يُظهر دعاء الجوشن الكبير، من خلال التوسّل بالأسماء الإلهيّة مثل «الله»، «الرحمن»، «الرحيم» و«الحكيم»، رحمةَ الله وكرمَه وعلمَه وحِلمَه وعظمته، ويُنقذ المؤمنين من النار ومن شدائد الدنيا والآخرة، ويُوصل بصيغة الاستغاثة والتسبيح صرخةَ حاجة الإنسان إلى الحضرة الإلهيّة.
وبحسب تقرير وكالة أنباء الحوزة، فإنّ دعاء الجوشن الكبير يُعدّ من الأدعية البارزة والمعتبرة عند الشيعة، وقد نُقل في مؤلّفات مثل إقبال الأعمال ومصباح المتهجّد، ونال مكانةً مميّزة في مفاتيح الجنان. ولهذا الدعاء أهميّة خاصّة في ليالي القدر، ومحوره الذكر: «خَلِّصْنَا مِنَ النَّار»، أي النجاة من النار ونيل المغفرة الإلهيّة.
وفيما يلي، وبمناسبة أهميّة هذا الدعاء في ليالي القدر وشهر رمضان المبارك، نقدّم لكم – أيّها الأفاضل – يوميًّا ملفّ «شرح دعاء الجوشن الكبير»، المأخوذ من جزء من كتاب (نوای انس).
«اللّٰهُمَّ إِنِّی أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ یَا اللّٰهُ، یَا رَحْمٰنُ، یَا رَحِیمُ، یَا کَرِیمُ، یَا مُقِیمُ، یَا عَظِیمُ، یَا قَدِیمُ، یَا عَلِیمُ، یَا حَلِیمُ، یَا حَکِیمُ»
التوسّل باسم الله
«اللّٰهُمَّ إِنِّی أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ»
أي: اللهم إنّي أسألك باسمك. الاسم الإلهي وسيلةٌ مهمّة جدًّا للتوسّل وطلب العون من الله تعالى. وقد أوصت المصادر الإسلاميّة بأن نبدأ كلّ عمل نريد القيام به بقول: «بسم الله الرحمن الرحيم». فالقرآن الكريم نفسه يبدأ بـ«بسم الله الرحمن الرحيم». أي إنّنا نبدأ باسم الله، ونتبرّك باسمه، ونستمدّ العون منه.
اسم الله عظيم جدًّا. فالله من حيث ذاته عظيم إلى درجة أنّ جزءًا من عظمته يتجلّى في اسمه، وذكر هذا الاسم له آثار. فعلى سبيل المثال، من الشروط المهمّة لحِلّية لحم الحيوان المذبوح أن يُذكر اسم الله عند الذبح، وقد قال الله تعالى في القرآن: ﴿وَ لَا تَأْکُلُوا مِمَّا لَمْ یُذْکَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَیْهِ﴾
واللافت هنا أنّه يقول: يجب أن يُذكر اسم الله. فمجرّد تذكّر الله في القلب لا يكفي. أي إنّ الله من حيث العلوّ والتعالي في مقامٍ لا نصل إليه بسهولة، ولكن بذكر الاسم الإلهي وأسماء الله الحسنى، فكأنّنا ندعو الله نفسه: ﴿وَ لِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾
وفي دعاء الجوشن الكبير أيضًا، بعد «بسم الله» في البداية، نعود فنبدأ بالأسماء الإلهيّة. والأسماء الإلهيّة متعدّدة، وكلّ اسم قد يشير إلى جهةٍ أو جهاتٍ من صفات الله وأفعاله. وبعض الأسماء جامعة، وقد تشير إلى الذات الإلهيّة كلّها، مثل «الله» و«الرحمن». فإذا استعملنا جميع هذه الأسماء، فكأنّنا تناولنا هذه الذات المقدّسة من زوايا مختلفة.
مرّةً ندخل من باب القدرة، ومرّة من باب الكرم، ومرّة من باب العلم، ومرّة من باب الفضل، ومرّة من باب الغفّاريّة، ومرّة من باب الرزّاقيّة، وهكذا. فنشير إلى الذات الإلهيّة من زوايا متعدّدة. وكما يقول العلماء، فإنّ هذا يشبه ما قاله الشاعر:
عِبَارَاتُنَا شَتَّى وَحُسْنُکَ وَاحِدٌ
وَکُلٌّ إِلَى ذَاکَ الْجَمَالِ یُشِیرُ
يَا اللّٰه
أي: يا الله. «الله» هو الاسم الجامع الذي يشير إلى الذات الإلهيّة كلّها. وفي القرآن اسمَان يُعدّان اسمين خاصّين يشيران إلى ذات الله مباشرة، وأحدهما هو «الله».
