. فالمبلّغ في المجتمع «راية» وعلامة للتديّن، والناس يجعلون سلوكه معيارًا. لذا ينبغي أن يكون متميّزًا ومتقدّمًا في الحِلم، والتواضع، والبِشر، وسعة الصدر، واجتناب الحدّة. رمضان شهر كبح الغضب وتنقية النيّة. فإذا نجح المبلّغ في ميدان تزكية النفس، فإن كلمته لا تُسمع فحسب، بل تُقبَل.

وفي الختام، فإن تزكية النفس مقدَّمة على تزكية الآخرين. فالمبلّغ الذي يكون جادًّا في صيامه، وتهجّده، ومحاسبة نفسه، تكتسب كلمته عمقًا وأثرًا. رمضان فرصةٌ ليعبر التبليغ من مستوى الكلمات إلى مستوى الشخصية. وفي شهرٍ يتضاعف فيه النور وتزداد فيه الأجور، تتضاعف المسؤولية أيضًا. فإذا تَشكّل هذا الفهم، فلن تكون المنابر مجرّد مراسم، بل ستكون بدايةَ حركة.

*ترجمة مركز الإسلام الأصل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل