تمهيد

يوافق 21 شباط / فبراير ذكرى صدور «منشور الحوزة العلميّة والعلماء» عن سماحة الإمام الخميني (قدّس سرّه)، وهي وثيقة ما تزال، رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على صدورها، تُعدّ إطارًا تأسيسيًّا لتحليل موقع الحوزة العلميّة ودور العلماء ووظائفهم في المجتمع الإسلامي.

وبهذه المناسبة، أُجري حوار مع حجّة الإسلام والمسلمين محمّد علي ليالي، أستاذ السطوح العليا في الحوزة العلميّة، وعضو مجلس إدارة جمعيّة دراسات تاريخ العصر الحديث والثورة الإسلاميّة في حوزة قم، بهدف تفكيك مضامين هذا المنشور، وبحث علاقته بالتحدّيات المعاصرة، وتحديد مسؤوليّات الحوزة والعلماء في المرحلة الراهنة.

محاور هذا الحوار

  • بالنظر إلى أنّ «منشور الحوزة العلميّة والعلماء» صدر في الأشهر الأخيرة من حياة الإمام الخميني (قدّس سرّه)، وأنّ بعض الباحثين يصفه بأنّه الوصيّة السياسيّة للإمام الموجّهة إلى الحوزة العلميّة والعلماء، كيف تقيّمون هذا التوصيف؟
  • هل يصحّ التعامل مع هذا المنشور على أنّه مجرّد وصيّة سياسيّة – إلهيّة، أم ينبغي اعتباره وثيقة حيّة ومؤسِّسة حدّدت المسار الصحيح لحركة الثورة ودور الحوزة والعلماء على نحو دائم، ولا تزال صالحة لأن تُتّخذ مرجعًا لمعالجة إشكالات الحاضر؟
  • حذّر الإمام الخميني (قدّس سرّه) في هذا المنشور من خطر التحجّر والتقدّس الزائف، واعتبر هذا التيّار أخطر تهديد يواجه الإسلام. في ضوء هذا التحذير، كيف يظهر التحجّر اليوم في واقعنا المعاصر، وما هي صوره ومصاديقه المستجدّة؟
  • كيف يمكن التمييز بين التحجّر ـ الذي قد يتستّر أحيانًا بشعارات ثوريّة ـ وبين التديّن الواعي المنضبط والالتزام الحقيقي بالأصول الإسلاميّة والثوريّة؟
  • مع تأكيد الإمام (قدّس سرّه) على الصدق والالتزام العملي بوصفهما العامل الأساس في ثقة الناس بالعلماء، وفي ظلّ تغيّر أنماط الحياة، واتّساع الفضاء الافتراضي، وتنوّع الحاجات الدينيّة، كيف ينبغي أن يتجلّى هذا الصدق والالتزام اليوم؟ وبأيّ أساليب معاصرة يمكن للحوزة والعلماء أن يبقوا، كما كانوا، ملاذًا للمحرومين وسندًا للمستضعفين؟
  • على الرغم من مرور أكثر من ثلاثة عقود على تحذير الإمام (قدّس سرّه) من الإسلام المفصول عن الشأن العام، نسمع اليوم دعوات إلى تقليص حضور الدين في إدارة المجتمع أو إبعاده عن بعض مجالات الحكم. ما الفرق بين هذا الطرح وذلك المسار الذي حذّر منه الإمام؟ وهل تكمن معالجة الإشكالات في تراجع الدين عن ساحة إدارة المجتمع، أم في إعادة تعريف نمط حضوره ودوره؟
  • في ضوء تأكيد قائد الثورة الإسلاميّة على ضرورة العمل الجماعي وفق منشور الحوزة العلميّة والعلماء، ما هي الوظائف المحدّدة لكلّ فئة من فئات المجتمع تجاه هذا المنشور؟ وما المتطلّبات اللازمة لـ ترجمة مضامينه إلى لغة العصر بما ينسجم مع حاجات كلّ شريحة اجتماعيّة؟

كيف يمكن إحياء «منشور الحوزة العلميّة والعلماء» في الظروف الراهنة؟

بسم الله الرحمن الرحيم؛ إنّ الحديث عن «منشور الحوزة العلميّة والعلماء» والرسالة التاريخيّة التي وجّهها الإمام روح‌ الله الخميني (قدّس سرّه الشريف) إلى العلماء والحوزات العلميّة، والصادرة في الثالث من اسفند عام 1367هـ.ش (الموافق 21 شباط/فبراير 1989م)، حديثٌ واسع الآفاق، عميق المضامين، لا يحيط بأبعاده مجلسٌ واحد، بل يحتاج إلى لقاءات متعدّدة لاستجلاء مراميه المختلفة.

وهذا المنشور يُعدّ بحقّ خلاصة الرؤية التحليليّة للإمام (رضوان الله عليه) تجاه موقع العلماء في الأمّة؛ رؤيةٌ تستوعب بيان خدماتهم في الماضي والحاضر والمستقبل، كما تعكس هواجسه وقلقه على مسار الحوزة والعلماء ودورهم الرسالي.

ثلاث نقاط أساسيّة حول «منشور الحوزة العلميّة والعلماء»

ثمّة أمورٌ يحسن التأكيد عليها في هذا السياق:

أولاً: يمكن اعتبار هذا المنشور بمثابة الوصيّة السياسيّة الخاصّة للإمام (قده) الموجّهة إلى العلماء وأهل الحوزة.

ثانياً: إنّه وثيقةٌ راهنة لكلّ الأزمنة؛ صالحة لأمس الحوزة ويومها وغدها، ومرجعٌ لتحديد معالم الحوزة الملتزمة بخطّ الإسلام الأصيل.

ثالثاً: إنّ التأمّل في مضامينه يكشف أنّ المخاطب به هو جميع مراتب أهل العلم، من طلّاب العلوم الدينيّة إلى المراجع العظام (دام ظلّهم)، وهو من آخر ما خُطّ من كلمات الإمام وبياناته.

وقد عبّر سماحة العلّامة عبدالله جوادي آملي عن هذا المنشور بأنّه الوصيّة الخاصّة للإمام إلى العلماء. والتحليل العميق الذي تضمّنه يمكن أن يُعتمد أنموذجاً لمستقبل الحوزة، كما يقدّم قراءةً تقويميّة لمسيرة عقدٍ من عمر نظام الجمهوريّة الإسلاميّة.

ومن منظور القيادة المعظّمة، يُعدّ «منشور الحوزة العلميّة والعلماء» وثيقةً جامعةً دقيقةً ذات طابع تاريخي بشأن الحوزات العلميّة.

السياق التاريخي لصدور المنشور

عند مقاربة الخلفيّة التاريخيّة لصدوره، تبرز عدّة معطيات:

ففي أواخر عقد الستينيّات الشمسيّة (الثمانينيّات الميلاديّة)، كانت الحرب المفروضة قد وضعت أوزارها، وبدأ الحديث عن إعادة الإعمار والتحوّل المرحلي في مختلف ساحات البلاد. وفي تلك المرحلة طُرحت مسألة نيابة القيادة، وبرزت تحليلات معيّنة قدّمها السيّد حسين علي منتظري بشأن أحداث البلاد، ممّا أوجد أجواءً فكريّة وسياسيّة خاصّة صدر المنشور في ظلّها.

وقد بلغت بعض تلك التحليلات حدّاً أثار قلق الإمام، حتى إنّه (رضوان الله عليه) قدّم اعتذاره للشعب الإيراني العزيز عمّا صدر من قراءات غير صائبة.

كما أنّ فتوى الإمام التاريخيّة بإهدار دم سلمان رشدي إثر نشر كتاب «الآيات الشيطانيّة»، وما أحدثته من صدىً عالمي واسع، شكّلت بدورها عاملاً مهمّاً في إبراز أهميّة هذا المنشور. ومجموع هذه العوامل مهّد لصدور هذا البيان المصيري.