يَا رَحْمٰنُ
أي: يا رحمن. والاسم الثاني الذي يشير إلى الذات الإلهيّة كلّها هو «الرحمن». وقد قال الله تعالى في القرآن:
﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾
كان هناك نقاش؛ فبعضهم كان يقول: قولوا «الله»، وبعضهم يقول: قولوا «الرحمن». فيقول القرآن: كلاهما صحيح. وفي بعض آيات القرآن استُعمل «الرحمن» بدل «الله». فعلى سبيل المثال، في سورة مريم، ورد «الرحمن» في عدّة آيات. ومن ذلك قول السيّدة مريم عليها السلام حين رأت جبرائيل وقد تمثّل لها في صورة بشر: ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا﴾
يَا رَحِيم
«الرحيم» و«الرحمن» كلاهما من مادّة الرحمة، ويدلّان على الرحمة الإلهيّة، ولكن مع ذلك توجد فروق بينهما.
الفرق بين «الرحمن» و«الرحيم»
أحد الفروق هو في الاستعمال. فكما أشرنا سابقًا، فإنّ «الرحمن» بالإضافة إلى كونه صفةً إلهيّة، استُعمل في بعض الآيات – مثل «الله» – كاسم خاصّ لله تعالى. فإذا استُعمل «الرحمن» كصفة، فإنّه يعني: من له رحمة شاملة عامّة. أمّا «الرحيم» فيعني: من له رحمة دائمة وغزيرة.
«الرحمن» يدلّ على رحمة الله لجميع البشر، بل لجميع الموجودات، أمّا «الرحيم» فيدلّ على الرحمة الخاصّة بالمؤمنين والصالحين. وبعبارة أخرى، «الرحمن» يدلّ على الرحمة التي وُفّرت للجميع مجّانًا ومن دون شرط، أمّا «الرحيم» فيُعبّر عن الرحمة التي ينبغي السعي لنكون – بالإيمان والعمل الصالح – تحت مظلّتها.
فمثلًا، عندما يُنزّل الله صلواته، ويُخرج الإنسان من الظلمات إلى النور، فهذا مظهر من مظاهر رحيميّة الله بالمؤمنين:
﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَ مَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَ كَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾
يَا كَرِيم
أي: أيّها الجواد الكريم صاحب السخاء والفضل. فكلمة «كريم» تُترجم أحيانًا بمعنى «السخيّ» المعطاء، وأحيانًا بمعنى «ذو المروءة والفضل»، وكلا المعنيين صحيح. والأصل أنّ الكريم هو من يملك «الكرامة» و«الكرم»، أي من يتصف بالعظمة والمروءة. سواء كان كريمًا من البشر، أو كريمًا من الملائكة، أو كان هو الله المتعال الذي هو كريم بلا حدود.
والشخص الكريم هو من يتصف بعظمةٍ تمنح الإنسان حالة من الاطمئنان، إذ يستحيل أن يصدر منه شرّ أو سوء تجاهنا، بل فوق ذلك. فالكريم يستحيل أن يرى محتاجًا ثم يتركه ويتجاهله، خصوصًا إذا قصد هذا المحتاج باب الكريم. فالكريم لو مرّ في الشارع ورأى شخصًا ذا حاجة، سيذهب لمساعدته؛ فكيف إذا جاءه الإنسان إلى بابه؟ فهذا شأن آخر تمامًا.
وفي الأدعية، مثل دعاء أبي حمزة الثمالي، يُؤكَّد على هذا المعنى: «اللهم إنّا أتيناك راجين». فالكريم – حتى لو لم تفعل له شيئًا من قبل – يكفي أن تقول له: يا سيّدي، أتيت من آخر المدينة، من آخر الدنيا، وبأملٍ قصده بابك. فيشعر عندها بواجبٍ من داخله، لا فرضًا من أحد، بل يشعر أنّ من جاءه بأملٍ لا ينبغي أن يردّه خائبًا.
فالله تعالى كريم؛ لا يأتي منه شرّ، بل يستحيل أن يرى حاجتنا ثم يتجاهلنا، خصوصًا إذا تحوّلت حاجتنا إلى دعاءٍ وطلب. فهناك من يحتاج ولا يقول شيئًا، وهناك من يحتاج ويصرّح بحاجته؛ وهذا الأخير قد وضع ماء وجهه وصرّح بانكساره، وهذا مقام أعلى. فإذا حملنا حاجاتنا إلى باب الكريم وصرّحنا بها، وقلنا إنّنا أتينا ملؤنا الأمل، فحتماً سيُعتنى بنا.
وإذا كنّا أيضًا نملك سوابق من لطفه وإحسانه، وذكّرناه: إنّك يا ربّ قد أعنتنا في المحن السابقة، وبفضلك وصلنا إلى هنا؛ فكرمه يصبح أوجب وأقوى وأشدّ.
يَا مُقِيم
أي: أيّها الدائم الباقي. «مُقيم» بمعنى «مُقِيم غيره ومُقِيم ذاته»، وهو من الجذر نفسه الذي يتفرّع منه «القيام» و«القائم». فالقائم قد يعني من يقف جسمانيًا، أي الإنسان الواقف، وقد يعني من هو ثابت موجود متحقّق. لكن المقصود هنا ليس القيام الجسدي.
فجميع الموجودات في العالم لها وجود وتحقّق، لكنها ليست قائمة بذاتها. ليست قادرة على أن تقوم بذاتها أو تبقى بذاتها. وجودها وقيامها قائمٌ بغيرها، ولهذا فهي «قائمةٌ بغيرها». لذلك، فلا بدّ من مَن يمنحها الوجود والقوّامية والتحقّق، ويقيمها ويثبتها، وهذا هو «المُقيم».
ومَن كان مُقيمًا لغيره يجب أن يكون هو نفسه قائمًا بذاته، موجودًا بالضرورة، من دون احتياج إلى غيره. فالله المتعال «مُقيم»، أي متحقّق بذاته، قائمٌ بنفسه، وهو المُقيم لغيره؛ أي الذي يمنح الوجود، والتحقّق، والدوام، والقوام لكلّ شيء.
ومن هذه الأسرة اللغويّة تُستعمل أحيانًا ألفاظ مثل «القيّم» و«القيّوم» باعتبارهما قريبين في المعنى. وبعضهم فسّر «مُقيم» بمعنى «الدائم الباقي» أو «المكتفي بنفسه». ولكن يبدو أن جميع هذه المعاني تعود إلى المفهوم الذي ذكرناه.
يَا عَظِيم
أي: أيّها الكبير العظيم. فكلمة «عظيم» بمعنى كبير، وهي مستخدمة في الفارسية أيضًا. لكن من وجهة نظر القرآن الكريم، العظمة ليست كما نعدّها نحن عادة. فالعظمة في القرآن ليست في الحجم، ولا في الكمّ، ولا في الطول والعرض، ولا في القيمة السوقية.
فالقرآن يعتبر الدنيا بأسرها قليلة وحقيرة: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْیَا قَلِیلٌ﴾
وما هو العظيم حقًّا هو الله تعالى، وما هو العظيم هو الأمور المعنوية. فعلى سبيل المثال، حين يتحدّث عن أخلاق النبي صلى الله عليه وآله، يقول: ﴿وَ إِنَّكَ لَعَلی خُلُقٍ عَظِیمٍ﴾
وقد تكون – والعياذ بالله – ذنوبنا عظيمة. وفي تعقيبات الصلاة نقرأ: «اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ ذَنْبِي عِنْدَكَ عَظِيمًا فَعَفْوُكَ أَعْظَمُ مِنْ ذَنْبِي». فحسناتنا غالبًا صغيرة، وأخلاقنا ليست كأخلاق النبيّ حتى تكون عظيمة، لكن ذنوبنا عظيمة. لماذا؟ لأنّ مخلوقًا صغيرًا مثلي إذا عصى ربّ العالمين، فهذه معصية عظيمة. فمخالفة العظيم معصية عظيمة.
ومن هذا الوجه، لا يوجد في الحقيقة «صغيرة»؛ فجميع الذنوب كبيرة بمعنى أنّها معصية لمقام عظيم. وأمّا تقسيمها إلى كبائر وصغائر فهو باعتبار آخر: أي بحسب ما ورد الوعد بالعذاب عليه أو لم يرد.
