قدم فضيلة حجة الإسلام والمسلمين الشيخ محمد زارعي (الباحث في الفكر الصدري والأستاذ في الحوزة والجامعة) خلال ندوة “التعريف بالأفكار الاقتصادية للشهيد الصدر” قراءةً تحليلية لمبانی ومنهج الاقتصاد الإسلامي؛ حيث استعرض في قراءة تدرجية المنظومة الفكرية للشهيد الصدر، محاولاً تقديم صورة متكاملة للقدرات والابتكارات والآفاق المستقبلية للاقتصاد الإسلامي في فكر هذا الفيلسوف الراحل.

تنتظم المنظومة الاقتصادية للشهيد الصدر (قدس سره) ضمن إطار منهجي يتألف من سبع مراحل أساسية: تبدأ من «ضرورة الاقتصاد الإسلامي» وطرح حاجة المجتمع إلى نموذج مستقل، وصولاً إلى «ماهية الاقتصاد الإسلامي» والتمييز بينه وبين علم الاقتصاد؛ من “خصائص الاقتصاد الإسلامي” بهويته الأخلاقية والشمولية، ومنها إلى «الأصول الأساسية للاقتصاد الإسلامي» بوصفها ركائز العدالة والملكية؛ تليها «القواعد الكلية للاقتصاد الإسلامي» التي تشكل الهيكل الاستراتيجي للنظام، ثم «المسؤوليات الكبرى للدولة في الاقتصاد الإسلامي» من حيث مقام التنفيذ، وفي الختام تجيء «النظريات التنفيذية والتطبيقية» التي تربط هذه المنظومة من مستوى النظرية إلى حيز الممارسة والعمل.

وفقاً للاجتهاد، يُعد الشهيد آية الله السيد محمد باقر الصدر من القلائل بين مفكري العالم الإسلامي المعاصرين الذين استطاعوا إيجاد رابط منهجي دقيق بين «الاجتهاد الفقهي» و«بناء النظام الاجتماعي». ففي ظل الهيمنة الفكرية للخطابين الرأسمالي والماركسي، سعى الشهيد الصدر لإثبات أن الإسلام ليس مجرد حزمة من الأحكام الفردية، بل يمتلك مذهباً اقتصادياً منسجماً وقادراً على إدارة شؤون المجتمع.

لقد عمل الشهيد الصدر على تقديم إطار قيمي لتحقيق العدالة الاجتماعية في المجتمع الإسلامي، وطرح مفاهيم محورية مثل «التوزيع الأولي لمصادر الثروة» ونظرية «منطقة الفراغ التشريعي» في سلسلة (الإسلام يقود الحياة)؛ حيث سعى من خلالها للإجابة على التساؤلات الجوهرية للاقتصاد، وتبيين مرونة الشريعة وقدرتها على مواكبة تحولات العصر.

وتكمن أهمية الفكر الاقتصادي للشهيد الصدر في تجاوزه لمستوى التنظير التجريدي نحو صياغة نماذج تشغيلية؛ وهو ما تجلى بوضوح في كتابه الشهير (البنك اللاربوي في الإسلام)، حيث قدم فيه —برؤية خبيرة وتخصصية— نموذجاً إجرائياً للعمل المصرفي الخالي من الربا.

وفي هذا السياق، قدم فضيلة حجة الإسلام والمسلمين الشيخ محمد زارعي (الباحث في الفكر الصدري والأستاذ في الحوزة والجامعة) خلال ندوة “التعريف بالأفكار الاقتصادية للشهيد الصدر” قراءةً تحليلية لمبانی ومنهج الاقتصاد الإسلامي؛ حيث استعرض في قراءة تدرجية المنظومة الفكرية للشهيد الصدر، محاولاً تقديم صورة متكاملة للقدرات والابتكارات والآفاق المستقبلية للاقتصاد الإسلامي في فكر هذا الفيلسوف الراحل.

١. المقدمة: مكانة ومسار تكوين الفكر الاقتصادي للشهيد الصدر

يُعد الشهيد آية الله السيد محمد باقر الصدر شخصية قلّ نظيرها في العالم الإسلامي وفي العصر الراهن. إن نبوغه، وتسلطه على الجوانب المختلفة للعلوم الإسلامية، وجامعيّته بوصفه فقيهاً، وأصولياً، وفيلسوفاً، واقتصادياً، ومفسراً، ورجلاً سياسياً، وناشطاً سياسياً واجتماعياً؛ تمثل حزمة من الخصائص التي يُنتظر توفرها في العالِم الديني والإنسان المثقف، وقد اجتمعت كلها في هذه الشخصية السامية.

١.١. السياق التاريخي: الصراع بين الشرق والغرب في العالم الإسلامي

ما لم نكن على دراية بالظروف الزمانية والمكانية التي طرح فيها الشهيد الصدر أفكاره، فربما لن تتضح لنا هذه الأفكار بشكلها الصحيح. فهو يتحدث عن “الاقتصاد” في ظروف كانت فيها المجتمعات الإسلامية تعاني بشدة من غزو الأفكار الغربية.

فمن جهة، تغلغل النظام الرأسمالي (والذي يُسمى في الاصطلاح التخصصي بالنظام “الكينزي” و”النيوكينزي”) في قطاع واسع من المجتمعات الإسلامية، ومن جهة أخرى، كان قطاع آخر من العالم واقعاً تحت تأثير الأنظمة الاشتراكية والشيوعية. لقد نفذت هذه الأفكار، شرقيةً كانت أم غربية، في أعماق المجتمعات الإسلامية وأثرت بشكل مباشر على الفضاء الفكري العام.