المحاور الرئيسة في «منشور الحوزة العلميّة والعلماء»

يمكن تلخيص مضامينه الأساس في عدّة محاور:

أولاً: أصالة العلماء وبيان سيرتهم التاريخيّة
فالعلماء الأصيلون لم يكونوا يوماً تبعاً لأرباب الثروة والدنيا، بل كانوا ـ ولا يزالون ـ في مواجهة الطغاة وأصحاب رؤوس الأموال الجائرة، موصوفين بالزهد والتقوى والتحرّر من أسر الدنيا ومظاهرها.

ثانياً: سرّ ثقة الناس بالعلماء
يرى الإمام (قده) أنّ إقبال الناس وثقتهم مرهونة بالخدمة الصادقة للدين والمجتمع، وأنّ المعيار هو الالتزام العملي لا الادّعاء.

ثالثاً: التحذير من تيّارين منحرفين
نبّه المنشور إلى خطرين جسيمين:

1.خطر التحجّر والتقدّس المتكلّف الذي يعطّل حركة الاجتهاد الرسالي.

2.خطر «الإسلام الأميركي» الموظَّف لخدمة مصالح الرأسماليّة والقوى المستكبرة.

رابعاً: التأسيس لتحوّلات مستقبليّة في الحوزة
فقد أرسى هذا المنشور أرضيّةً لتحوّلٍ نوعي في أداء الحوزة، ورسم أفقاً واضحاً لمسيرتها في الماضي والحاضر والمستقبل.

كيف يمكن ترجمة «منشور الحوزة العلميّة والعلماء» إلى لغة الجيل الجديد؟

إنّ ترجمة هذا المنشور لا تعني تبسيط ألفاظه فحسب، بل تعني إعادة بيانه ضمن خطابٍ اجتهاديّ معاصر، يربط بين ثوابته الشرعيّة ومتطلّبات الواقع، ويُبرز روحه الرساليّة بلغةٍ تستوعب أسئلة الجيل الجديد وتحدّياته، من دون أن تفقد عمقها الفقهي وأصالتها الثوريّة.

التأكيد على المرتكزات الأساس في «منشور الحوزة العلميّة والعلماء»

استناداً إلى ما تقدّم، تبرز جملةٌ من النقاط الجديرة بالتأكيد:

النقطة الأولى:
إنّ هذه الرسالة التاريخيّة ليست مجرّد وصيّةٍ سياسيّة ـ إلهيّة، بل هي «منشور» بالمعنى الدقيق للكلمة؛ أي وثيقةٌ توجيهيّة واستراتيجيّة لتحليل ماضي الحوزة وحاضرها واستشراف مستقبلها. فهي ترسم مسار حركة العلماء في طريق التعالي والتكامل، وتبيّن معالم النهج الذي ينبغي أن يُسلك.

النقطة الثانية:
ينبغي النظر إلى هذا المنشور بوصفه مفتاحاً لمعالجة كثيرٍ من التحدّيات المعاصرة التي تواجه الحوزات والعلماء، ولا سيّما في ميدان الظواهر المستجدّة والشبهات الفكريّة المتكاثرة.

النقطة الثالثة:
تتعلّق بتحذيرات الإمام روح‌ الله الخميني (رضوان الله عليه) بشأن مستقبل الحوزة والعلماء؛ إذ نبّه بصراحةٍ إلى خطر «المتقدّسين الحمقى»، وصرّح بأنّ الضربة التي تلقّاها الإسلام والعلماء من بعض المتزيّين بزيّ أهل العلم، ممّن جمعوا بين السذاجة والتقدّس المتكلّف وادّعاء الولاية بلا حقيقة، لم يتلقّوها من غيرهم.