وخلاصة الأمر: إنّ الله المتعال – وفق المعايير الحقيقية المبنية على العظمة التكوينية والوجوديّة، لا وفق العظمة الاعتبارية – هو العظيم حقًّا. وكلّ شيء له قيمة ومنزلة فإنّما يستمدّها منه سبحانه.
يَا قَدِيمُ
أي: أيّها الأزليّ الدائم. «قديم» لا تعني العتيق أو البالي. فنحن أحيانًا نفهم «قديم» بمعنى شيء مرّ عليه الزمن، كأن نقول: بيت قديم، أو صديق قديم، أي شيء طال عليه الزمان. أمّا عندما نقول إنّ الله «قديم»، فالمقصود أنّه بلا بداية، أزليّ، كان ولا يزال.
بل إنّ تعبير «دائم» أو «دائمًا» هو من باب ضيق التعبير، لأنّه أصلًا متعالٍ عن الزمان. فلا يصحّ أن نقول إنّه كان منذ ملايين السنين أو تريليونات السنين. فهو أصلًا لا يندرج ضمن إطار الزمان والمكان. إنّه فوق الزمان. وكونه «كان دائمًا» لا يعني أنّه كان داخل الزمن، بل يعني أنّه لم يكن هناك وقتٌ لم يكن هو فيه موجودًا.
يَا عَلِيم
أي: أيّها العليم. «العليم» هو الذي يعلم علمًا واسعًا، يعلم الظاهر والباطن. يعلم أدقّ ذرّة في هذا العالم، بل يعلم حتى الخواطر الذهنيّة، والخيالات، والأفكار، بل والنيّات الخفيّة في داخلنا. ففي نظام الله تعالى، كلّ شيء معلوم.
اطّلاع البشر على علم الغيب الإلهي
واللافت أنّ الله تعالى أحيانًا يكشف جزءًا من غيب العالم لبعض عباده الصالحين، وأحيانًا – لأسباب معيّنة – حتى لبعض عباده غير الصالحين.
فمثلًا، أخبر الله تعالى فرعون – عن طريق المنام – بمجيء النبي موسى عليه السلام وأنّه سيخلّص بني إسرائيل. وكذلك أخبر عزيز مصر بأنّ البلاد ستمرّ بسبع سنوات من الخصب، يعقبها سبع سنوات من القحط.
وكونه يُطلع بعض من ليسوا صالحين قد يكون من أجل امتحانهم، أو لأنّهم أصحاب سلطة ومصير الناس بأيديهم، فيمنحهم فرصة للإصلاح واتخاذ التدابير المناسبة. أمّا عندما يصل الأمر إلى أوليائه، فالقضيّة تختلف تمامًا.
كما أنّ الإنسان إذا كان له تلميذ أو مساعد موثوق، لا يُخفي عنه شيئًا؛ فإن كان عالمًا سلّمه علمه وأسراره، وإن كان تاجرًا أعطاه مفاتيح متجره وخزينته. كذلك لله تعالى عباد يعلم أنّ لديهم القابليّة ولا يُسيئون الاستفادة، فينقل إليهم ما يمكن نقله. أمّا بعض الأسرار، فيحتفظ بها عند نفسه.
وفي هذا السياق نُقلت قصّة عن العلّامة الطباطبائي رحمه الله، حيث قال:
«عندما كنت أكتب تفسير الميزان، وصلني خبر عن طريق أخي. وكان أخي المرحوم العلّامة الإلهي إنسانًا وارعًا عالي المقام علميًّا، وكان على ارتباط بأرواح الراحلين. وجاء في الرسالة أنّ روح والدنا قد عاتبني لأنّي لم أُشركه في ثواب التفسير الذي كتبته.
ولمّا كتب لي أخي هذا من تبريز، قلت في نفسي: إنّي لم أرَ لنفسي في هذا التفسير ثوابًا أصلًا لأهديه إلى والدي. ثم قلت: اللهمّ إن كنتَ قد قدّرتَ لهذا التفسير ثوابًا، فامنحه كلّه لوالديّ. وبعد يوم أو يومين وصلتني رسالة أخرى من أخي، كتب فيها أنّ الوالد قد رضي الآن عن السيّد محمّد حسين، وأنّه مسرور جدًّا لاشتراكه في الثواب. ولم يكن أحد على علم بهذا الإهداء للثواب.»
ويقول العلّامة: إنّي أصلًا لم أكن أفكّر أنّ عملي هذا ممّا أُطالب عليه بثواب. فهو كتب أفضل تفسير في زمانه، وربّما إلى يومنا هذا، ومع ذلك لم يكن يفكّر بمثل هذه الأمور. ومن الطبيعي أنّ من كان تفكيره بهذا المستوى، لم يكن يسعى لأن يُشرك أحدًا في ثواب عمله.
انظروا كيف يعمل النظام الإلهي: فحتّى بعض أولياء الله المقرّبين يمكن أن يطّلعوا على ما يجري في قلوبنا. وهذه القضايا لها تفصيل طويل حول كيفيّة اطّلاع أولياء الله على الأمور الغيبيّة.
إذن، فالله تعالى عليم بكلّ الأسرار والخفايا وكلّ شيء. وهذه الحقيقة من جهة يجب أن تُنذرنا وتوقظنا، فننتبه ولا نتصوّر أنّه إذا لم يرنا الناس فإنّ الله لا يرانا. ومن جهة أخرى، تمنحنا أملًا كبيرًا؛ لأنّ مشاكلنا، وطلباتنا، وحاجاتنا، وأدعيتنا، وعجزنا وأنيننا كلّها واضحة عند الله، وطرق مساعدتنا كلّها بيّنة له وفي قبضة قدرته. فهي في الوقت نفسه إنذار ويقظة، ومصدر أمل عظيم للإنسان.
يَا حَلِيم
أي: يا من له الحِلم والصبر. «الحِلم» قريب من الصبر، لكنّه ليس هو الصبر نفسه. فالصبر عامّ؛ مثل أن يصبر الإنسان على المرض. أمّا الحِلم فيُستعمل غالبًا في مورد ارتكاب خطأ بحقّنا، أو صدور إساءة إلينا، كغلظة أو قسوة، فيكفّ الإنسان نفسه ويضبطها.
الله تعالى «حليم». فليس الأمر أنّه بمجرّد أن يخطئ الإنسان، يفضحه ويعاقبه فورًا، كأن يقطع رزقه، أو يهلكه، أو إذا أخطأ في موضعٍ ما يعامله بالقطيعة في كلّ شيء.
كثيرًا ما تكون لدينا عيوب كثيرة، ومع ذلك لا تزال عنايات الله تشملنا؛ لأنّه لا يريد لنا الهلاك التام، ولا يريد أن تضيع أعمالنا الحسنة. لكن لا ينبغي لنا أن نتصوّر أنّ استمرار بعض المساعدات الإلهيّة يعني أنّ الله راضٍ عنّا تمام الرضا.
نعم، إذا بلغت السيّئات حدًّا لا يُحتمل، ووصلت إلى مرحلة الغضب والسخط الإلهي، عندها تنقطع تلك العنايات. لكن بالنسبة لكثير من المؤمنين، يكون الحال أنّهم يعملون الصالحات، ويقعون أحيانًا في الخطأ؛ لهم أخلاق حسنة وأخرى سيّئة. فقد تستمرّ بعض العنايات الإلهيّة بسبب الأعمال الصالحة، والنيّات الحسنة، والأدعية، وإن كان الله غير راضٍ عن السيّئات.
أي إنّ حِلم الله على هذا النحو: لا يُسقط الإنسان فورًا بسبب الخطأ، لعلّه يتنبّه، ولعلّه يرجع عن زلّاته، ولعلّه يفيق ويُصلح نفسه.
يَا حَكِيم
أي: يا إلهي الحكيم؛ أي يا من له الحكمة، وأفعاله متقنة محكمة، وأوامره وتعاليمه محكمة، وكلامه محكم، وقراراته صادرة عن حكمة. في النظام الإلهي لا يوجد شيء بلا حكمة. يستحيل في النظام الإلهي أن يقع أمرٌ مصادفةً أو من دون حساب وتقدير.
فمثلًا: لا يمكن أن يكون شخصان في ظروف متطابقة تمامًا، فيستجيب الله دعاء أحدهما ولا يستجيب دعاء الآخر، أو يقبل عمل أحدهما ولا يقبل عمل الآخر، أو يمنح البركة لأحدهما ويحرم الآخر منها. من المستحيل أن يدخل أدنى خلل في الحسابات الإلهية، ولو بمقدار رأس إبرة. وبتعبير أمير المؤمنين عليه السلام:
«جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ عَمَلٍ ثَوَابًا وَلِكُلِّ شَيْءٍ حِسَابًا».