وفي العراق آنذاك، كان للأفكار الماركسية والشيوعية-الاشتراكية نفوذ كبير. ومع تشكل حزب البعث حوالي عام ١٩٥٠ ميلادية —وبما أن هذا الحزب كان بحد ذاته من مؤيدي هذه الأفكار— فقد اكتسبت هذه التوجهات عمقاً ونفوذاً أكبر في الساحة الاجتماعية العراقية. بناءً على ذلك، قدم الشهيد الصدر أفكاره ورؤاه في ظل هذه الظروف، ومن خلال نظرة دقيقة لواقع العراق الذي يعيش فيه، ومع الأخذ بعين الاعتبار عموم المجتمعات الإسلامية التي كانت غارقة في صراع الأفكار الشرقية والغربية.

١.٢. المنهج المنظوماتي والآثار المحورية للشهيد الصدر

تُعد الرؤية “المنظوماتية” من أبرز سمات فكر الشهيد الصدر؛ فبينما قد توجد هذه الميزة لدى آخرين، إلا أنها تتجلى في فكره بوضوح استثنائي، حيث عقد العزم على تقديم تعاليم الإسلام ورؤاه ضمن “نظام منسجم” وشامل للمجتمعات الإسلامية.

ولتحقيق هذا الهدف، شرع الشهيد الصدر في التأليف منذ نعومة أظفاره؛ فبعد ولادته عام ۱۹۳۵م (۱۳۵۳هـ)، ألّف كتابه الأول «فدك في التاريخ» وهو في سن الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة (حوالي عام ۱۳۶۷هـ). وبعد طيّه للمراحل العلمية ونيله درجة الاجتهاد، ومشاركته في اللجنة الفقهية للشيخ محمدرضا آل ياسين، ودراسته لكتاب “الأسفار” عند المرحوم البادكوبي، وتأليفه لآثار أصولية عميقة مثل «غاية الفكر»، بدأ بإلقاء دروس “البحث الخارج” في الفقه والأصول.

انطلاقاً من هذه الخلفية العلمية الرصينة، قرر الشهيد الصدر صياغة الفكر الإسلامي في قوالب نظامية عبر آثاره الخالدة:

١. فلسفتنا: هو أول كتاب أصدره الشهيد الصدر بعد تلك المرحلة، حيث نُشر عام ۱۹۵۸م (۱۳۷۹هـ).

٢. اقتصادنا: كان يعتزم تأليف كتاب “مجتمعنا”، لكن اقتضاءات الزمان وظروف نفوذ الأفكار الشرقية والغربية في الساحة الاقتصادية دفعته للعدول عن ذلك والشروع في تأليف «اقتصادنا». صدر المجلد الأول عام ۱۹۶۱م (۱۳۸۱هـ)، والمجلد الثاني عام ۱۹۶۴م (۱۳۸۳هـ) بعد وقفة قصيرة بسبب نشاطاته السياسية. وقد أحدث هذا الكتاب صدىً واسعاً جداً في العالم الإسلامي، وجذب كبار الاقتصاديين لمحاورته.

٣. البنك اللاربوي في الإسلام: في عام ۱۹۶۹م (۱۳۸۸هـ)، قررت وزارة الأوقاف الكويتية تأسيس بنك إسلامي لاربوي، فخاطبوا ثلاث شخصيات بارزة في العالم الإسلامي، منهم الشهيد الصدر، لتقديم مشروع بهذا الصدد. فكتب الشهيد هذا الكتاب خلال شهرين فقط بعد عودته من الحج، وأصبح هذا الأثر الركيزة الأساسية لتأسيس البنوك الإسلامية في دول عديدة، ومنها إيران (قانون العمل المصرفي اللاربوي لعام ۱۳۶۲ هـ.ش).

٤. الإسلام يقود الحياة: ألّف الشهيد هذه السلسلة في أواخر عمره الشريف، تزامناً مع انتصار الثورة الإسلامية في إيران واستجابةً لاحتياجاتها؛ حيث قدم فيها خلاصةً لخطوطه العريضة وتفاصيل رؤاه الاقتصادية.

يؤكد الشهيد في مقدمة “البنك اللاربوي” أن المشروع المطروح صُمم لمجتمع غير إسلامي تحكمه المؤسسات الرأسمالية، والهدف منه هو مجرد “حذف الربا” من مؤسسة واحدة (البنك). أما بالنسبة لمجتمع إسلامي متكامل تُبنى أركانه على الإسلام، فلا بد من صياغة مفهوم مغاير للبنك و”نظام مصرفي إسلامي” شامل. وقد بدأ الشهيد بصياغة هذا المشروع المتعالي في أواخر حياته، غير أن يد الغدر والاغتيال حالت دون إتمامه، وبقيت تلك الشذرات العظيمة منشورة ضمن حلقات «الإسلام يقود الحياة».

١.٣. الخطوات السبع للتعرف على الفكر الاقتصادي للشهيد الصدر

للإحاطة بالمحتوى الفكري لرؤاه الاقتصادية، قمتُ بتنظيم المادة العلمية ضمن سبع خطوات منهجية؛ إذا سلكها الباحث بالترتيب، فسيصل إلى معرفة معمقة وشاملة بمنظومة الشهيد الصدر الاقتصادية.

