يُعَدّ شهر رمضان فرصةً إلهيّة لتطهير الروح، وتنقية الأعمال، وتعزيز روح التسليم والعبوديّة، وإحياء الليالي، والأُنس بالقرآن، وبلوغ رضوان الله؛ فهذا الشهر يمهّد طريق الهداية والإخلاص للسالكين إلى الله.
وكالة حوزة الإخباريّة | إنّ شهر رمضان في الثقافة الإسلاميّة ليس مجرّد شهرٍ في تعاقب الأيّام، بل هو ميقاتٌ للعاشقين، وضيافةٌ للسائرين، وربيعٌ للأرواح التي أنهكها شتاء الغفلة. وفي هذا السياق، فإنّ أهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام ـ وهم منابع الحكمة ومعدن الوحي ـ قد علّمونا أبهى أساليب الاستقبال لهذا الشهر الكريم.
إنّ الصحيفة السجّاديّة، هذا زبور آل محمّد ﷺ والتراث الخالد للإمام زين العابدين عليه السلام، تمثّل كنزًا من المعارف الإسلاميّة الخالصة، تقدّم ـ في قالب الدعاء والمناجاة ـ أعمق المفاهيم التوحيديّة والأخلاقيّة لعطاش الحقيقة. وفي هذه الصحيفة النورانيّة دعاءٌ يحمل الرقم الرابع والأربعين، يمكن بحقّ تسميته «المنشور السماوي لاستقبال شهر رمضان»؛ وهو الدعاء الذي كان الإمام زين العابدين عليه السلام يلهج به عند إطلالة شهر رمضان المبارك، مفتتحًا إيّاه بمطلعٍ زاخرٍ بالحمد والثناء الإلهيّين.
يسعى هذا المقال، من خلال الغوص في أعماق هذا الدعاء الشريف، إلى تأمّل أوصاف شهر رمضان في مرآة كلام الإمام السجّاد عليه السلام، وإعادة إنشاد الألحان الملكوتيّة لاستقبال ضيافة الله.
القسم الأوّل: شهر رمضان في الهندسة الإلهيّة للهداية
يفتتح الإمام السجّاد عليه السلام هذا الدعاء بنغمةٍ عذبة من الحمد والشكر لله تعالى: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِلْإِسْلَامِ…»
فيحمد الله على نعمة الهداية إلى الإسلام، ويجعل هذه الهداية مقدّمةً للوصول إلى جزاء المحسنين ورضوان الله.
غير أنّ النقطة العميقة والمثيرة للتأمّل تتجلّى في ما يذكره الإمام عليه السلام بعد ذلك، حيث يُدرِج شهر رمضان في عداد سبل الهداية والإحسان الإلهي. وفي هذا التعبير الرفيع يقول عليه السلام:
«وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ مِنْ تِلْكَ السُّبُلِ شَهْرَهُ شَهْرَ رَمَضَانَ، شَهْرَ الصِّيَامِ، وَشَهْرَ الْإِسْلَامِ، وَشَهْرَ الطَّهُورِ، وَشَهْرَ التَّمْحِيصِ، وَشَهْرَ الْقِيَامِ»
في هذا المقطع النوراني يُعرَّف شهر رمضان بوصفه أحد «السُّبل»، أي الطُّرق. وهذا التعبير يكشف أنّ شهر رمضان هو بنفسه طريق ومسارٌ للوصول إلى الله، لا زمانًا محايدًا خاليًا من الأثر. إنّه طريقٌ إذا سُلِك على وجهه الصحيح أوصل السالك إلى الغاية العُليا، أي رضوان الله. وفي الحقيقة، فإنّ الإمام عليه السلام يفتح بهذا البيان خريطة الطريق أمامنا، ويبيّن قيمة هذا الشهر ومكانته في هندسة الهداية الإلهيّة.
القسم الثاني: الأوصاف السماويّة لرمضان في كلام السجّاد (ع)
يُعَدّ تعداد الأسماء والأوصاف من أبهى مقاطع الدعاء الرابع والأربعين. فالإمام عليه السلام يقدّم هذا الشهر، ببيانٍ عذبٍ آسر، من خلال جملة أوصاف، يُجسّد كلّ واحدٍ منها بُعدًا من هويّته الملكوتيّة:
- شهر الصيام: الصيام الذي يتحدّث عنه الإمام في هذا الدعاء يتجاوز مجرّد الإمساك الظاهري. ففي فقراتٍ لاحقة، يسأل الله صومًا تُكفّ فيه الجوارح والأعضاء عن المعصية؛ صومًا تُمسِك فيه العين عن النظر إلى الحرام، والأذن عن سماع اللغو، واليد عن الامتداد إلى ما حرّم الله.
- شهر الإسلام: رمضان هو شهر التسليم الكامل للربّ. ففيه يُدرِّب المؤمن نفسه على العبوديّة، ويُنمّي روح الرضا والتسليم، ويتعلّم كيف يُخضِع إرادته لإرادة المحبوب.
- شهر الطهارة: لفظ الطَّهور صيغة مبالغة تدلّ على كثرة التطهير. وهذا الوصف يُبيّن أنّ رمضان مطهِّرٌ قويّ وفاعل لروح الإنسان ونفسه؛ فكما يُنقّي الماء الثوبَ المتّسخ، يُطهّر رمضان النفسَ الملوّثة بالذنوب.
- شهر التمحيص: التمحيص هو التخليص والفرز بين الخالص والشوائب. فرمضان شهرُ تنقية الأعمال من الأدران والرياء، وصقلها لتبلغ درجة الصفاء والإخلاص.
- شهر القيام: إشارةٌ إلى إحياء الليالي والعبادات الخاصّة بهذا الشهر. فرمضان شهر القيام لله، وشهر ليالي القدر، وشهر الإحياء؛ حيث تتهيّأ الأرض والزمان لوقوف المؤمنين بين يدي الله.
- شهر القرآن: ويقول الإمام عليه السلام بعد ذلك: «الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ». وهذا الوصف يربط رمضان بالقرآن، ويُظهر أنّ هذا الشهر هو الوعاء الذي نزل فيه أعظم كتابٍ سماوي.
*بقلم: حجّة الإسلام أحمدي
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