كلّ شيء بحساب، وكلّ شيء له ميزان. نحن لا نفهم أحيانًا، فنستغرب ونقول: ذهب ألف شخص إلى مجلس ليلة القدر، لكنّ عددًا قليلًا فقط وصلوا، والباقون لم يصلوا. ما الذي حدث؟ كثيرون درسوا، لكن بعضهم نجح. نحن لا ندرك السبب. أمّا لو كُشفت لنا تلك الحسابات الإلهية، لفهمنا السبب بدقّة.
لذلك، الذين يعرفون النظام الإلهي يدركون من سيصل، ومن سيتولّى أيّ مقام، ومن يحقّق هدفه؛ لأنّ كلّ شيء بحساب دقيق. مجرّد أن تزيد جهدك قليلًا، تتغيّر الحسابات. إذا قمت بعملٍ خيرٍ واحدٍ خالصٍ لرضا الله، عملٍ لا يكون لإرضاء نفسك، تتغيّر المعادلة. يُنقل ملفّك من موضع إلى موضع آخر. إذا حللت مشكلة إنسانٍ مكروب، تتغيّر ظروفك كثيرًا. وعلى العكس – والعياذ بالله – إذا كسرت قلب إنسان، تسوء الظروف. كلّ شيء بحساب. الله حكيم. لا يوجد في هذا العالم أيّ أمرٍ اعتباطي أو عبثي.
خَلِّصْنَا مِنَ النَّار
إنّ هذه الأسماء العشرة وحدها في هذا المقطع الأوّل تُشكّل مجموعةً متكاملةً جدًّا. فيها الرحمة، والكرم، وإعطاء القوام، والعظمة، والأزليّة، والعلم، والحِلم، والحكمة. كلّها كنزٌ بحدّ ذاتها. ثم يأتي بعد ذلك هذا الطلب:
سُبْحانَكَ يَا لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، الْغَوْثَ الْغَوْثَ، خَلِّصْنَا مِنَ النَّارِ يَا رَبِّ
«سُبْحانَكَ»: أي يا ربّ، أنت منزّه. كما في دعاء النبي يونس عليه السلام الذي ورد في القرآن الكريم: ﴿أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾
قال: يا ربّ، لا معبود سواك، أنت منزّه، وأنا الذي ظلمت نفسي وأخطأت. فجاء الجواب الإلهي:
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾
وهنا نحن أيضًا، مثل النبي يونس، نأتي بالتسبيح والتهليل، ونُعلن حاجتنا واستغاثتنا: «الْغَوْثَ الْغَوْثَ».
طبعًا المؤمنون هم الذين أدركوا حقيقة ذلك، وإلا فالجميع محتاجون إلى الله. لكن ما دمنا أصحّاء، نذهب إلى أعمالنا، نتقاضى رواتبنا، ولا نواجه مشكلات كبيرة، نتصوّر أنّنا نحن الذين ندبّر الأمور ونديرها بأنفسنا. أمّا المؤمن، فهو دائم الاستغاثة. بينما غير المؤمن لا يستغيث ويطلب النجدة إلا في ظروف خاصّة.
وخلاصة القول: يا ربّ، «الْغَوْثَ الْغَوْثَ»، ونكرّرها مرّتين. نحن في هذه الليلة نعرض على الله بصدق: يا ربّ، أغِثنا، أغِث البشريّة، أغِث المظلومين، أولئك الذين يُظلمون، والذين يعانون من الفقر، ومن الحرمان والتمييز، وكلّ من يعاني من الأمراض الجسديّة والنفسيّة، والمشكلات الاقتصاديّة والاجتماعيّة. نحن جميعًا بحاجة حقيقيّة إلى عون الله.
لكن لا ينبغي أبدًا أن ننسى المسألة الأساسيّة، وهي المغفرة: «خَلِّصْنَا مِنَ النَّارِ يَا رَبِّ»
كأنّنا مبتلون بها على نحوٍ ما، ونحتاج إلى الخلاص منها، كما يقول القرآن الكريم: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾
أي: لا أحد منكم إلا ويَرِدُها. لكن الورود لا يعني الدخول؛ بل يعني العرض والمرور. فالجميع يُعرضون على جهنّم، ويعبرون فوقها. فالصراط يمرّ فوق جهنّم، ولذلك لا بدّ للجميع من هذه التجربة. بعضهم ينجح ويعبر، وبعضهم لا يستطيع العبور. لكن الجميع يُعرضون، والجميع لهم ورود. لذلك نقول: «خَلِّصْنَا مِنَ النَّارِ»
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