٢. الخطوة الأولى: إثبات ضرورة الاقتصاد الإسلامي
أول نقطة يثيرها الشهيد الصدر في آثاره هي «إثبات ضرورة الالتفات إلى الاقتصاد الإسلامي بوصفه السبيل الوحيد للخروج من الأزمات التي تواجه المجتمع». وقد استفاض في شرح هذه الضرورة في مقدمة الطبعة الثانية من المجلد الثاني لكتابه «اقتصادنا».

وإني أنصح جميع المهتمين، لاسيما المشتغلين في حقل الاقتصاد الإسلامي، بضرورة دراسة هذه المقدمة ومباحثتها وتحليلها بعمق. ويمكن القول إن هذه المقدمة بمثابة كتاب «اللمعة الدمشقية» في الفقه؛ فكما يُنصح بـ “اللمعة” للدخول إلى عالم الفقه، فإن هذه المقدمة هي «لمعة الاقتصاد الإسلامي». ومن المؤسف أننا لا نزال نواجه تحديات جادة، ليس فقط في فهم ماهية الاقتصاد الإسلامي، بل حتى في إدراك “ضرورته”.

٢.١. سر تخلف المسلمين: الانفتاح المطلق على الثقافة الغربية

يبدأ الشهيد الصدر بحثه بتساؤل جوهري: ما هو سر تخلف المسلمين، وخاصة في الساحة الاقتصادية؟ ولماذا أصاب الأفولُ المسلمين الذين تربعوا على عرش الحضارة لقرون طويلة، بينما تقدم الغربيون منذ عصر النهضة واكتشاف المحرك البخاري، وبالتوسل بالاستعمار والاستغلال، حتى هيمن اقتصادهم على العالم اليوم؟

لقد شخّص الشهيد سر هذا التخلف بدقة؛ حيث يعتقد أن العلة تكمن في أن المسلمين شرعوا أبواب حصونهم الثقافية والفكرية أمام الفكر الغربي. إن مشكلات المسلمين وتخلفهم بدأ تحديداً منذ اللحظة التي قبلوا فيها إقحام الأفكار الغربية في حياتهم الفكرية. لقد اقترح بعض المفكرين المسلمين —لتعويض التخلف— حلاً مفاده: “لننظر ماذا فعل الغربيون، ولنكرر صنيعهم لننال التقدم الاقتصادي”.

لكن ما هي “الوصفة” التي وضعها الفكر الغربي لتحقيق التقدم؟ زعم الغربيون أنه إذا أردتم التقدم مثلنا، فعليكم اتباعنا في الساحة السياسية، والساحة الاقتصادية، وفي أسلوب ونمط الحياة. وللأسف، فقد قَبِل المسلمون هذه الوصفة.

٢.٢. التضاد البنيوي بين “الإنسان الغربي” و”الإنسان المسلم”

تلقف المسلمون تلك “الوصفات” الجاهزة وحملوها إلى مجتمعاتهم للتطبيق، لكنهم اصطدموا بعقبات كأداء. ففي برهة من الزمن، تبنوا الأفكار الليبرالية والرأسمالية، بيد أنهم وجدوا أن المجتمعات الإسلامية ترفض هذه الأفكار ولا تستسيغها؛ ذلك لأن هذه المجتمعات كانت وما تزال تئن تحت جراح تلك الأفكار ذاتها، حيث كان أغلبها إما مستعمرات غربية أو واقعاً تحت هيمنة ونفوذ الغرب الاقتصادي.

وعندما أخفقت الرأسمالية، يمموا وجوههم شطر الوصفات الشرقية والاشتراكية، لكن هذه المساعي آلت أيضاً إلى الفشل. لقد أثبتت التجربة أن لا الأفكار الغربية ولا الشرقية قادرة على إيجاد حلول حقيقية للمجتمعات الإسلامية. وإذا أمعنا النظر في مجتمعنا وبقية المجتمعات الإسلامية، سنجدها تتخبط في أزمات التضخم والركود والمعضلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، تماماً كما تعاني الدول الغربية، بل وبشكل أعقد.

ما هي سبب عدم فاعلية الوصفات الغربية في المجتمعات الإسلامية؟
يُرجع الشهيد الصدر هذا الإخفاق إلى جذر عميق يتمثل في التفاوت الجوهري بين «الإنسان الغربي» و«الإنسان المسلم».

الإنسان الغربي: قطع صلتَه بعالم الغيب، وصرف نظرَه عن السماء ليُسمّره في الأرض. وبدلاً من أن يستقي احتياجاته من الوحي الإلهي، اتكأ على عقله وفكره المحض، فأصبح “محور ذاته”؛ ونتيجة لذلك نشأت في الغرب أفكار مثل “الأنسنة” (Humanism)، وأصالة اللذة، وعبادة الذات. ويطرح الشهيد الصدر نكتةً بالغة الأهمية تفيدنا في واقعنا المعاصر: إن الإنسان الغربي الذي انبتّ عن السماء، صار عندما يواجه الأفكار الإلهية التي جاء بها الأنبياء، يُخضعها للتحليل “الأرضي” ويفسرها بما يتوافق مع نظرته المادية، غافلاً عن حقيقتها وعمقها. وبناءً على هذه الرؤية “الأنسنية” والأنانية، أسس الغرب —تحت شعار الحرية— مدرسة “أصالة المنفعة” (Utilitarianism) ومدرسة “أصالة اللذة” (Hedonism).