سبل مواجهة ظاهرة التحجّر

إنّ ظاهرة التحجّر ليست حالةً تاريخيّة منقطعة، بل هي داءٌ ممتدّ في الأمس واليوم والغد. ولها مصاديق متعدّدة وصور متنوّعة. فالتيار المتحجّر لم يمت، بل لا يزال فاعلاً في الساحة، يقف في مواجهة الإسلام الأصيل، وفكر الإمامة والولاية النقيّ، والخطاب الرسالي الذي أرساه الإمام روح‌ الله الخميني وتابعه فيه مقام القيادة.

والسبيل إلى مواجهة هذا التيار إنّما يكون بالاعتقاد الراسخ بأصل الإمامة والولاية، وبالالتزام العملي الدائم بخطّهما الأصيل. كما ينبغي الحذر من الوقوع في أسر التديّن الشكلي الذي يروّجه المتحجّرون. إنّ المعيار الأساس هو الالتزام بمبادئ الثورة الإسلاميّة وخطاب الإمام والقيادة، واتّخاذ هذا الخطّ ميزاناً دقيقاً للتمييز بين التيار المتحجّر والتيار الثوري الأصيل، وكذلك للفصل بين الإسلام المحمّدي الأصيل والإسلام الأميركي المرتبط بمشاريع الاستكبار.

سرّ بقاء الحوزة والعلماء: الصدق والالتحام بالناس

إنّ سرّ إقبال الناس على العلماء يكمن في عنصرٍ جوهري، هو الصدق العملي والثقة المتبادلة والإيمان الحقيقي بالناس. فدوام تأثير العلماء مرهونٌ بحضورهم الواقعي في صفوف المجتمع، وبالتزامهم الصادق بقضايا الأمّة، لا بالانعزال عنها.

لقد نشأت الحوزات من صميم الناس، وتغذّت من ثقتهم، ولم تعش يوماً على أسنّة الرماح أو برعاية السلاطين، كما لم تنمُ بأموال المترفين أو برأس المال الطفيلي. إنّما ازدهرت برصيد الثقة العامّة، وهذا الرصيد لم يُكتسب إلا بالصدق والالتزام والمشاركة الفعليّة في هموم المجتمع.

لقد كان العلماء ـ على مرّ العصور ـ ملاذ المحرومين، وملجأ المستضعفين، ولسان حال الفقراء. وكان هؤلاء هم أولياء نعمة الثورة، والحوزة الواعية أدركت هذه الحقيقة. ومن هنا، يتعيّن عليها أن تنأى بنفسها عن كلّ أشكال الترف والارتهان لرأس المال، وأن تميّز نفسها بوضوح عن «الإسلام الأرستقراطي» و«إسلام أصحاب الثروة»، لتبقى أمينةً لخطّ المستضعفين والفقراء.

كما ينبغي للحوزة أن تجعل من التواصل والتلاحم مع مختلف فئات المجتمع ـ ولا سيّما فئة الشباب ـ أولويةً ثابتة في برامجها. فعليها أن تُعيد قراءة تطلّعات هذا الجيل، وأن تكون لسانه الواعي، وأن تمهّد سبل الحوار الصادق معه، ليبقى الارتباط بين الحوزة والجيل الصاعد ارتباطاً حيّاً متجدّداً، قائماً على الفهم المتبادل والمسؤوليّة المشتركة.

تحذير الإمام من خطر الإسلام العلماني

ومن النقاط الجديرة بالتأكيد أنّ الإمام روح‌ الله الخميني (رضوان الله عليه) نبّه بصراحةٍ إلى خطر «الإسلام العلماني» والنظريّة المنحرفة القائلة بفصل الدين عن السياسة، محذِّراً الحوزات والعلماء من تبعاتها. وقد بيّن بوضوحٍ لماذا كان التيار العلماني والليبرالي ـ في الماضي والحاضر والمستقبل ـ من أبرز التحدّيات التي تواجه الإسلام الأصيل والحوزة الرساليّة.

