يرتكز محور السياسة العلوية على الصراحة والصدق والوفاء بالقانون، في حين تقوم السياسة الأموية على الغدر والمكر والتحايل على القانون باسم المصلحة. ويرى أمير المؤمنين عليه السلام أنّ الوفاء توأم الصدق، وأنّ الفصل بين الدين والسياسة هو ثمرة تلك الحسابات المصلحية.
أفادت وكالة أنباء «حوزه» أنّ شهر رمضان المبارك يمثّل فرصة للتعرّف إلى كنزٍ فريد من الحكمة والبصيرة العلوية. وفي الملفّ الخاص «الضيافة العلوية» نكون معكم على موائد الإفطار من خلال مقاطع من خطب نهج البلاغة، ببيان حجّة الإسلام والمسلمين محمود لطيفي، المتخصّص في نهج البلاغة.
الخطبة الحادية والأربعون من نهج البلاغة تُعدّ من الخطب البليغة والمميّزة فيه، وفيها يقول أمير المؤمنين عليه السلام:
«أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ الْوَفَاءَ تَوْأَمُ الصِّدْقِ، وَلَا أَعْلَمُ جُنَّةً أَوْقَى مِنْهُ، وَمَا يَغْدِرُ مَنْ عَلِمَ كَيْفَ الْمَرْجِعُ».
إنّ المحور الأساس الذي يميّز بين السياسة العلوية والسياسة الأموية يقوم على أصلين متقابلين:
الأول: الصراحة والصدق.
والثاني: الغدر والمكر والحيلة.
والمقصود بالحيلة هنا ليس أن يعلن أصحابها صراحةً أنّهم يسعون إلى المكر والخداع، بل إنّهم يجعلون المدار على ما تقتضيه مصالحهم، ثم يرفعون شعار الالتزام بالقانون، فيقولون: «نحن أهل قانون، ملتزمون بما ينصّ عليه القانون، نعمل بما يريده القانون».
غير أنّ الالتزام الحقيقي بالقانون أمر، والتحايل عليه أمر آخر. فالالتزام بالقانون أصلٌ ركين في السياسة العلوية، في مقابل «الالتفاف على القانون» الذي يمثّل نقيضها.
والالتفاف على القانون يعني أنّهم حين يرون أنّ مصلحتهم تقتضي مساراً معيّناً، يلجؤون إلى تبريره تحت عناوين مختلفة، كـ«مصلحة المجتمع» أو «مصلحة السلطة» أو حتى «مصلحة الناس»، ثم يعمدون إلى تأويل القانون وتفسيره بما يخدم أغراضهم، فيجعلونه أداةً بيدهم بدل أن يكون معياراً حاكماً عليهم.
يقول أمير المؤمنين عليه السلام:
«إِنَّ الْوَفَاءَ تَوْأَمُ الصِّدْقِ».
إنّ الوفاء بالعهود والالتزامات قرين الصدق؛ فالإنسان الصادق هو الذي يجعل القانون معيارًا، ويعرّف نفسه من خلال التزامه به.
«وَلَا أَعْلَمُ جُنَّةً أَوْقَى مِنْهُ».
ولا أعرف درعًا أوقى ولا أحفظ ولا أطمأنّ منه.
«وَمَا يَغْدِرُ مَنْ عَلِمَ كَيْفَ الْمَرْجِعُ».
فالذي يعلم أنّ خاتمة أمره وعودته إلى الله، وأنّه سيقف بين يدي الله للمساءلة، كيف يمكن أن يخون أو يمكر؟ كيف يمكنه أن يتحايل على القانون، ويغيّر الأمور كلّها لصالحه، ويخدع الناس، ويحوّل الوفاء بالعهود إلى وفاء بالمصالح الشخصية؟
«وَلَقَدْ أَصْبَحْنَا فِي زَمَانٍ قَدِ اتَّخَذَ أَكْثَرُ أَهْلِهِ الْغَدْرَ…».
يقول أمير المؤمنين عليه السلام: لقد صرنا في زمانٍ يعدّ فيه كثير من الناس التحايل على القانون ضربًا من «الدهاء».
فالسياسيّون وأصحاب الحسابات المصلحية اليوم هم الذين «يعدّلون» القانون ويغيّرونه بما يخدم مصالحهم؛ يبدّلونه اليوم على نحو، وغدًا على نحوٍ آخر.
«قَدِ اتَّخَذَ أَكْثَرُ أَهْلِهِ الْغَدْرَ كَيْسًا، وَنَسَبَهُم أَهْلُ الْجَهْلِ فِيهِ إِلَى حُسْنِ الْحِيلَةِ».
إنّ الجهّال – ومعهم بعض قليلي الوعي – يصفّقون لهؤلاء ويشجّعونهم، قائلين: ما أذكاهم! كيف أحسنوا التصرّف في الظروف الحسّاسة! كيف كانوا أصحاب حنكة ومراعاةٍ للمصلحة!
لكن أين القانون؟ بالنسبة لهؤلاء، «المصلحة الراهنة» هي التي تقتضي هذا المسار، فيجعلون المصلحة في مواجهة القانون!
«مَا لَهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ».
أي: ما لهم؟ لعنهم الله! كيف يفكّرون بهذا المنطق؟
«قَدْ يَرَى الْحُوَّلُ الْقُلَّبُ وَجْهَ الْحِيلَةِ…».
فالإنسان المتمرّس الخبير بدهاليز الأمور قادرٌ على التحايل على القانون، وقادر على تبديل الاتجاهات باستمرار، وتغيير صور الحياة بحسب ما تمليه مصالحه ورغباته.
«دُونَهُمْ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ… فَيَدَعُهَا».
ولكن أين أمر الله ونهيه؟ أين أوامر الله وتعاليمه؟
إنّ أصل القول بالفصل بين الدين والسياسة نشأ من هنا؛ بل بدأ منذ زمن النبي صلى الله عليه وآله، حين أراد بعضهم تجاوز أوامره، مع الحرص على الظهور بمظهر الحريص المخلص.
قالوا: نعم، النبي يبلّغ أمر الله، ولكنّنا – نحن عقلاء القوم وأهل النظر في المصلحة – رأينا أنّ المصلحة تقتضي أن نعمل بطريقة أخرى.
فماذا عن قانون الله إذن؟ هنا يقال: عقولنا تقول شيئًا، وقانون الله يقول شيئًا آخر؛ وبالتالي فإنّ السياسة التي نسير عليها وفق «عقلانيتنا» منفصلة عن الديانة الإلهية التي تمثّل القانون الإلهي.
ومن هنا نشأ الفصل بين الدين والسياسة.
ويشير الإمام هنا إلى نفسه أيضًا؛ فقد كانوا يقولون إنّ معاوية رجلٌ داهية. نعم، لديه دهاء، وعليٌّ كذلك لديه دهاء، بل هو أقدر منه؛ غير أنّ عليًّا عليه السلام يجب أن يجيب يوم القيامة عن التزامه بقانون الله وأوامره، لا عن حساباته المصلحية الخاصة.
قد يصفّق له عوامّ الناس اليوم، ويقولون: ما أحسن سياسته! ما أبرع تدبيره! لكن ماذا عن يوم القيامة؟
وهذا هو أهمّ موضع اختلاف بين سياسة أمير المؤمنين وسياسة بني أميّة: «دينٌ بلا سياسة». وسبب ذلك أنّ البعض يريد أن يجمع بين الادّعاء بالدين، وفي الوقت نفسه يجعل عقله الشخصي هو الحَكَم النهائي.
يقول: أؤمن بإله السماء، لكن إلهًا يلازمني في حياتي على الأرض خطوةً خطوة، ويصدر لي الأوامر في كلّ شأن، فهذا ما لا أقبله؛ لأنّ مصالحي ومنافعـي لا تنسجم مع ذلك.
وهذا هو وجه الاختلاف الجوهري، بل أهمّ وجوه الاختلاف.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