أما الإنسان المسلم، غهو إنسان شاخصٌ ببصره نحو عالم الغيب ومؤمن به؛ لذا لا يمكنه أن يفكر بعقلية الإنسان الغربي. فبينما يتوهم الإنسان الغربي أنه “حرٌ مطلق”، يدرك الإنسان المسلم أن حريته لها بُعدان: سعيٌ خارجي للتحرر من “الطاغوت”، ومجاهدةٌ داخلية للتحرر من عبادة الذات والشهوات والأنانية. فالإسلام يحمل شعار الحرية أيضاً، لكنها الحرية المسؤولة لا الانفلات المطلق.

لقد جاب الغربيون آفاق الأرض —لاسيما بعد إقصاء الدين واكتشاف المحرك البخاري ورواج التجارة البحرية— ومارسوا القتل والنهب وامتصاص ثروات الشعوب ونقلها إلى بلدانهم، وبهذا حققوا “الرفاه الاقتصادي”. وما فعلته بريطانيا بالهند، أو تحويل “الرق” إلى صناعة منظمة كانت الأكثر ربحية لقرون، ما هي إلا نماذج جلية لهذا المنهج. وهنا يتساءل الشهيد الصدر: هل يمكن للإنسان المسلم أن يقترف مثل هذه الأفعال لتحقيق التنمية؟

٢.٣. “عنصر المقاومة البشرية” وضرورة الرؤية الأصيلة

يذهب الشهيد الصدر في تحليله إلى أن الفكر الاقتصادي الغربي يُعدّ فكراً “ناجحاً” في سياق المجتمع الغربي؛ وعلة هذا النجاح تكمن في التناغم التام بين هذا الفكر وبين البنية الفكرية، والنفسية، والروحية، والسياسية للإنسان الغربي. فالإنسان الغربي الذي أقصى “الله” من حياته، لم يعد له من هدف سوى المنفعة الشخصية والتلذذ، ولا يشعر بأي قيد أو رادع يحد من طموحاته. والعامل الوحيد الذي قد يكبح جماح لذته ومنفعته هو “تزاحمها” مع منفعة الآخرين. وهذا هو عين ما ذهب إليه آدام سميث (مؤسس المدرسة الكلاسيكية في الاقتصاد)، حيث اعتقد أن على الإنسان أن يسعى وراء مصلحته الشخصية، وبذلك تتحقق مصلحة المجتمع تلقائياً. في هذا الفكر، لا يحدّ منفعةَ الإنسان إلا منفعةُ إنسانٍ آخر.

وهنا يطرح الشهيد التساؤل الجوهري: هل تتلائم البنية الفكرية والثقافية والعقدية والنفسية للمجتمع الإسلامي مع هكذا فكر؟ هل يسمح الإنسان المسلم لنفسه بسلب حق الحياة من الآخرين، أو غزو أراضيهم، ونهب ثرواتهم، واستعباد شعوبهم؟

يصل الشهيد الصدر من خلال مقارنته بين الإنسان المسلم والإنسان الغربي إلى نقطة مفصلية، حيث يصف هذه الظاهرة بتعبير «عُنْصُرُ الْمُقَاوَمَةِ الْبَشَرِيَّةِ». والمقصود به أن الإنسان المسلم والمجتمع الإسلامي، حين تُعرض عليه هذه الأفكار (الغربية أو الشرقية)، يبدي مقاومة تجاهها ولا ينصاع لها؛ لأن نسيجه الفكري والروحي والوجداني لا يتوافق مع تلك الأطروحات.

هذا هو لُبّ الكلام وأهم استدلال يطرحه الشهيد الصدر في مقدمة الطبعة الثانية لكتاب «اقتصادنا»؛ حيث يثبت في نهاية المطاف أنه لا سبيل للخروج من الأزمات إلا بالرجوع إلى الاقتصاد الإسلامي والأفكار الإسلامية الأصيلة. فالمجتمع الإسلامي يتطلب “وصفته الخاصة” (المنبثقة من هويته)، والوصفات المستوردة لا يمكن أن تجلب له سوى الفشل والتبعية.

٣. الخطوة الثانية: تبيين ماهية الاقتصاد الإسلامي

بعد إثبات ضرورة الاقتصاد الإسلامي، تأتي الخطوة الثانية وهي معرفة ماهيته. ما هو هذا “الاقتصاد الإسلامي” الذي نتحدث عنه؟ وما هي طبيعته؟
لتوضيح هذا الأمر، طرح الشهيد الصدر —سواء في «اقتصادنا» أو في «الإسلام يقود الحياة»— بحثاً منهجياً تحت عنوان التمييز بين «المدرسة أو المذهب الاقتصادي» و«علم الاقتصاد».

٣.١. التمايز بين «المذهب الاقتصادي» و«علم الاقتصاد»

يرى الشهيد الصدر أننا عندما نتحدث عن “الاقتصاد الإسلامي” ونعتقد بأن الإسلام يمتلك اقتصاداً، فنحن لا نقصد بذلك «علم الاقتصاد» بمعناه الرائج اليوم (والذي يعبّر عنه الشهيد أحياناً بـ “الاقتصاد السياسي”). فهو يرى أن الإسلام يمتلك «مذهباً اقتصادياً»، ولكن لا يوجد فيه “علم اقتصاد” بالمعنى المعاصر.

كان أحد التحديات التي واجهها الشهيد الصدر في ذلك الوقت هو عدم تصديق الكثيرين بأن الإسلام يمكن أن يكون له رأي في حقل الاقتصاد. وينقل سماحته عن حوار دار بينه وبين أحد الأشخاص، حيث وصف ذلك الشخصُ الحديثَ عن الاقتصاد الإسلامي بأنه كالحديث عن «الدائرة المربعة»؛ أي أن وجود اقتصاد إسلامي كان يبدو في أذهانهم أمراً مستحيلاً إلى هذا الحد.

يوضح الشهيد الصدر أن «علم الاقتصاد» يدرس الظواهر العينية والموجودة بالفعل في المجتمع؛ فهو يرصد ظواهر مثل ارتفاع أو انخفاض الأسعار، زيادة عرض السلع، تغيرات الأجور، الركود، والتضخم، ثم يحلل عواملها وآثارها ليصل إلى قوانين مثل “قانون العرض والطلب”. أما الإسلام، فلا يقدم الاقتصاد بهذا المعنى، بل نحن فيه أمام «مذهب أو نظام اقتصادي».

المذهب الاقتصادي يحدد الأطر، والضوابط، و”ما ينبغي” و”ما لا ينبغي” (القيم والمعايير)، لكنه لا يحلل الظواهر العينية القائمة. وفي القرآن الكريم، نجد هذه الأطر والأصول الكلية، لا الظواهر الاقتصادية اليومية.

خلاصة الفارق بين المذهب الاقتصادي وعلم الاقتصاد من وجهة نظره:
المذهب الاقتصادي: يبيّن طريقة إدارة اقتصاد المجتمع للوصول إلى العدالة، ويتحدث عن “الأحكام” و”القيم” (ما ينبغي فعله).

علم الاقتصاد: يختص ببحث وتحليل العوامل والآثار الناتجة عن الظواهر والأحداث العينية والواقعية في المجتمع.

٣.٢. القدرة على إنتاج العلم: “نهضة المواساة” نموذجاً تطبيقياً

تنبثق كل أيديولوجية أو رؤية كونية (سواء كانت مادية أو إلهية) لتشكل “مذهباً” معيناً، ومن رحم هذا المذهب يُستخرج “نظام” (اجتماعي، اقتصادي، سياسي)، وبناءً على هذا النظام يمكن أن يتشكل “علم” بالمعنى المعاصر. ويرى الشهيد الصدر أنه بناءً على هذا التسلسل، يمكننا في الإسلام أن نمتلك «علم اقتصاد إسلامي». أي أن الإسلام يمتلك القدرة الكامنة على إنتاج علم اقتصاد يفسر الظواهر كالاقتصاد السياسي المعاصر، لكن هذا الأمر يتطلب “تنظيراً”؛ وهو عمل ربما لم ينجز كما ينبغي في مجال تحليل الظواهر الاقتصادية للمجتمع.

إن كفاءة أي علم تتضح جلياً عندما يواجه المجتمع أزمة ما، فيقوم ذلك العلم بتقديم الحلول لتجاوزها. فهل يمتلك الاقتصاد الإسلامي هذه القدرة؟ الإجابة هي: نعم. تذكروا أيام تفشي فيروس كورونا، حين تضرر اقتصاد البلاد بشدة، لاسيما المشاريع الصغيرة، وواجه الكثيرون صعوبة في تأمين احتياجاتهم الأساسية. في تلك الظروف، طرح سماحة قائد الثورة الإسلامية —استلهاماً من التعاليم الإسلامية— مشروع «المواساة والتعاطف الإيماني».

إن “المواساة” هي إحدى التعاليم الإسلامية الرفيعة، خاصة في الشؤون المالية. وهي فكرة أخلاقية لا تُصنف في الفقه الدارج ضمن “الواجبات”، بل هي من الآداب والمستحبات. (وهنا تجب الإشارة إلى نكتة هامة في “بناء النظام الإسلامي”: وهي أننا لا ينبغي أن نحصر أنفسنا في دائرة الواجبات والمحرمات فقط، بل يجب إشراك الآداب والمستحبات والمكروهات في هذه العملية، وإلا فلن يعمل النظام بكفاءة كاملة).

انظروا كيف أن فكرة واحدة، أو تعليماً يبدو بسيطاً في الظاهر، يمتلك القدرة على إنقاذ اقتصاد دولة من أزمة كبرى. فبفضل “نهضة المواساة”، تم التحكم في الأزمة الاقتصادية الناجمة عن كورونا واحتواؤها في مجتمعنا. تحولت المساجد والقواعد الشعبية إلى مراكز لتنفيذ هذا المشروع، وقدم كل فرد ما بوسعه، ووصلت السلع الضرورية إلى المحتاجين بعزة واحترام، وحُلت المشكلة. قارنوا هذا الوضع بما حدث في ذات الفترة في الغرب، وفي أمريكا تحديداً بوصفها مهد الديمقراطية والاقتصاد الغربي: طوابير تمتد لعدة كيلومترات من أجل وجبة طعام واحدة، ومشاجرات وصراعات عليها، أو سرقة الكمامات من بعضهم البعض بأسلوب “القراصنة”.

إن من يقوم بتحليل ظاهرة “المواساة” هذه، ويدرس عواملها وجذورها وآثار تنفيذها في المجتمع ويدون نتائجها، فإنه يضع بهذه التحليلات —إلى جانب موارد أخرى— الحجر الأساس لـ «علم الاقتصاد الإسلامي».