وهذا التيار ـ بأشخاصه وتشكيلاته وتنظيماته ـ ما يزال اليوم حاضراً وفاعلاً، بل ذا نفوذٍ ملحوظ في بعض الأوساط الحوزويّة. ومن هنا فإنّ تشخيص مكوّناته وأفكاره يُعدّ أمراً ضرورياً لتحصين الفكر الحوزوي وصيانته من الاختراق.

ملامح التيار العلماني والليبرالي

يمكن إجمال أبرز سمات هذا التيار في ما يلي:

  1. الدعوة إلى «إعادة قراءة الدين» بذريعة مواكبة العصر:
    إذ يروّج هذا التيار لفكرة مراجعة الأحكام والمعطيات الدينيّة بحجّة الانسجام مع مقتضيات الحداثة والحاجات المستجدّة، غير ملتفتٍ إلى أنّ هذا المسار قد يفضي ـ تحت شعار التجديد ـ إلى التلفيق والتنازل عن الأصول والثوابت الركنيّة في الشريعة.
  2. طرح مفهوم «الإسلام الرحماني» في مقابل الإسلام المحمّدي الأصيل:
    حيث يُقدَّم نموذجٌ مخفَّف من الإسلام، منزوع الروح الجهاديّة والثوريّة، في مقابل الإسلام الأصيل القائم على الإمامة والولاية وخطّ المقاومة. والنتيجة العمليّة لهذا التوجّه هي السعي التدريجي لإقصاء الدين عن ساحات الحكم والإدارة، وتكريس «الإسلام الحدّ الأدنى» في الاجتماع والسياسة.
  3. الموقف السلبي من مقولة الحاكميّة الدينيّة وولاية الفقيه:
    فقد اتّسم هذا التيار ـ في مواقفه وتحليلاته ـ بنظرةٍ تقابليّة تجاه النظام الإسلامي، ومبدأ ولاية الفقيه، وثقافة الجهاد والشهادة والمقاومة. وقد تجلّى ذلك في مواقف متعدّدة إبّان أحداثٍ وفتنٍ مختلفة.
  4. المعارضة لأحكام الشريعة في المجال الجزائي والسيادي:
    ففي قضايا كحكم المحارب والمفسد في الأرض، ومسألة الارتداد، والدفاع عن حرمات قبور أئمّة البقيع (عليهم السلام)، وتنفيذ الحدود الإلهيّة، برزت مواقف هذا التيار في مواجهة الحاكميّة الإسلاميّة. كما يُطرَح تحت عناوين مثل «الحجاب الاختياري» أو «الإسلام الرحماني» خطابٌ ينسجم ـ في جوهره ـ مع مرتكزات الإسلام العلماني والليبرالي.

وهذه بعض الملامح الفكريّة والعمليّة لتيارٍ تسلّل إلى بعض الأوساط، ويشكّل ـ إن لم يُواجَه بوعيٍ وبصيرة ـ تهديداً لمنهج الحوزة الأصيل.

مسؤوليّة المواجهة وسبلها

إنّ التصدّي لهذا التيار مسؤوليّة جماعيّة، تتطلّب عملاً منظّماً وهادفاً داخل الحوزات العلميّة، عبر:

  • جهاد التبيين وكشف المباني الفكريّة لهذا الاتجاه.
  • تعزيز الحوار العلمي الرصين القائم على البرهان والدليل.
  • إنتاج البحوث والكتب والدراسات العلميّة المحكمة.
  • إقامة المؤتمرات والندوات التخصّصيّة.
  • الحضور الإعلامي الواعي والفاعل لكشف حقيقة هذا التيار وبرامجه وأبعاده.

فصيانة الحوزة العلميّة من الاختراق الفكري ليست مهمّةً ظرفيّة، بل هي جزءٌ من حفظ هوية الإسلام المحمّدي الأصيل، وضمان استمرار خطّ الإمامة والولاية في أداء رسالته التاريخيّة.

