يوجّه أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) تحذيرًا بليغًا في حكمةٍ نفيسة من نهج البلاغة، فيقول:
«لا يُتَقَرَّبُ إلى الله بالنوافل إذا أضرّت بالفرائض».
فالقُرب الحقيقي لا يتحقّق بتكديس المستحبّات، بل بصيانة الواجبات وأدائها على الوجه الصحيح.
وبحسب ما أفادت وكالة «الحوزة» الإخباريّة، فإنّ شهر رمضان المبارك يمثّل فرصةً للتعرّف على كنزٍ فريد من الحكمة والبصيرة العلويّة. وفي الملفّ الخاصّ «ضيافة علويّة»، نكون معكم ـ أيّها النخب والفضلاء ـ على موائد الإفطار، من خلال عرض مقاطع من حكم نهج البلاغة، ببيان حجّة الإسلام والمسلمين جواد محدّثي، الباحث والمتخصّص في نهج البلاغة.
وفي الحكمة التاسعة والثلاثين من نهج البلاغة، يقول الإمام عليّ (عليه السلام):
«لَا قُرْبَةَ بِالنَّوَافِلِ إِذَا أَضَرَّتْ بِالْفَرَائِضِ»
أي: لا يمكن التقرّب إلى الله بالنوافل عندما تكون مُلحِقةً الضرر بالواجبات.
والتوضيح أنّ «النوافل» (جمع نافلة) تُطلق على الأعمال التي تُؤدَّى زيادةً على التكاليف الواجبة، كالمستحبّات العباديّة، والماليّة، والاقتصاديّة، ونحو ذلك. ولا شكّ أنّ الإتيان بالنوافل يُعدّ أحد سُبل التقرّب إلى الله تعالى.
لكنّ المعيار الأساس هو مراعاة الأولويّات:
الواجبات أوّلًا، ثمّ المستحبّات.
والنقطة العميقة هنا هي الجمع بين كلام الإمام عليّ (عليه السلام) هذا، وبين الحديث القدسيّ المشهور الذي يقول فيه الله تعالى:
«… ولا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتّى أُحبَّه…»
(أي أنّ العبد يستمرّ في التقرّب إلى الله بالنوافل، إلى أن يبلغ مقام المحبّة الإلهيّة، فيكون محلّ العناية والتسديد).
فالنتيجة أنّ النوافل، من جهة، طريقٌ مميّز للتقرّب إلى الله، بل ورد في الروايات أنّها تجبر النقص الواقع في الواجبات. لكن من جهةٍ أخرى، فإنّ توجيه الإمام عليّ (عليه السلام) في هذه الحكمة يبيّن لنا بوضوح أنّ هذا المسار لا يكون ذا معنى إلّا إذا بقي الأصل والأساس ـ وهو أداء الواجبات ـ محفوظًا ومصونًا.
توجيه الإمام عليّ (عليه السلام) في هذه الحكمة
يتمحور حول هدفٍ أساس، وهو ترجيح الأولويّات وتشخيص «الأصل» من «الفرع». فالمستحبّات تُعدّ مكمِّلة للحياة العباديّة، لكن لا يجوز لها بحالٍ من الأحوال أن تؤدّي إلى التقصير في الواجبات أو إلى إلحاق الضرر بها. إنّ القُرب الحقيقي هو أن نأتي بالواجبات على وجهها التامّ والكامل، ثمّ بعد ذلك ننتفع ببركات النوافل.
فعلى سبيل المثال، فإنّ إحياء العزاء على سيّد الشهداء (عليه السلام) في شهر محرّم، أو إقامة مراسم الأربعين، عملٌ عظيم الفضل، مستحبّ، وله أجرٌ كبير. ولكن بحسب توجيه الإمام عليّ (عليه السلام)، إذا كان تنظيم هذا العمل المستحبّ أو أداؤه ـ وهو من مصاديق «النوافل» ـ على نحوٍ يؤدّي إلى فوات صلاة الصبح الواجبة، أو إلى أدائها مع الكسل وعدم الخشوع، فإنّ هذه النافلة تكون قد أضرّت بالفريضة. وفي مثل هذه الحالة، فإنّ ذلك العمل المستحبّ لا يقرّب إلى الله تعالى، بل قد يكشف عن انحرافٍ في مسار العبادة.
وفي الحكمة الحادية والسبعين بعد المئتين من نهج البلاغة، يعبّر أمير المؤمنين (عليه السلام) عن هذا المعنى بعبارةٍ أخرى، فيقول:
«إِذَا أَضَرَّتِ النَّوَافِلُ بِالْفَرَائِضِ فَارْفُضُوهَا»
أي: إذا ألحقت النوافل ضررًا بالفرائض فاتركوها. وهي عبارة تحمل أمرًا صريحًا بترك المستحبّ عند تعارضه مع الواجب.
فإذا انصرف اهتمامنا المفرط إلى ظواهر الدين، وكان هذا الإفراط سببًا في إبعادنا عن عمق التكاليف الدينيّة وأصالتها، بحيث لا نصل إلى جوهر الدين، فقد يؤدّي ذلك حتّى إلى العجز عن أداء الواجبات على الوجه الصحيح. ومثل هذا المسلك لا يكون مُقرِّبًا إلى الله.
إنّ الهدف الأساس هو التقرّب إلى الله تعالى؛ فنحن في عباداتنا ننوي «قُربةً إلى الله» عند الصلاة والصيام وسائر الأعمال المستحبّة. غير أنّ الله تعالى قد جعل الواجبات في مرتبة الأولويّة القصوى، وأناطها بمسؤوليّتنا على نحوٍ لا يُقبل معه أيّ عذر في تركها.
وعليه، فإذا أدّى الاشتغال بالمستحبّات والنوافل إلى صرفنا عن أداء الواجبات، فمن الطبيعي أن يكون الغرض قد انتقض، ولم تتحقّق إرادة الله تعالى.
ترجمة مركز الإسلام الأصيل
إضافة المركز على ما تقدم:
ويمكن تعميم هذا المبدأ الذي قرّره أمير المؤمنين (عليه السلام) على جميع شؤون الحياة الفرديّة والاجتماعيّة، لا على المجال العباديّ فحسب؛ فإنّ ميزان «تقديم الأصل على الفرع» و«ترجيح الأهمّ على المهمّ» قانونٌ عقلائيّ وشرعيّ عام. فإذا تزاحمت الأمور المهمّة مع الأمور العاديّة أو الثانويّة، تعيّن تقديم ما له الأهمّيّة الحقيقيّة، سواء في شؤون الأسرة، أو العمل، أو الدراسة، أو المسؤوليات الاجتماعيّة. فالانشغال بالمقدّمات والهوامش، إذا أدّى إلى التفريط في الأصول والواجبات والمسؤوليّات الأساسيّة، كان انحرافًا عن المنهج الصحيح، وإن بدا في ظاهره انضباطًا أو نشاطًا. ومن هنا، فإنّ المؤمن الواعي هو من يملك فقه الأولويّات، ويُحسن تشخيص موارد التزاحم، فلا يسمح للأمور العاديّة أن تزاحم ما هو مصيريّ، ولا للثانويّ أن يطغى على الجوهريّ، وبذلك تنتظم حياته كلّها على ميزان القُرب إلى الله تعالى.