بناءً على ذلك، نحن نمتلك حتماً في الإسلام “مذهباً اقتصادياً”، وقد عاش المسلمون منذ صدر الإسلام وحتى يومنا هذا على تعاليمه الاقتصادية. لكن هذا المذهب بحاجة إلى تنظير وتقديمه بشكل “منظوماتي”، تماماً كما فُعل في المذاهب الغربية.

٤. الخطوة الثالثة: خصائص الاقتصاد الإسلامي
بعد إثبات الضرورة وتبيين الماهية، تأتي الخطوة الثالثة وهي التعرف على خصائص الاقتصاد الإسلامي. لقد طرح الشهيد الصدر خصائص محددة يُعد استيعابها أمراً ضرورياً للفهم العميق لهذا النظام، ومنها: الشمولية، والبعد الأخلاقي. فالمبدأ عند الشهيد يتجاوز مجرد “الأحكام الفقهية” بالمعنى الضيق (الواجب والحرام).

٤.١. الشمول والجامعيّة
الاقتصاد الإسلامي نظام جامع يستوعب كافة الجوانب والاحتياجات الاقتصادية للفرد والمجتمع، ويقدم الحلول والمعالجات لكل منها بما يتوافق مع الرؤية الإسلامية للحياة.

٤.٢. البُعد الأخلاقي
تُعد “الأخلاقية” من أبرز خصائص الاقتصاد الإسلامي عند الشهيد الصدر. فهذه الرؤية لا تحصر الاقتصاد في دائرة “الواجبات والمحرمات” الفقهية فحسب، بل تعتبر التعاليم الأخلاقية، والآداب، والمستحبات، والمكروهات جزءاً لا يتجزأ من صلب النظام الاقتصادي. فعلى سبيل المثال، مفاهيم مثل: الإنفاق، الصدقة، المواساة، وتفقد الجار، وإن كانت في كثير من مواردها غير واجبة فقهياً، إلا أنها تؤدي دوراً مفصلياً في عملية “الضبط الاقتصادي” وتحقيق العدالة الاجتماعية على أرض الواقع.

٤.٣. الترابط والنظرة المنظوماتية

يؤكد الشهيد الصدر على ضرورة تحليل أجزاء الاقتصاد الإسلامي بوصفها نظاماً واحداً متصلاً ومنسجماً؛ إذ إن النظرة الجزئية والمفككة للأحكام تؤدي إلى فهم ناقص، بل ومغلوط أحياناً.

ويضرب مثالاً على ذلك بمسألة “إرث المرأة” (الذي هو نصف إرث الرجل في بعض الموارد)؛ فإذا نُظر إلى هذا الحكم بشكل مجرد ومنفصل، قد يُثير شبهة حول غياب العدالة. ولكن، حين يوضع هذا الحكم إلى جانب بقية أجزاء النظام الاقتصادي والحقوقي في الإسلام، تتضح الصورة الكاملة للعدالة:

تكاليف الرجل: يتحمل الرجل مسؤولية التأمين الكامل لتكاليف المعيشة (النفقة)، ودفع الصداق (المهر) للمرأة، وسائر المسؤوليات المالية الأخرى.

حقوق المرأة: تُعفى المرأة من تكاليف المعيشة (حتى لو كانت غنية)، وتتلقى المهر بوصفه سنداً مالياً خاصاً بها.

فمن خلال النظر إلى مجموع هذه الحقوق والواجبات، يتبين أن النظام الحقوقي والاقتصادي في الإسلام قد حافظ بهذا التقسيم على التناسب والانسجام البنيوي في هيكلية الأسرة والمجتمع.

٤.٣.١. الهدف: تأمين مستوى المعيشة اللائق وتقليص الفوارق الطبقية

إن أحد الأهداف الكلية للمذهب الاقتصادي في الإسلام هو تقريب مستويات المعيشة والرفاه بين أفراد المجتمع. وبالطبع، لا يعني هذا “المساواة المطلقة” على الطريقة الاشتراكية؛ فالإسلام يقرّ بالتفاوتات الناتجة عن تباين المواهب والقدرات وبذل الجهد. ومع ذلك، يؤكد الإسلام على أصل بنيوي: وهو وجوب تمتع الجميع في المجتمع الإسلامي بمستوى معين من الضرورات المعيشية. إذ لابد من تأمين الغذاء، والكساء، والمسكن، والاحتياجات الأساسية كحق عام لكل أفراد المجتمع. وإذا عجز الفرد عن تأمين هذا المستوى الأدنى، تقع على عاتق “الدولة الإسلامية” مسؤولية توفيره له.

٤.٣.٢. أدوات الضبط والتنظيم في النظام الاقتصادي الإسلامي

لتحقيق هذا الهدف، صمم الإسلام منظومة من أدوات الضبط الاقتصادي ضمن قوالب (واجبة، ومستحبة، وأخلاقية):

الواجبات المالية: كالخمس والزكاة، والتي توفر موارد مالية محددة للمصارف العامة ومكافحة الفقر.

التوصيات الأخلاقية المؤكدة: كالصدقة والإنفاق، والتي تعزز روح التعاون والتكافل في المجتمع.

نظام الكفّارات: إن الكثير من الكفّارات (الغرامات الشرعية) —ككفارة إفطار الصيام أو نقض القسم— تتضمن إطعام الفقراء، وهي تمثل بحد ذاتها آليةً من آليات توزيع الثروة.