«منشور الحوزة العلميّة والعلماء»؛ أولويةٌ دائمة للحوزات العلميّة

وأمّا النقطة الختاميّة، فتتمثّل في التأكيد على أنّ توصية القيادة المعظّمة كانت ـ وما تزال ـ التشديد على العمل بمضامين «منشور الحوزة العلميّة والعلماء». فقد وُصف هذا المنشور بأنّه وثيقةٌ دقيقة، جامعة، ذات بُعدٍ تاريخي، تمتاز بشموليّةٍ خاصّة لماضي الحوزات العلميّة وحاضرها ومستقبلها.

فإذا أرادت الحوزات أن تعبر التحوّلات الفكريّة والمعرفيّة المقبلة، وأن تستثمر تجاربها السابقة في صناعة مستقبلها، فلا مناص لها من المراجعة الدائمة لهذا المنشور واستحضاره كوثيقةٍ موجِّهة لمسارها.

إنّ أمام الحوزة اليوم جملةً من الالتزامات في ميادين متعدّدة؛ وفي طليعتها ضرورة تشخيص التيّارات المتسرّبة، والاتجاهات المنحرفة، والحركات المناوئة لخطّ الإسلام المحمّدي الأصيل داخل الأوساط العلميّة. فبالمعرفة العميقة والمواجهة الواعية يمكن صون المسار الأصيل، وتمييزه عن الانحرافات ذات الطابع العلماني أو الليبرالي، والحفاظ على نقاء الفكر الإسلامي الأصيل.

ضرورة تشخيص التيّارات المنحرفة

إنّ من الواجب اليوم التعرّف بدقّة على تيّار التحجّر ورموزه، ورصد الاتجاهات التي تتستّر بشعاراتٍ دينيّة وهي بعيدةٌ عن روح الولاية، ومعرفة التيّارات التي تروّج للإسلام الليبرالي أو الإسلام الأميركي أو الإسلام الرأسمالي، كي لا تُخدع الحوزة ببريق الشعارات أو المظاهر الخادعة.

إنّ إحياء «منشور الحوزة العلميّة والعلماء» وجعله في صدارة برامج الحوزات العلميّة مسؤوليّةٌ ملحّة. ولا ينبغي أن يُحصر الاهتمام به في ذكرى صدوره، بل يجب أن يبقى مدار بحثٍ وتدريسٍ وتحليلٍ على امتداد العام، بوصفه أفقاً استراتيجيّاً يوجّه حركة الحوزة في الحاضر والمستقبل.

ومن الأساتذة الكبار وإدارات الحوزات إلى المراجع العظام (دام ظلّهم)، الجميع معنيّون بالتعامل مع هذا المنشور بوصفه قانوناً أعلى ووثيقةَ رؤيةٍ استراتيجيّة. فمن خلاله يمكن استشراف التحوّلات الاجتماعيّة، وتمييز الطريق القويم من المسالك المنحرفة.

ولا بدّ ـ في الختام ـ من الإشارة إلى أنّ هذا المنشور، بما تضمّنه من هواجس الإمام روح الله الخميني (رضوان الله عليه) وتحذيراته بشأن مستقبل الحوزة، لم ينل ـ مع الأسف ـ ما يستحقّه من عنايةٍ جادّة في بعض المراحل.

إنّ الحوزات العلميّة مدعوّة اليوم إلى إحياء هذا المنشور، وإعادة قراءته قراءةً علميّةً معمّقة، وبيان مضامينه بدقّةٍ ووضوح. فإن أرادت أن تبقى مواكبةً للعصر، رائدةً في ميدان الفكر والعمل، محافظةً على فاعليّتها في الاستجابة لحاجات المجتمع، فليس أمامها إلا أن تجعل «منشور الحوزة العلميّة والعلماء» منطلقاً لحركتها، وميزاناً لتقويم مسارها.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل