في بعض مقاطع دعاء الجوشن الكبير تتجلى أسماء مثل: «سَيِّد السَّادات»، «مُجِيب الدَّعَوات»، «رَافِع الدَّرَجات»، و «دافِع البَلِيّات» لتوضيح أبعاد التوحيد؛ حيث يظهر الله سبحانه وتعالى كالسامع للأصوات، العارف بالخفيات، القابل للتوبة، والمعطي للطلبات، والذي بحكمته يدفع البلاء ويعين عباده.
وفقًا لوكالة الحوزة، يُعدّ دعاء الجوشن الكبير من أهم الأدعية المعتبرة عند الشيعة، وقد ورد في مؤلفات مثل إقبال الأعمال و مصباح المتهجد، وله مكانة بارزة في مفاتيح الجنان، ويكتسب أهمية خاصة في ليالي القدر، حيث يتركز الدعاء على قوله: «خَلِّصنا مِنَ النار»، أي طلب النجاة من النار وغفران الله.
نغمة الدعاء وإيقاعه
في هذا المقطع من الدعاء، إلى جانب المعاني العميقة، يوجد إيقاع موسيقي متناغم. ففي هذا المقطع، تنتهي كل أسماء بكلمة في الجمع المؤنث السالم (أي تنتهي بألف وتاء)، ما يضفي على القراءة نغمة متسقة ومتوازنة.
يَا سَيِّدَ السَّاداتِ
بحسب اللغة العربية، كلمة «السَّادات» جمع جمع، أي جمع «سادة» و«سادة» جمع «سيد»، و«سيد» من أصل «سُودَد» وتعني العظمة والرفعة والمقام العالي.
السيد من يكون؟
غالبًا يُطلق لقب «سيد» على من يكون الأفضل في جماعة أو في رأس مجموعة، مثل زعيم القبيلة أو أفضل الشعراء («سيد الشعراء»). ومن هذا الباب أيضًا لقب سيد الشهداء للإمام الحسين عليه السلام، الذي استُعمل قبل استشهاده للشيخ حمزة، وكان الشهيد في قمة المظلومية وعملية الاستشهاد مؤثرة ومصيرية. بعد استشهاد الإمام الحسين عليه السلام أصبح هو «سيد الشهداء» إلى الأبد.
كما يُستعمل لقب «سيد» للإشارة إلى من هم من نسل بني هاشم، وبشكل خاص نسل فاطمة الزهراء عليها السلام، وفي الفقه أحيانًا يشمل جميع بني هاشم وأحيانًا يخص نسل النبي صلى الله عليه وآله من فاطمة.
الله سبحانه | مصدر كل الكمالات
السيادة أو «السِّيادة» قد تكون أحيانًا نتيجة فضائل، وأحيانًا لاحترام الناس لشخص ما. لكن الحقيقة الأساسية أن أعلى وأجلّ الكمالات تعود لله تعالى، فهو سَيِّد السَّادات، مصدر كل الفضائل والخيرات، وكل ما يمتلكه البشر هو في الحقيقة من عنده.
عادةً، يحاول البشر الاقتراب من كبار الشخصيات للوصول إلى شيء ما؛ من يطلب العلم يقرب من العلماء، ومن يسعى للروحانية يقرب من المتقين، ومن يسعى للمال يقرب من التجار الناجحين، ومن يسعى للفن يقرب من الفنانين. لكن الأسمى من جميع هؤلاء، والذي يجب أن يكون محط القرب الأول، هو الله سبحانه وتعالى، فهو الأكبر والأعلى والأكمل.
يَا مُجِيبَ الدَّعَوَاتِ
يا من يُجيب الدعوات والنداءات، ولو أنّ الجميع دعوه في آنٍ واحد. فنحن ـ ولو كنّا في غاية اللطف والرحمة ـ لا نستطيع أن نُجيب في الوقت نفسه على عدّة أشخاص، ولا سيّما إذا كان أحدهم في هذا الطرف من الدنيا والآخر في طرفٍ آخر منها. فهذا يتكلّم بهذه اللغة وذاك بلغةٍ أخرى. وحتّى ينتقل ذهنُنا من أحدهما إلى الآخر يحتاج ذلك إلى وقت، وقد يكون كلام الآخر قد انتهى. ومع تعدّد الأشخاص أو الموضوعات أو اللغات تتفاقم المشكلة أكثر.
أمّا الله سبحانه وتعالى، فإنّه لا يُجيب الدعوة فحسب، بل يُجيب الدعوات كلّها. ففي لحظةٍ واحدة، كلّ من يناديه من أيّ بقعةٍ في العالم يُجيبه الله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾[1]
وهذا الأمر لا حدّ له ولا حدود.
يَا رَافِعَ الدَّرَجَاتِ
يا رافع الدرجات. فـ«الدرجة» بمعنى الرتبة. وقد تكون الرتبة في الأمور المعنويّة، أو في الأمور العلميّة، أو في مرتبة القرب من الله، أو في المكانة داخل المجتمع، أو في المحبوبيّة، أو في الاحترام. فمفهوم «الدرجة» عامّ.
وفي القرآن الكريم تُستعمل كلمة «درجة» غالبًا في الأمور المعنويّة ومراتب الجنّة، أمّا في المراتب السلبيّة فيُستعمل لفظ «دَرَك». كما في قوله تعالى بشأن المنافقين: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾[2]
لكنّ نفس كلمة «درجة» كلمة عامّة، ويمكن استعمالها في الأمور السلبيّة والإيجابيّة معًا. ومن الواضح أنّ المقصود هنا ليس المراتب تحت الصفر أو السلبيّة، كدركات جهنّم، بحيث يكون شخص درجةً تحت الصفر وآخر ألف درجة تحت الصفر، كما هو حال المنافقين الذين هم في أدنى دركة. بل المقصود في «رافع الدرجات» هو الدرجات الإيجابيّة والكماليّة.
فالآن، ذلك الشخص الذي يريد الارتقاء في أيّ مجال، سواء في الأمور الواقعيّة والكماليّة، أو حتّى في الأمور الظاهريّة والدنيويّة كالثروة، والشهرة، والعمل، بل حتّى في الصوت والغناء والتمثيل، فأينما أراد أن ترتفع درجته، فلا بدّ أن يكون هو المساعد، وهو المؤيِّد، وهو المبادر؛ إنّه الله سبحانه وتعالى. ومن هنا يجب أن يكون استثمارنا الأساسي هناك.
نعم، على الإنسان أن يقوم بالأعمال اللازمة في ذلك المجال أيضًا، لكن ينبغي ألّا يقوم أبدًا بعملٍ مخالفٍ لرضا الله، لأنّ صاحب القرار الحقيقي هو الله. ومثله كمثل من يتحدّث مع موظّف في دائرة ما، لكن لا ينبغي له أن يقوم بعملٍ مخالفٍ لرضا المدير، لأنّ المدير هو الذي يجب أن يُصدِر الموافقة في النهاية. غير أنّ العالَم ليس كالدنيا، حيث قد يقوم أحيانًا شخص ذو رتبةٍ منخفضة بعملٍ ولا يعلم به مَن فوقه. ففي هذا العالَم، كلّ ما يحدث هو حاضر، ومرئيّ، ومسموع عند الله تعالى. ولذلك يؤكّد القرآن على أنّ الله «سميع» و«بصير»، يرى كلّ شيء ويسمع كلّ شيء، ليُصلِح ذهنيّتنا حتّى لا نظنّ أنّه بما أنّ الله متعالٍ، فقد تخفى عليه بعض الأمور في العوالم السفلى. كلا، ليس الأمر كذلك. فهو حاضر في كلّ مكان، ويعلم حتّى بنيّات قلوبنا.
علوّ الهمّة
ومن الأمور التي ينبغي أن نلتفت إليها أيضًا أنّه في الشؤون المعنويّة، وفي أمور الآخرة، بل وفي نفس الجنّة، يجب أن ننظر إلى الدرجات العليا. لا ينبغي لنا أن نكتفي بالحدّ الأدنى، وأن نقول: يكفيني أن أدخل الجنّة، ولو عند بابها، ولو بجانب الأحذية! إنّ عدم طلب المراتب الأعلى يدلّ على قلّة المعرفة وسوء التقييم.
تأمّلوا: الشخص الذي يحبّ حقًّا تخصّصًا علميًّا ما، سواء كان رياضيّات أو فيزياء أو كيمياء أو فلسفة أو فقهًا، أو أيّ علمٍ آخر، إذا كان حقًّا من أهل ذلك العلم، هل يرضى بالحدّ الأدنى؟ أمّا من لا يهتمّ بذلك التخصّص، فيدخل الامتحان مُكرَهًا ليحصل على درجةٍ ويمضي إلى شؤونه الأخرى، فهذا يرضى بالحدّ الأدنى، ويقول: أعطونا درجةً وننصرف. لكن من كان من أهل ذلك العلم، لو أعطيته تسعين وقلت له: تستطيع أن تصعد درجةً أعلى، لقال: نعم، من فضلكم ساعدوني لأتعلّمها أيضًا. أريد أن أرى هل هناك كتاب جديد أو مقال جديد. لا أستطيع أن أكتفي بما أعلم. لماذا؟ لأنّه محبّ لهذا العلم.
وهكذا من كان من أهل الفضائل، ومن أهل محبّة الله، ومن أهل المعرفة، ومن أهل الجنّة، لا يمكنه أبدًا أن يرضى بالحدّ الأدنى. نعم، من جهة القول إنّنا لا نستحقّ ذلك، فهذا بحثٌ آخر. لكن ينبغي أن تكون همّتنا عالية، وأن نطلب المراتب الأعلى. فإذا طلبتم المراتب الأعلى، ستزداد جهودكم أيضًا، وإذا ـ لا سمح الله ـ لم تصلوا إلى تلك المرتبة، فستصلون على الأقلّ إلى مرتبةٍ أدنى منها داخل الجنّة نفسها.
ولعلّكم سمعتم هذه القصّة: يُقال إنّ طالب علمٍ كان يدرس عند أبيه، وكان أبوه عالمًا زاهدًا. فسأله يومًا: ماذا تريد أن تكون؟ ومن هو قدوتك ونموذجك؟ فأجاب الابن: أريد أن أكون مثلك. كان يحبّ أباه كثيرًا، وكان عالمًا وزاهدًا وأستاذه في الوقت نفسه. فقال: أريد أن أكون مثلك. فقال له الأب: أنا كنت أريد أن أسير في طريق الإمام الصادق عليه السلام، لا أن أكون مثله، لكن كان هو قدوتي، وهذا ما صرتُ إليه. أمّا أنت، فإذا كانت قدوتك أنا، فانظر ماذا ستكون!
إنّ الإنسان إذا رضي بدرجة النجاح فقط، فقد لا ينالها أصلًا. أمّا إذا قال: يجب أن أحصل على أعلى الدرجات، فربّما ينال درجةً جيّدة، وإذا بذل جهدًا كبيرًا فربّما ينال أعلى درجة أيضًا. لكن من يكتفي بالحدّ الأدنى ويجعله هدفه، فعادةً لا يتجاوز ذلك، بل قد لا يناله أصلًا.
إذن، الدرجات مهمّة. ينبغي أن نطلب الدرجات الأعلى. يجب أن تكون الهمّة عالية، وعلوّ الهمّة مطلوب. كما في الكلمة الجميلة عن النبيّ صلّى الله عليه وآله: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ مَعَالِيَ الأُمُور»[3]
إنّ الله يحبّ الأمور العظيمة. ينبغي أن تُنجز الأعمال بإتقان وجمال، لا بالإسراف ولا بالتكلّف. أمّا في الفضائل، فلا حدّ لها.
والآن، مَن بيده مفتاح الارتقاء إلى الدرجات العليا؟ بلا شكّ إنّ المفتاح بيد الله سبحانه وتعالى. لذلك ينبغي أن نُصلِح علاقتنا به، وأن نسير وفق ما يريده منّا.
يَا وَلِيَّ الْحَسَنَاتِ
أي: يا من تكون الأعمال الصالحة والحَسَنات في ولايته، وتحت رعايته، وتحت تدبيره وعنايته.
إذا أردتم أن تُنجزوا أعمالًا حسنة، أو أردتم أن تكون علاقات الآخرين بكم علاقات طيّبة وصحيحة، وأن تتلقّوا من الآخرين حسنات ومعاملة حسنة، فعليكم أن تؤدّوا الحسنات أنتم أيضًا، وألّا تظلموا الآخرين، ولا تظلموا أنفسكم، بل تأتوا بالعمل الصالح؛ لأنّ وليّ الحسنات هو الله.
أكثر المؤمنين مشركون
انظروا: ما الذي يفعله هذا الدعاء في الحقيقة؟
إنّه يستخدم ألف تعبير وألف طريق ليُثبّت في أذهاننا حقيقة واحدة، وهي أنّه لا خبر ولا حقيقة ولا تأثير خارج الله. يريد أن يُنقذنا من الشِّرك.
يقول القرآن الكريم: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾[4]
حتى المؤمنون، أكثرهم مشركون.
صحيح أنّهم لا يعبدون الأصنام، لكن لديهم شرك خفي. نحن نعلّق آمالنا على ألف جهة، ويكون الله واحدًا من بينها فقط. وأحيانًا، حتّى المتديّنون، في حساباتهم أصلًا لا يدخل الله!
يُروى أنّ المرحوم الشيخ جعفر الشوشتري قال يومًا على المنبر: «أيّها الناس، أريد اليوم أن أقول لكم كلامًا يخالف ما قاله جميع الأنبياء والأولياء!»
فَتَعجّب الناس، وفتحت العيون، وبُهِتت الوجوه، ينتظرون ماذا سيقول.
ثمّ قال: «جميع الأنبياء والأولياء دعوا الناس إلى التوحيد، أمّا أنا فأريد أن أدعوكم إلى الشرك! جميع الأنبياء قالوا: اعملوا العمل لله وحده، لكنّ الأمور فسدت إلى هذا الحدّ، بحيث إنّي أقول لكم: أشركوا الله في أعمالكم! أنتم لا توحّدون ولا تخصّصون قلوبكم لله، فليكن على الأقلّ: أعطوا الله زاوية من قلوبكم، ولا تُسلّموا القلب كلّه لغير الله (دربست).»
نحن نعتمد إلى هذا الحدّ على الأمور المادّية، وعلى الوساطات، والعلاقات، والإعلانات؛ فهل نُدخل الله أصلًا في حساباتنا؟
وإن أدخلناه، ففي أيّ مرتبة نضعه؟ هل هو في الصفّ الأوّل؟ أم في الصفّ الثاني؟
أمّا المؤمن الحقيقي، فإنّ الله يكون عنده في رأس كلّ شيء، في قمة الهرم. وكلّ شيء ليس إلهيًّا يُقصى ويُستبعَد.
الأمور التي لها صبغة إلهيّة ـ مثل: أن أُعرّف نفسي، أن أكون إنسانًا صالحًا، أن أكون مؤدّبًا، أن تكون لي علاقات طيّبة، وأن تكون علاقاتي الاجتماعيّة جيّدة ـ هذه كلّها تكون بقدر ما تحقّق رضا الله، وتأتي تحت رأس الهرم.
أمّا ما سوى ذلك، فيُحذَف ويُلغى.
هذا هو المؤمن الحقيقي. لكن كم نحن كذلك؟
دعاء الجوشن الكبير يريد أن يدخل من كلّ باب، ليُدخل التوحيد، ويسدّ منافذ الشرك، حتّى يصبح الإنسان موحِّدًا حقيقيًّا.
الهدف الأساسي لنا جميعًا يجب أن يكون التوحيد.
يَا غَافِرَ الْخَطِيئَاتِ
إذا ارتكبتم خطأً، أو زلّة، أو معصية، فباب الرجوع مفتوح دائمًا.
الشيطان يحاول باستمرار أن يُصيبنا باليأس، فيقول: انتهى الأمر، كبرت في السنّ، تأخّرت، فات الأوان، كلّ شيء انتهى، اترك الأمر، الآن انتهى وقت التوبة، عش كما أنت، واستمرّ على ما كنت عليه.
يريد أن يُبقينا في نفس الوضع. لكن مع الله تعالى لا يوجد أبدًا «فات الأوان». ومع الله تعالى لا يوجد أيّ طريق مسدود.
ليس خطأً واحدًا فقط، بل «خطيئات» ـ أي أخطاء كثيرة ـ وهو يغفرها:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾[5]
قل لعبادي الذين ظلموا أنفسهم، وتجاوزوا الحدّ، ولم يراعوا الحقوق والحُرُمات، ألّا ييأسوا من رحمة الله.
إنّ الله يغفر جميع الذنوب. «جميعًا»… أي كلّها. أي أنّ الإنسان إذا ندم ندمًا حقيقيًّا وتاب، تُغفَر له جميع ذنوبه.
نعم، قد يحتاج بعض الذنوب إلى جبران، لكن الذنب نفسه قد غُفِر.
قد يكون عليه أن يقضي صلاة، أو يقضي صومًا، أو يُخرج خمسًا، أو يردّ مالًا ضيّعه من حقّ الناس، لكنّ الله في اللحظة نفسها التي ندم فيها، غفر له ما كان حقًّا له.
ثمّ يعطيه الله فرصة ليُثبت صدقه.
لا يقول له: عندما تُنجز كلّ هذه الأمور أغفر لك. بل يقول له: أنا أثق بك.
قلبك الآن منكسر، وأنا قبلت توبتك. اذهب وجبّر ما عليك.
فإن ذهب بعد ذلك وقصّر، ونقض العهد، فهو في الحقيقة الذي أفسد توبته بنفسه. وإلّا فإنّ الله قد غفر له منذ اللحظة الأولى.
وحتّى لو تاب توبة صادقة، ولم يتمكّن من جبر جميع الخطايا، كأن لم يُمهله العمر، أو لم تتوفّر له فرصة الجبران، فإنّ الله تعالى يغفر له أيضًا.
يَا سَامِعَ الْأَصْوَاتِ
إنّ الله يسمع جميع الأصوات. يسمع صراخ الظالم، ويسمع أيضًا أنين ذلك المظلوم. فهل يمكن أن يظنّ الظالم أنّ صراخه في وجه المظلوم، وإهاناته له، لا يفهمها أحد؟
الله يسمع.
فإذا ظنّ أحد أنّه يستطيع أن يرتكب ظلمًا في الخفاء، أو يقترف ذنبًا، أو يرتكب خطأً بلا ضجيج ولا صوت، فهو مخطئ؛ لأنّ الله يفهم كلّ شيء.
وكذلك إن كان لديكم ابتلاء أو مشكلة، فناديتم الله، ثمّ خطر ببالكم: لعلّ الله لا يسمع، أو لعلّ الله لا يلتفت، فهذا أيضًا خطأ.
الله مطّلع على كلّ شيء، ويسمع كلّ شيء. بل أعلى من ذلك، إنّ الله يسمع أنيننا وأصواتنا وإن كانت على نحوٍ تكويني.
فمثلًا: الطفل في بطن أمّه هو أيضًا ينادي الله. وذلك الرضيع الذي يبكي هو أيضًا ينادي الله.
الله يلتفت إلى الجميع. ولا يخفى عليه أيّ صوت.
عندما أُمر النبيّ موسى عليه السلام من قبل الله تعالى أن يذهب مع النبيّ هارون عليه السلام للتحدّث مع فرعون، كان لموسى مخاوف متعدّدة. وكان أحد مخاوفه أنّ فرعون كان إنسانًا مستكبرًا، مستبدًّا، شديد القسوة.
فقال موسى لله: إنّي أخاف أن يتجاوز الحدّ ويطغى علينا: ﴿نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾[١٠]
لم يكن خوفه على نفسه، بل كان قلقه أن يفسد الأمر كلّه؛ أي أن يبادر فرعون منذ البداية بتصرّف عنيف يقضي على هذه المهمّة برمّتها.
فماذا قال الله تعالى؟ قال الله عزّ وجلّ: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾[١١]
لا تظنّا أنّني أرسلتكما فقط. أنا معكما. وهناك أيضًا ﴿أَسْمَعُ وَأَرَى﴾. لستما وحدكما.
وخلاصة القول: إنّ الله هو سَامِعُ الأَصْوَاتِ.
يسمع صوت كلّ أحد، وبأيّ لغة، وفي أيّ وضع، سواء كان ظالمًا أو مظلومًا، وسواء كان مطيعًا أو مذنبًا.
يسمع الجميع. وهذا للظالمين إنذار، وللمظلوم، وللمبتلى، ولصاحب الحاجة، بشارة ووعد.
يَا عَالِمَ الْخَفِيَّاتِ
أي: يا من تعلم جميع الأمور الخفيّة.
الرذائل الخفيّة
لو دقّقنا، لوجدنا أنّنا في كثير من الأحيان لا نعرف حتّى ما في داخل أنفسنا، بل لا نعرف أنفسنا معرفةً صحيحة.
أحيانًا نعتقد أنّنا لا نحمل في داخلنا رذيلةً معيّنة، ثمّ إذا وُضعنا في موقفٍ ما، صدر منّا تصرّف نتعجّب نحن أنفسنا منه. نقول: ما هذا الفعل الذي صدر منّي؟! ما هذه الكلمة التي قلتها؟!
مثلًا: لم أكن أظنّ يومًا أنّني حسود، لكن هذا التصرّف الخاطئ الذي صدر منّي تجاه فلان، ما تفسيره إن لم يكن حسدًا؟ لم أكن أظنّ أنّني شخص أناني، لكن هذا العمل الذي قمتُ به كان نابعًا من الأنانيّة.
لم أكن أظنّ أنّ رأي الناس مهمّ عندي إلى هذا الحدّ، بحيث أرتكب خطأً من أجلهم. كنت أظنّ أنّ أعمالي خالصة.
هذا إذا انتبهنا أصلًا.
نحن لا نعلم شيئًا عن تلك الطبقات المتداخلة والمعقّدة الموجودة في نفوسنا. ويوم القيامة تُكشَف كلّ هذه الأمور، ويظهر كلّ شيء: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾[١٣]
أمّا في الدنيا، فمن النادر جدًّا أن ينتبه الإنسان إلى مشكلاته الداخليّة،
إلّا إذا كان شخصًا يفحص نفسه بصدق، ويراقب نفسه سنين طويلة، ويلازم المراقبة والمحاسبة. فمثل هذا الإنسان قد يصل إلى بعض الحقائق، وإلّا فإنّ النفس معقّدة جدًّا.
هناك قصّة مشهورة: يُقال إنّ رجلًا كان يشارك في صلاة الجماعة قرابة ثلاثين سنة، وكان دائمًا يقف في الصفّ الأوّل خلف إمام الجماعة. وذات مرّة تأخّر، واضطرّ أن يقف في الصفوف الأخيرة. فسبّب له هذا الأمر شعورًا غريبًا بالخجل والحرج.
بعد هذه الحادثة، تأمّل في نفسه، فاكتشف أنّ جزءًا ـ على الأقلّ ـ من السبب الذي كان يجعله دائمًا يحضر الصلاة في أوّل الوقت ويقف في الصفّ الأوّل، هو تحصيل الوجاهة، أو على الأقلّ الحفاظ على سمعته من أن تُمسّ.
أي إنّ الإنسان أحيانًا يمرّ عليه سنون طويلة وهو لا يعلم ما الذي كان يحمله في داخله. ومن الجهة الأخرى، قد تمرّ سنوات طويلة ثمّ تكتشف أنّ وضعك ـ والحمد لله ـ كان جيّدًا.
فالمرحوم آية الله الشيخ محمّد حسين الأصفهاني الغروي، المعروف بالكمباني، كان من كبار أساتذة الحوزة العلميّة في النجف، وأستاذ المرحوم آية الله الخوئي. وكان ابن تاجر، ومن عائلة ثريّة، لكنّه أعرض عن كلّ ذلك، وذهب إلى النجف لطلب العلم.
نُقلت حكاية عن أحد معارفه، يقول فيها: «رأيتُ يومًا الحاجّ الشيخ في طريقه إلى المنزل، وكان قد انحنى في وسط الزقاق، وجعل يجمع بصلاتٍ كانت قد سقطت على الأرض، وكان في الوقت نفسه يضحك.
ساعدته في جمع البصل، ثمّ مضى به إلى المنزل. فقلت له: من الواضح أنّ البصل سقط من طرف قبائك، لكنّي لم أفهم سبب ضحكك.
فقال الحاجّ الشيخ: عندما دخلتُ النجف في شبابي لطلب العلم، كنتُ ثريًّا جدًّا. وذات يوم، كنت واقفًا عند ضريح أمير المؤمنين عليه السلام مشغولًا بالزيارة، فانقطع خيط مسبحتي الثمينة، وتساقطت حبّات المسبحة على الأرض، وكانت قيمة كلّ حبّة دينارًا واحدًا. وبسبب عزّة النفس ـ أو ربّما بسبب الأنانيّة ـ لم أقبل أن أنحني وأجمع الحبّات. أمّا اليوم، فلم يكن عندي أيّ إشكال في أن أنحني وأجمع هذه البصلات من الأرض.
وسبب ضحكي هو أنّني حين كنت أجمع البصل، تذكّرت تلك الحادثة في شبابي. الحمد لله والشكر لله، أنّ جمع البصل المتناثر على الأرض صار اليوم أمرًا سهلًا عليّ».
نسأل الله أن تكون أعمالنا نحن أيضًا على هذا النحو، بحيث كلّما مضى الزمن، التفتنا إلى أنّنا قد نمونا واكتسبنا صفات حسنة.
فالإنسان ما لم يُغربَل، وما لم يُبتلَ ويُوضَع في التحدّيات، لا يُعرف باطنه. إنّه كحوضٍ أو كبركةٍ طبيعيّة، تتجمّع فيها مع مرور الوقت الأوحال، والطحالب، والقمامة المختلفة.
فإذا بقي الماء مدّةً بلا حركة، صار سطح البركة صافيًا وشفّافًا. لكن إذا حرّكنا الماء بعصا مثلًا، وتحركت الطبقات السفليّة، تعكّر الماء.
ونفس الإنسان كذلك. في الحالة العاديّة يكون على نحوٍ معيّن، لكن في حالات التحدّي، والتوتّر، والأزمات، والشدائد، قد يكون على نحوٍ آخر.
ولا أقصد الأشخاص الذين هم فاسدون دائمًا. لكن حتّى بعض أولئك الذين يكونون في الحالة العاديّة أشخاصًا طيّبين، لا يظلمون أحدًا، صبورين، حليمين، لطفاء، فإنّ عمق وجودهم غير معلوم.
فإذا وُضعوا في ظروفٍ حرجة، وأصابتهم حالة اضطراب أو غضب، فليس معلومًا أيّ سلوك سيصدر منهم.
أحيانًا حتّى في ظروف بسيطة، كأن يقف الإنسان خلف إشارة المرور في زحام، تحت حرّ الشمس، وسيّارته بلا مكيّف، ومتأخّر عن موعده، نرى هذا الشخص نفسه ـ الذي كان حسن الخلق، ملتزمًا بآداب القيادة ـ يبدأ بإطلاق الأبواق، وسبّ الآخرين.
لا أريد أن أقول إنّ الجميع هكذا، لكن كثيرًا من الناس على هذه الشاكلة: لديهم مستوى معيّن يستطيعون المراقبة عنده، وهذا المستوى يظهر عند الامتحان والابتلاء. وقد قال الإمام الحسين عليه السلام: إِنَّ النَّاسَ عَبِيدُ الدُّنْيَا، وَالدِّينُ لَعْقٌ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ، يَحُوطُونَهُ مَا دَرَّتْ مَعَايِشُهُمْ، فَإِذَا مُحِّصُوا بِالْبَلَاءِ قَلَّ الدَّيَّانُونَ[١٤]
ولهذا فإنّ من الأمور التي تقوم بها الإدارات المتقدّمة هو أنّها تحاول ألّا يصل الناس إلى حالةٍ بحرانيّة. وإلّا، ففي هذه المجتمعات نفسها، لو ارتفع سعر البنزين أربعة أيّام، أو انقطعت الكهرباء، فليس معلومًا أنّ هؤلاء الأشخاص أنفسهم سيواصلون التصرّف بأخلاق، والقيادة بهدوء، والالتزام بالنظام، وألّا تُفرَّغ المتاجر من محتوياتها، أو أن لا تحدث أمور أخرى ممّا قد يقع.
إذن، من الأمور المهمّة التي ينبغي الالتفات إليها هي الأمور الخفيّة. إنّ وضعنا الظاهري ـ كطريقة اللباس، والأعمال الظاهرة كإلقاء السلام، وأداء الصلاة ـ أمور مهمّة ويجب مراعاتها، سواء على المستوى الفردي أو على مستوى المجتمع، لكن لا ينبغي أن نغفل عن الطبقات الداخليّة من وجودنا.
وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن نتسرّع في الحكم على الآخرين؛ فلا نرفع الأشخاص سريعًا إلى أعلى المراتب، ولا نرى منهم بعض السلبيّات فنحكم بأنّهم لا شيء، وأنّهم فارغون من كلّ قيمة. فلعلّ ذلك الإنسان وقع في مشكلة أو في أزمة، ولو كنتُ أنا مكانه لتصرّفتُ بالطريقة نفسها. لا نُسارع إلى التأييد، ولا نُسارع إلى الرفض، بل لننهمك بأنفسنا.
ومن كلمات أمير المؤمنين عليه السلام: «طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ»[١٥]
وخلاصة القول: إنّ الله هو عَالِمُ الْخَفِيَّاتِ؛ يعلم جميع الأمور الخفيّة، ويعلم جميع منافذ الأمل وجميع منافذ الخطر، ومن أيّ الجهات قد نتعرّض للأذى، ومن أين قد نقع في المشكلات؛ سواء كانت مشكلات شخصيّة، أو عائليّة، أو اجتماعيّة، أو سياسيّة. كلّ ما هو خفيّ علينا فهو عنده واضح وجليّ.
يَا دَافِعَ الْبَلِيَّاتِ
أي: يا دافع البلايا والابتلاءات. والبلاء بمعنى الاختبار، وأحيانًا ـ من باب المناسبة ـ يُستعمل بمعنى المصيبة والمشكلة أيضًا.
إنّ الله تعالى لا يوجّه إلينا الخيرات فحسب، ولا يسوقها نحونا فقط، بل يدفع عنّا الشرور والآفات كذلك. وليس الأمر أنّ الله تعالى ـ وبالتبع نظام العالم القائم تحت ربوبته ـ قد تركنا بلا ملجأ ولا درع أمام البلايا.
فهناك أنواع وأشكال متعدّدة من الآليّات الدفاعيّة لجميع البشر، وخاصّةً للمؤمنين، تحفظهم وتقيهم من كثير من البلايا، من دون أن يلتفتوا هم أنفسهم إلى ذلك.
الإرادة التكوينيّة والإرادة التشريعيّة
لكن ينبغي الالتفات إلى أنّ هذا الكلام لا يتنافى مع الاعتقاد بـ التوحيد الأفعالي لله تعالى. فبحسب التوحيد الأفعالي نعتقد أنّ الله هو ربّ هذا العالم، وننسب كلّ شيء إليه؛ أي إنّنا لا نؤمن بالثنويّة ولا بازدواجٍ في الألوهيّة، بحيث ننسب الخيرات إلى الله، وننسب الشرور إلى قوّة مستقلّة أخرى إلى جانبه. ليس الأمر كذلك.
فكلّ هذا العالم واقع تحت التدبير الإلهي، وليس عندنا ربّ للخيرات وربّ للشرور، بل كلّ شيء يرجع إلى الله. وهذا كلام صحيح، وقد فصّل الشهيد المطهّري رحمه الله هذا المعنى في كتاب «العدل الإلهي» تفصيلًا وافياً. إذن، كلّ شيء يُنسب إلى الله، وهذا كلام صحيح.
لكن لا ينبغي أن يُتوهَّم أنّ كلّ مشكلة أو مصيبة تصيب إنسانًا هي رضا ومشيئة إلهيّة له، بحيث يرى الإنسان نفسه في مواجهة الله إذا حاول دفعها أو مقاومتها. فالتوحيد الأفعالي حقيقة، لكن في هذا العالم توجد أنظمة متعدّدة، وقد يقع أحيانًا حادث لا يرضى الله تعالى به أصلًا.
وقد بيّن العلماء هذا المعنى من خلال التفريق بين الإرادة التكوينيّة والإرادة التشريعيّة. فعلى سبيل المثال: هل كانت شهادة أبي عبد الله الحسين عليه السلام بإرادة الله أم لا؟
والجواب الذي أجاب به الإمام السجّاد عليه السلام في مجلس ابن زياد كان من هذا الباب؛ إذ سأل ابن زياد الإمام: ما اسمك؟ قال: علي بن الحسين. فقال ابن زياد: أليس علي بن الحسين قد قتله الله؟ فقال الإمام: لا، كان لي أخ يُسمّى عليًّا، قتله الناس. فقال ابن زياد مرّة أخرى: بل قتله الله.
فقرأ الإمام عليه السلام في جوابه هذه الآية: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾[١٦]
نعم، الموت والحياة بيد الله، لكن ابن زياد أراد أن يستغلّ هذا المعنى ليقول: إنّ قتل أخيك كان بإرادة الله ورضاه، والإمام نفى هذا المعنى. فلا شكّ أنّ قتل الإمام كان خلاف الرضا الإلهي، وهو ممّا يوجب سخط الله وغضبه، لكن في الوقت نفسه لا يستطيع أحد أن يسلب روح أحدٍ إلّا بإذن الله.
فالإرادة التكوينيّة موجودة، لكن الإرادة التشريعيّة غير موجودة.
أضرب مثالًا آخر ليتّضح المقصود أكثر. فمثلًا، أنا من باب الامتحان والاختبار، أقدّم لابني ـ وقد بلغ سنّ الرشد والتمييز ـ المعلومات اللازمة والتعليم الضروري، وأعرّفه على القدوة أيضًا. ثم أعطيه مقدارًا من المال، وأطلب منه أن يشتري به شيئًا نافعًا مثل كتاب، وأحذّره في الوقت نفسه من أن يصرف هذا المال في أمرٍ مضرّ، كشراء السجائر مثلًا. في هذه الحالة، يكون التعليم قد قُدِّم له، والمال قد أُعطي له، كما تُركت يده مفتوحة؛ بمعنى أنّه يملك القدرة والإمكان والاختيار لأن يشتري كتابًا، أو أن يصرف المال في شراء السجائر.
فإن اشترى كتابًا، فإنّ الأجر الأكبر يعود إليّ؛ لأنّي أنا الذي وفّرت له هذه الإمكانيّة. أمّا إذا اشترى السجائر، فإنّ اللوم كلّه يعود إليه هو؛ لأنّه ـ مع أنّي أعطيته القدرة والإمكان لشراء شيءٍ مضرّ ـ كان قد بلغ سنّ التمييز، وقدّمت له التعليم اللازم. لقد أردتُ أن أختبره لمصلحةٍ أكبر، لأرى هل يستطيع أن يقف على قدميه أم لا، بل ليصل هو نفسه إلى الثقة بنفسه، ويشعر بالاستقلال والنضج. أمّا لو كنتُ أراقبه وأتحكّم به طوال الوقت، فلن يتمكّن من النموّ أصلًا.
إذًا، لا ينبغي الخلط بين أمرين: الأوّل هو أنّ كلّ ما يقع لا يخرج عن دائرة الإرادة التكوينيّة، والقدرة، والربوبيّة الإلهيّة، لكن في الوقت نفسه قد يكون ذلك الأمر مخالفًا للإرادة التشريعيّة ورضا الله تعالى. فكثيرًا ما تكون المشكلات والمصاعب التي تقع ناتجة عن تقصير أو إهمال ارتكبه الآخرون. فمثلًا، أحد أصدقائنا، عند ولادة طفله، قصّرت الممرّضة، فسقط الطفل على الأرض، وبسبب الضربة الشديدة التي تلقّاها فقد قدرته الجسديّة بدرجة كبيرة. هذا الطفل اليوم يبلغ نحو أربعين عامًا، وقد عانى في هذه المدّة آلامًا كثيرة. ومن الواضح أنّ هذا لم يكن مراد الله ولا رضاه أن يُصاب هذا الطفل ويقاسي هذا العناء، بل إنّ الممرّضة هي التي قصّرت.
لكن هذا العالم يقوم على نظام عامّ. فإذا ارتكب شخصٌ واحدٌ إهمالًا، فقد يؤذي غيره أيضًا. فمثلًا، لو أهمل شخصٌ في بناية متعدّدة الطوابق، واشتعلت النار في شقّته، فمن الممكن أن تمتدّ النار إلى الشقق الأخرى. في هذه الحالة، يكون سبب المشكلة هو إهمال إنسان، لا إرادة الله ورضاه. ومثال آخر هو ذلك السائق الذي لا يقود بدقّة ويقظة، فيتسبّب بإيذاء السائقين الآخرين، والركّاب، والمارّة.
إنّ نظام هذا العالم هو نظام السبب والمسبّب، لكن الآخرة مختلفة. وهذه نكتة مهمّة. ففي الجنّة لا يستطيع أحد أن يؤذي أحدًا، لأنّها تُدار بالإرادة، وجميع الإرادات فيها إرادات خير. ولا يمكن لعملٍ سيّئ أن يؤثّر في غيره، لأنّه لا يوجد أصلًا عمل سيّئ، ولا إرادة سيّئة، ولا غفلة. أمّا الدنيا فليست جنّة؛ ففي الدنيا يستطيع الإنسان أن يُسيء الإرادة، كما يمكن لغفلته أن تُوقع غيره في المشكلات. إضافةً إلى ذلك، فإنّ نظام الطبيعة نفسه مليء بالقيود؛ فهو ميدان تزاحم، وكثير من الأشياء ليست متوفّرة بالقدر الكافي. فمثلًا، لو كان لدينا نهر يمرّ في قلب مدينة، فلن يستطيع جميع سكّان المدينة أن يبنوا بيوتًا على ضفّته، لأنّ المساحة لا تكفي، وسيقع التنازع.
وعلى أيّ حال، فإنّ التوحيد الأفعالي بحثٌ، والقول بأنّ كلّ ما يقع فإنّ الله تعالى راضٍ عنه ومسرور به، وأنّه قد أراد لنا أن نكون على هذا النحو، بحثٌ آخر. ولا ينبغي الخلط بين هذين الأمرين. والذي نصل إليه بوضوح ـ سواء من الأدلّة العقليّة، أو من القرآن والروايات ـ هو أنّ الخير لا يصدر من الله تعالى إلّا خيرًا: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾[١٧]
كلّ خيرٍ يصيبك فهو من الله. أمّا الشرور، والمصاعب، والسيّئات الأخلاقيّة، فهي إمّا سيّئات أخلاقيّة يكون الإنسان نفسه سببها: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾[١٨]
وإمّا شرور طبيعيّة يكون سببها أيضًا في كثير من الأحيان أفعال الإنسان الخاطئة: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾[١٩]
وإمّا أن لا يكون للإنسان دور مباشر فيها، فتكون من لوازم نظام هذا العالم نفسه؛ من مواطن الضعف في عالم الطبيعة، وهي ـ مع ذلك ـ تهيّئ فرصًا لتقدّم الإنسان ونموّه. فالله تعالى ليس سبب الشرور ولا النقائص.
وهذا هو المعنى نفسه الذي نعبّر عنه في دعاء شهر رجب: يَا مَنْ أَرْجُوهُ لِكُلِّ خَيْرٍ، وَآمَنُ سَخَطَهُ عِنْدَ كُلِّ شَرٍّ[٢٠]
الملائكة الحَفَظَة
النقطة اللافتة هنا هي أنّه، إضافةً إلى أنّ الخير لا يصدر من الله تعالى إلّا خيرًا، وإلى أنّه لا يوجد في الوجود كائن يمكنه أن يقف في مقابل الله تعالى ليشكّل قطبًا سلبيًّا في مواجهة قطبٍ إيجابيّ، بحيث تقوم في العالم ثنائيّة متقابلة؛ فوق كلّ ذلك، توجد سلسلة من الآليّات الدفاعيّة التي من خلالها يدعم الله تعالى البشر ويحميهم. وبالطبع فإنّ هذا الدعم يكون أشدّ وأقوى في حقّ المؤمنين.
يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾[٢١]
وفيما يتعلّق بآليّات الدفاع والحماية التي جعلها الله تعالى لجميع البشر، فقد تحدّث عنها في القرآن الكريم ضمن الآية الحادية عشرة من سورة الرعد: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾[٢٢]
أي إنّ هناك مأمورين يتعاقبون واحدًا بعد آخر، من أمام الإنسان ومن خلفه، يحفظونه ويصونونه. ثمّ يُتبع ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾[٢٣]
فلا يتوهّم أحد أنّ وجود الحَفَظَة يعني أنّ الإنسان يستطيع أن يفعل ما يشاء، وفي أيّ مكان، من دون أن تترتّب عليه عواقب. بل إنّ الإنسان نفسه يتحمّل مسؤوليّة أفعاله، وعليه أن يسعى لصياغة مصيره بالشكل الصحيح. ومن جهة أخرى، إذا أراد الله تعالى ـ بسبب هذه الأفعال الخاطئة وتجاوز الحدود ـ أن يُنزل العقوبة، فلا شيء يستطيع أن يمنع ذلك.
إذًا، هناك ثلاث حقائق ينبغي الالتفات إليها: الأولى أنّ عليك أن تعرف مسؤوليّتك، والثانية أنّ احتمال العقوبة قائم، أمّا الثالثة فهي أنّه قد وُكِّل بك حَفَظَة يحرسونك. غير أنّ هذه الحماية هي للناس العاديّين، لا للمجرمين.
وقد تحدّث المفسّرون تحت هذه الآية بأبحاثٍ كثيرة، كما وردت روايات متعدّدة في تفسيرها، نشير إلى بعضها. فقد قال الإمام الصادق عليه السلام: مَا مِنْ عَبْدٍ إِلَّا وَمَعَهُ مَلَكَانِ يَحْفَظَانِهِ، فَإِذَا جَاءَ الأَمْرُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَلَّيَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَمْرِ اللَّهِ[٢٤]
ونحن نُشاهد هذا المعنى بوضوح؛ فالطفل الرضيع منذ ولادته إلى أن يكبر يمرّ بمخاطر كثيرة. فلو غفل والداه لحظة واحدة، قد يُعرّض نفسه للمهالك؛ فقد يُحرق نفسه، أو يُصاب بجراح، أو يمسك سكينًا ويغرسه في عينه، وغير ذلك. ومع ذلك، كيف يكون أكثر الأطفال سالمين؟ إنّ هذا أمر يثير التساؤل فعلًا.
وكذلك نحن حين نسافر بالسيّارة؛ ففي الطريق تمرّ مئات السيّارات بجانبنا. يكفي أن يُخطئ أحد السائقين في قيادته ليقع حادث ونُصاب نحن بأذى. وبحساب الاحتمالات، فإنّ احتمال وصولنا سالمين إلى مقصدنا ضئيل جدًّا، ومع ذلك تُدفع عنّا أخطار كثيرة، وغالبًا ما نصل سالمين.
وأوضح من ذلك ما قد يكون كثيرٌ منكم قد جرّبه بنفسه؛ فقد يكون الإنسان يقود سيّارته، ثمّ يريد فجأة أن ينعطف إلى جهة أخرى من دون أن ينتبه إلى المرآة، وفجأة يرى سيارة تمرّ بمحاذاته من غير أن يقع تصادم. أو يكون السائق على الطريق فيغلبه النعاس أو يتشتّت انتباهه، فتنحرف السيارة نحو حافة الطريق، لكن قبل أن تخرج عنه تمامًا، يهتزّ فجأة وينتبه ويعود إلى المسار الصحيح. من أين تأتي هذه الأمور؟ أنا لا أريد أن أقول إنّ كلّ الحالات كذلك، لكن من المؤكّد أنّ نسبةً كبيرةً جدًّا من هذه السلامة ترجع إلى هذه الحماية التي نُحاط بها.
وجاء في حديثٍ آخر في هذا الباب عن أمير المؤمنين الإمام عليّ عليه السلام أنّه قال: إِنَّ مَعَ كُلِّ إِنْسَانٍ مَلَكَيْنِ يَحْفَظَانِهِ، فَإِذَا جَاءَ الْقَدَرُ خَلَّيَا بَيْنَهُ وَبَيْنَه[٢٥]
لكل إنسان ملكان يحفظانه، فإذا جاء قدر الله—مثل أن يُكتَب له الموت أو وقوع حادث—فإن هذين الملكين يتركانه، لأن كل شيء مُنسَّق ومنظَّم. عند وقوع القدر والقدر الإلهي، يترك الملكان العبد ليُنفَّذ القرار النهائي، فلا يُتوقع أن يكون وجود الملكين ضمانًا لعدم المرض أو الأذى أو الحوادث أو الموت، بل هذا النظام الطبيعي، مع احتمال وقوع أحداث استثنائية.
وفي حديث آخر في نهج البلاغة، عندما يتحدث أمير المؤمنين عليه السلام عن الملائكة وأصنافهم المختلفة، يقول:
«وَمِنْهُمُ الْحَفَظَةُ لِعِبَادِهِ»[٢٦]
وهذا يوضح، من المنظور القرآني والروائي، أن الله لا يضرّنا—نعوذ بالله من ذلك—ولا يتركنا، كما لا يمكن للأب الحنون أو الأم الحنونة أن يتركا ولدهما. الله جل وعلا أرحم منا جميعًا، لكنه حكيم، ويعرف مصالح الخلق ويدير شؤونهم بحكمة.
ويقول الإمام الباقر عليه السلام في تفسير الآية نفسها من سورة الرعد، إن هناك ملائكة يحفظون الإنسان بأمر الله من السقوط في حفرة أو انهيار جدار أو أي حادث آخر، حتى يأتي القدر المحتوم، عندها ينسحبون ويتركون الإنسان ليتعرض للأحداث. وقد ورد في الحديث تفاصيل إضافية، منها أن الملائكة المكلفين بحماية الإنسان يعملون بالتناوب: اثنان ليلاً واثنان نهارًا، بحيث تغطي حمايتهم احتياجات الإنسان المختلفة بحسب الوقت[٢٧].
وعلى هذا الأساس، يقول الإمام زين العابدين عليه السلام لله: “اللهم نحن لا نعلم أيّهما أكثر استحقاقًا للشكر: ما أعطيتنا أم ما أبقيت عنا؟” فنحن نشكر الله على ما لدينا، ولكن قد يكون علينا شكرٌ أكبر لما حفظنا الله من أذى وابتلاء وشرٍّ محتمل. فعندما ننجو من حادث أو مرض أو أذى محتمل، فإن الله قد أبعد عنا مئات المخاطر غير المرئية، وهذه نعم لا تُحصى.
الفاصل المعرفي عن الله
من الأمور المهمة التي يجدر الإشارة إليها هنا أن الله سبحانه وتعالى يعمل في هذا العالم بطريقة لا يُظهر بها وجوده أو تدخله بشكل كامل وواضح. بمعنى آخر، هناك فاصل معرفي بيننا وبين الله. من الناحية الوجودية لا يوجد أي فاصل؛ فالله حاضر في كل شيء. لكن من منظور المعرفة الإنسانية، يُبقي هذا الفاصل ليكون ساحة للاختبار والابتلاء، بحيث يكون من الممكن لمن أراد إنكار وجود الله أن يكون لديه مجال لذلك، خلافًا ليوم القيامة حيث يكون وجود الله وحكمه واضحًا جليًا. فإذا سألت أي إنسان آنذاك: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ﴾، سيجيب: ﴿لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ﴾[٢٨]، أي أن الحكم لله الواحد القهار.
أما في الدنيا، فيُخفي الله نفسه جزئيًا لكي يكتشفه الإنسان، فإذا أراد البحث عنه، يجده حاضرًا في كل مكان. وهذا ما عبّر عنه الإمام الحسين عليه السلام في دعاء عرفة قائلاً: مَتَی غِبْتَ حَتَّی تَحْتَاجَ إِلَی دَلِیلٍ
يعني: “أنت متى كنت غائبًا حتى نحتاج إلى دليل على وجودك؟” حتى لو حدثت المعجزات أمام من يرفض، فلن يقبل بالإيمان. ولكن الله يهيئ ظروف الاختبار والامتحان، وإلا فإن إرسال الملائكة لتلبية حاجات البشر مباشرة قد يؤدي إلى إيمان معظم الناس بلا اختبار حقيقي، وهذا يجعل الفائدة من الاختبار معدومة.
لذلك، يجب أن يكون هناك قدر كافٍ من الأدلة والبيّنات لإتمام الحجة، دون أن يكون التدخل الإلهي واضحًا جدًا بحيث يفقد الاختبار معناه لدى غالبية الناس. وهناك سبب آخر مرتبط بنظام العالم: إذا كان كل زلزال أو حادث يُعلن فورًا للناس، فإن ذلك قد يخل بالنظام ويولد الكسل والجهل. لهذا السبب، يسعى العلماء والأطباء لاستكشاف المخاطر والتنبؤ بها—لأن الحاجة هي أم الاختراعات.
ومن الملاحظ أن الحيوانات، التي لا تملك العلم أو التقنية للدفاع عن نفسها، تُنبه مبكرًا؛ فمثلاً عندما يقترب زلزال، تستشعر الحيوانات الخطر وتهرب. وهي ليست موضع امتحان، ولذلك لا تحتاج لتطور التكنولوجيا، فيبادر الله إلى تنبيهها. وهناك قصة مشهورة عن خواجه نصيرالدين الطوسي، حيث لاحظ چوپان تصرف كلبه للتنبؤ بالمطر قبل أن يراه نصيرالدين بعلم الفلك. يُظهر هذا أن غريزة الحيوانات، التي لا تُعنى بالابتلاء، أحيانًا تتفوق على المعرفة العلمية للإنسان.
لو نظرنا إلى الإنسان بين جميع الكائنات، نجد أن غرائزه ومشاعره ضعيفة نسبيًا مقارنة بالحيوانات؛ فكل حيوان يستطيع الاعتناء بصغاره بسرعة بعد الولادة، بينما الإنسان يحتاج وقتًا أطول ليصبح قادرًا على الاعتماد على نفسه. كل ذلك جزء من نظام حكيم كامل وضعه الله سبحانه وتعالى، بحيث يكون حاضرًا في كل شيء دون أن يفرض نفسه.
لذلك، فإن مفهوم «دافع البلايا» هو مفهوم إسلامي وقرآني عميق الجذور يجب أن نحافظ على إدراكه دائمًا في فهمنا للتدبير الإلهي.
المصادر:
[١] سورة غافر آية ٦٠.
[٢] سورة النساء آية ١٤٥.
[٣] ابن أبي جمهور، محمد بن زين الدين، عوَالي اللآلئ العزيزيّة في الأحاديث الدينيّة، ج ١، ص ٦٧.
[٤] سورة يوسف آية ١٠٦.
[٥] سورة الزمر آية ٥٣.
[٦] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج ٢، ص ٣٥٢.
[٧] جزء من مناجاة التائبين.
[٨] سورة البقرة آية ٢٢٢.
[٩] الشريف الرضي، محمد بن حسين، نهج البلاغة (لصبحي الصالح)، حكمة ٤١٧، ص ٥٤٩. النص الأصلي: «الاستغفار درجة العليين».
[١٠] سورة طه آية ٤٥.
[١١] نفس الآية ٤٦.
[١٢] نفس الآية ٤٧.
[١٣] سورة الطارق آية ٩.
[١٤] ابن شعبه الحراني، حسن بن علي، تحف العقول، ص ٢٤٥.
[١٥] الدیلمی، حسن بن محمد، إرشاد القلوب إلى الصواب، ج ١، ص ١١٧.
[١٦] المفید، محمد بن محمد، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، ج ٢، ص ١١٦. النص الأصلي: «وَعُرِضَ عَلَيْهِ عَلِيّ بْنُ الْحُسَيْنِ عليه السلام فَقَالَ: لَهُ مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: أَنَا عَلِيّ بْنُ الْحُسَيْنِ. فَقَالَ: أَلَيْسَ قَدْ قَتَلَ الله عَلِيّ بْنَ الْحُسَيْنِ؟ فَقَالَ لَهُ عَلِيّ عليه السلام: قَدْ كَانَ لِي أَخ يُسَمَّى عَلِيًّا قَتَلَهُ النّاس. فَقَالَ لَهُ ابْنُ زِيَادٍ: بَلِ اللَّهُ قَتَلَهُ. فَقَالَ عَلِيّ بْنُ الْحُسَيْنِ عليه السلام: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ (الزمر:٤٢)».
[١٧] سورة النساء آية ٧٩.
[١٨] نفس الآية.
[١٩] سورة الروم آية ٤١.
[٢٠] «يا من أرجو منه كل خير وأستعيذ من غضبه في كل شر».
[٢١] سورة الحج آية ٣٨.
[٢٢] سورة الرعد آية ١١.
[٢٣] سورة الرعد آية ١١.
[٢٤] العياشي، محمد بن مسعود، تفسير العياشي، ج ٢، ص ٢٠٥.
[٢٥] شرح الرضي، نهج البلاغة (لصبحي الصالح)، ص ٥٠٥.
[٢٦] الشريف الرضي، محمد بن حسين، نهج البلاغة (لصبحي الصالح)، ص ٤١.
[٢٧] القمي، علي بن إبراهيم، تفسير القمي، ج ١، ص ٣٦٠.
[٢٨] سورة غافر آية ١٦.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