الحقوق الاجتماعية وصلة الرحم: التأكيد على صلة الرحم (والتي من أبرز مصاديقها سد الاحتياجات المالية للأقارب) والمسؤولية تجاه الجار المحتاج.

الحق المعلوم للمحرومين: يصرح القرآن الكريم: «وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ». تشير هذه الآية إلى أن جزءاً من أموال الأثرياء هو في الأصل “حق” للفقراء، وليس مجرد تفضل أو إحسان إليهم.

وتنعكس هذه الرؤية المنظوماتية في الروايات أيضاً؛ حيث ورد أنه “ما جاع فقير إلا بما متع به غني”، مما يشير إلى أن تراكم الثروة الفاحش غالباً ما يكون نتيجة ضياع حقوق الفقراء. هذه الأدوات مجتمعةً تشكل شبكة أمان وضمان اجتماعي قوية للغاية.

٤.٤. الدينامية والمواكبة: نظرية «منطقة الفراغ»

من أبرز الخصائص التي يتناولها الشهيد الصدر هي قدرة الاقتصاد الإسلامي على الاستجابة للمتطلبات المتغيرة لكل عصر. وفي الإجابة على السؤال القائل: “كيف يمكن لتعاليم قبل ١٤٠٠ عام أن تحل معضلات اليوم؟”، يطرح الشهيد الصدر نظرية «منطقة الفراغ» (أي المساحة الخالية من الحكم الإلزامي الثابت).

وفقاً لهذه النظرية، تضم الشريعة الإسلامية نوعين من الأحكام:
١. الأحكام الثابتة: وهي الأصول والقوانين التي لا تقبل التغيير بمرور الزمن.
٢. الأحكام المتغيرة: وهي المساحة التي لا يوجد فيها حكم إلزامي ثابت (وجوباً أو تحريماً)، وقد أُعطي لـ “الحاكم الإسلامي” (ولي الفقيه) صلاحية وضع القوانين والأنظمة فيها بما يتناسب مع ظروف ومصالح العصر.

هذه المساحة هي “منطقة الفراغ” التي تضمن مرونة وديمومة النظام الاقتصادي الإسلامي. إن وضع الضرائب، وتغيير بعض الأنظمة (مثل توحيد الدية أو القوانين العمالية)، وسائر المقررات الاقتصادية الحكومية، تندرج جميعها ضمن هذه الصلاحيات.

٥. الخطوة الرابعة: القواعد الكلية للاقتصاد الإسلامي
استخرج الشهيد الصدر في كتابه «الإسلام يقود الحياة» (ضمن قسم الأطروحة التفصيلية للاقتصاد الإسلامي) ثلاث عشرة قاعدة كلية بوصفها الأصول البنيوية للمذهب الاقتصادي في الإسلام. وتبين هذه القواعد الإطار الرئيس للنظام الإسلامي في مجالات: الإنتاج، والتوزيع، والتبادل، والاستهلاك.

٦. الخطوة الخامسة: النظريات الابتكارية للشهيد الصدر

علاوةً على تبيين القواعد القائمة، قدم الشهيد الصدر نظريات فريدة للمكتبة الاقتصادية، ومن أهمها:

٦.١. نظرية التوزيع الأولي لمصادر الثروة
تُعد هذه النظرية من أبرز ابتكارات الشهيد الصدر التي لا تجد لها نظيراً في الفكر الاقتصادي الغربي. فالمذاهب الغربية تبدأ بحث “التوزيع” من «الثروة المنتَجة» (بعد عملية الإنتاج)، أما الشهيد الصدر فيعود خطوة إلى الوراء، ليبدأ البحث من «كيفية توزيع المصادر الأولية لإنتاج الثروة». وقد استفاض في كتاب «اقتصادنا» في شرح القواعد والمباني التي وضعها الإسلام لملكية واستغلال المصادر الطبيعية (كالأرض، والمعادن، والمياه، والبحار). وهذه الرؤية تضع حجر الأساس للعدالة من المرحلة الأكثر تجذراً في النشاط الاقتصادي.

٦.٢. نظرية العمل ودوره في التملك

طرح الشهيد الصدر في «اقتصادنا» نظرية هامة حول «العمل» ودوره المحوري في إيجاد حق الملكية على الثروات، وهي النظرية التي تُعد البنية التحتية للكثير من تحليلاته الاقتصادية (العمل كسبب للملكية لا كمصدر للقيمة التبادلية فقط).

٧. الخطوة السادسة: مسؤوليات الدولة الإسلامية في الاقتصاد

حدد الشهيد الصدر وظائف استراتيجية للدولة في النظام الاقتصادي الإسلامي، منها:

الضمان الاجتماعي والتوازن الاجتماعي (التكافل والتوازن): الدولة ملزمة باستخدام الموارد العامة (الأنفال، الخمس، الزكاة، الضرائب، إلى آخره) لتأمين الاحتياجات الأساسية لجميع المواطنين، بغض النظر عن دينهم أو مذهبهم، والسعي لإيجاد تقارب في مستويات المعيشة. وتُعد قصة أمير المؤمنين (ع) في تخصيص راتب من بيت المال للشيخ اليهودي دليلاً ناصعاً على هذا المبدأ.

الرقابة على القطاعات الاقتصادية الكبرى: تتولى الدولة مسؤولية الإشراف على القطاع العام، وعملية الإنتاج (خاصة السلع الأساسية)، وقيم التبادل في السوق، لمنع أي اختلال اقتصادي أو تضييع لحقوق الناس.

٨. الشهيد الصدر.. التنظير في ميدان العمل
لم يكن الشهيد الصدر مُنظراً يكتفي بزوايا الحوزة، بل عكف في تدوين آثاره الاقتصادية —ولاسيما «اقتصادنا» وكتاب البنك اللاربوي— على الدراسة العميقة للمذاهب الاقتصادية الغربية (الرأسمالية والماركسية)، فحللها ونقدها، ثم قدم أفكاره بصورة عملية تهدف لحل المشكلات الواقعية للمجتمع. هذا المنهج الميداني هو ما منح آثاره عمقاً وكفاءة استثنائية.

٩. منهجية الشهيد الصدر ونظرياته التطبيقية؛ من نقد الغرب إلى تقديم البديل
بعد تبيين الماهية والخصائص والأصول، نصل إلى محطة حيوية في منظومة الشهيد الصدر: كيفية الانتقال من “النظرية” إلى “التطبيق”، ومنهجية مواجهته للمسائل المستحدثة والأنظمة المنافسة.

إن الميزة الفريدة للشهيد الصدر تكمن في أنه لم يحبس نفسه في أروقة الحوزة، بل كان شاخصاً ببصره نحو الواقع العملي، مقدماً أفكاره في قالب وظيفي يلبي متطلبات العصر.

٩.١. منهجية المواجهة: الفهم العميق، النقد البنيوي، وتقديم البديل

اتبع الشهيد الصدر نموذجاً منهجياً دقيقاً في مواجهة الرأسمالية والماركسية؛ فقبل أي نقد، كان يعكف على دراسة “الأسس الفلسفية” و”الآليات الإجرائية” لتلك المذاهب دراسةً خبيرة. ويتجلى هذا بوضوح في كتابه الموسوعي «اقتصادنا»:

المجلد الأول: خُصص بالكامل لتحليل ونقد جذور الفكر الماركسي ثم الرأسمالي، حيث كشف بتسلط مذهل عن تناقضاتها الداخلية وإخفاقاتها العملية.

المجلد الثاني: بعد إرساء قاعدة نقدية صلبة، انتقل لتبيين المذهب الاقتصادي الإسلامي بشكل منظومي وشامل.
وهذا يثبت أن الشهيد قدم الإسلام كبديل “علمي ومنطقي”، وليس مجرد رد فعل عاطفي.

٩.٢. دراسة حالة: تدوين كتاب «البنك اللاربوي في الإسلام»
يُعد هذا الكتاب أنصع نموذج عملي لمنهجية الصدر في الاستجابة للاحتياجات الواقعية:

السياق: طلبٌ كويتي لتقديم مشروع لتأسيس بنك إسلامي لاربوي.

التحدي: حين قيل له “أنت لست خبيراً مصرفياً”، أجاب بابتسامته المعهودة: «أَوَّلًا أَکُونُ خَبِیراً ثُمَّ أَکتب».

البحث والتدوين: عكف على دراسة أحدث أدوات وآليات المصرفية العالمية، ثم صاغ الكتاب في شهرين فقط. لم يكن مجرد نقد فقهي، بل “خطة تشغيلية” كاملة أصبحت لاحقاً أساساً لقوانين المصرفية الإسلامية في إيران (عام 1983م) ودول أخرى.

٩.٣. الفجوة القائمة: غياب المصدر الجامع
رغم عمق أفكاره، يواجه الباحثون تحدي تشتت هذه الرؤى بين «اقتصادنا»، و«الإسلام يقود الحياة»، والمقالات المتعددة، مما يستدعي ضرورة تدوين أثر جامع تحت عنوان المدخل إلى فكر الشهيد الصدر الاقتصادي

١٠. الخلاصة: مراجعة الخطوات السبع لمنظومة الصدر الاقتصادية

للوصول إلى فهم متكامل، يمكن تلخيص المنظومة الفكرية للشهيد الصدر في سبع خطوات تمثل خارطة طريق للباحثين:

الخطوة الأولى: ضرورة الاقتصاد الإسلامي: إثبات الحاجة لنموذج مستقل للخروج من الأزمات.

الخطوة الثانية: ماهية الاقتصاد الإسلامي: التمييز الدقيق بين «علم الاقتصاد» و«المذهب الاقتصادي».

الخطوة الثالثة: الخصائص: الشمولية، البعد الأخلاقي، والترابط العضوي للأحكام.

الخطوة الرابعة: الأصول الأساسية:

الملكية المزدوجة: (خاصة، عامة، ودولية).

الحرية الاقتصادية المحدودة.

العدالة الاجتماعية.

الخطوة الخامسة: القواعد الكلية: القواعد الثلاث عشرة التي تحكم الإنتاج والتوزيع والتبادل والاستهلاك.

الخطوة السادسة: مسؤوليات الدولة: دور الحكومة في التكافل، التوازن الاجتماعي، والرقابة.

الخطوة السابعة: النظريات التطبيقية: مثل “التوزيع الأولي”، “منطقة الفراغ”، ومشروع “البنك اللاربوي”.

إنَّ هذا الإطار المنهجي يمهّدُ طريقاً جلياً للولوج إلى عالم الشهيد الصدر الاقتصادي، ويمنحنا فهماً أعمق للإمكانات الهائلة التي يزخر بها المذهب الاقتصادي في الإسلام. 

والحمد لله رب العالمين

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل