انتهى بنا الكلام إلى هذا المقطع الشريف من الدعاء وهو: يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ، يَا خَيْرَ الْفَاتِحِينَ، يَا خَيْرَ النَّاصِرِينَ، يَا خَيْرَ الْحَاكِمِينَ، يَا خَيْرَ الرَّازِقِينَ، يَا خَيْرَ الْوَارِثِينَ، يَا خَيْرَ الْحَامِدِينَ، يَا خَيْرَ الذَّاكِرِينَ، يَا خَيْرَ الْمُنْزِلِينَ، يَا خَيْرَ الْمُحْسِنِينَ
الله تعالى لا يملك فقط جميع الكمالات والفضائل والحسنات، بل هو المصدر اللامتناهي لكل واحدة منها. فكل ما نراه في عالم الطبيعة أو الملك هو مجرد نزول من خزائن الله بمقدار محدد. قال الله تعالى في آية مهمة جدًا:
﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾[١]
خزائن كل شيء عند الله
كل خير موجود – من علم وحكمة ونور ومحبة وشفاء ورزق وضعف – ينبع من العالم الأعلى ويُنزَّل إلى العالم السفلي بمقدار محدد. فالعالم المخلوق عالم المقادير:
﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾[٢]
كل شيء خلق بمقدار وحساب. لا يزيد عن ما ينبغي، ولا ينقص عن قدره المحدد. وما يجب إدراكه هو أمران: أولًا، الخزائن اللامتناهية كلها عند الله تعالى؛ ثانيًا، عندما ينزل شيء إلى العالم السفلي، لا ينقص شيء من العالم الأعلى. كما لو انعكس صورتك في مرآة، لا ينقص منك شيء. حتى لو انعكست في مئة مرآة، لا فرق، أو لو ألقى أحدك خطابًا يسمعه شخص واحد أو ألف شخص، لا ينقص منك شيء
كل ما ينزل من عالم العلو إلى عالم السفلي لا يقلل منه شيئًا، بل يُنشر ويُعرض هناك. كل الخيرات هناك، وفي كل شيء، هو الأفضل، وهو البادئ والمصدر اللامتناهي. كل شيء موجود منه، وهو المطلق والكامل والخالي من العيوب، وفي كل فضيلة ومقدار هو المصدر الأول اللانهائي
مع هذه التوضيحات، انظر إلى هذا المقطع بعناية، فهو يعكس الهندسة الرحمانية للغفران الإلهي وكيفية أن كل خير مستمد من خزان الله اللامتناهي.
يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ
أيها الأفضل بين جميع البارّين والمغفِرين، أيها الأكثر إحسانًا بين الذين يغفرون ويعفون. لقد تناولنا سابقًا الحديث عن المغفرة وقبول التوبة، لكن هذه المسألة بالغة الأهمية بحيث ينبغي التكرار في تناولها بأساليب مختلفة ومن زوايا متعددة وتعبيرات متنوعة. لهذا السبب، يكرّر ذكرها في دعاء جوشن كبير عدة مرات.
نية الخير تُجازى، ونية الشر لا تُعاقب
للمغفرة والرحمة الإلهية أبعاد واسعة. أحد أبعاد المغفرة مرتبط بالنية. أولًا، من ينوّي فعل سيء لا يُعاقب عادةً. على سبيل المثال، من ينوّي ارتكاب معصية أو حضور مجلس محرم، ولكن لم يتحقق هذا الفعل، فالنية وحدها—رغم أنها تعكس الجرأة على مخالفة أمر الله حسب تعابير العلماء—لا تُفضي عادةً إلى عقاب. أما من ينوّي الخير، فحتى لو لم يُتم الفعل، يُجازى على نيته. فمثلاً، من أراد أداء صلاة جماعية ولم يستطع الخروج من البيت، أو من تمنّى حضور مجالس الدعاء ومراسم أهل البيت ليلاً، فإن الله يُثيب نيته. إذًا نية الشر لا تُعاقب، بينما نية الخير—even إذا لم تتحقق—تُثاب.
العمل السيء يُعاقب، والعمل الصالح يُضاعف أجره
من ينوّي فعلًا ويستطيع إتمامه، إذا كان سيئًا يُعاقب بعقاب مماثل، أما إذا كان خيرًا، فيُضاعف أجره عشر مرات على الأقل:
﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا یُجْزَی إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لایُظْلَمُونَ﴾
فمن لم يفلح في إتمام العمل يُثاب على نيته فقط، بينما من أتم العمل الخيري ينال أجرًا مضاعفًا. وقد يصل أجر بعض الأعمال الصالحة إلى سبعمئة ضعف، كما في قوله تعالى:
﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ، فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِاْئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾
فالذي ينفق، كزرع حبة غلة، يخرج منها سبع سنابل، في كل سنبلة مئة حبة، فتصل إلى سبعمئة، والله يضاعف لمن يشاء، وقد يصل الأجر إلى 1400 أو 2100 مرة.
الخير مؤكد الجزاء، والسيء قد يُغفر
الله تعالى يثيب العمل الصالح مؤكدًا، أما العمل السيء فقد يغفره. في علم الكلام، هناك نقاش حول «الوعد والوعيد»: بعض المتكلمين، كالمعتزلة، يرون وجوب وفاء الله بكل وعد سواء بالخير أو الشر. أما الشيعة وبعض الفلاسفة، فيرون أن وفاء الله بوعد الخير ضروري، أما وفاءه بالوعيد فليس حتميًا، فيجوز أن يغفر الله الذنوب أو لا يعاقب على بعض السيئات.
قال تعالى:
﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾
فالابتعاد عن الكبائر يكفر الله به الصغائر، سواء تاب المرء أم لم يتب. وإن تاب من الكبائر، غُفرت له، وحتى الشرك إذا تاب المسلم المخلص، يُغفر، أما الشر العام فممكن أن يُغفر أو لا يُعاقب إلا في حالات الشرك الأعظم:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾
فالشرك خطأ جوهري كبير، بينما ما دون ذلك يُغفر لمن يشاء.
هذه هي رحمة الله التي تتجلى في الدعاء
الله يثيب الحسنات أضعافًا، ويغفر السيئات الصغرى، وقد يغفر الكبائر مع التوبة. لذلك من المناسب جدًا أن نرفع الدعاء إليه قائلين: «يَا خَيْرَ الْغَافِرِينَ»
أي أفضل الغافرين، الأرحم بالعفو، والأكثر إحسانًا في المغفرة.
أبعاد المغفرة الإلهية
للمغفرة أو العفو الإلهي صور ومستويات متعددة. يبدو أن هناك أربعة أنواع من العفو، وإذا أردنا شرحها بشكل هرمي وعمودي، فإنها تكون كالآتي:
١. العفو البسيط
المرحلة الأولى هي مجرد المغفرة: أي أن الله يغفر الذنب. مثل شخص ارتكب جريمة غير عمدية وذهب إلى السجن. إذا تصرّف أثناء فترة سجنه بشكل حسن، يُعفى عنه ويُغفر له. ومع ذلك، عند خروجه، يبقى السجل الجنائي موجودًا، أي أن له سوابق، لكنه مغفور له.
٢. تكفير السيئات
هناك مستوى أعمق من العفو، وهو العفو مع تكفير السيئات، أي أن الذنب يُغفر ويُغطى تمامًا. من شعر بندم شديد على معاصيه، يغفر الله له خطاياه ويُخفيها، كأن السجلات موجودة لكن الجزء المتعلق بالجرائم مُغطّى بالتصحيح أو الحبر، فلا يُعرف ما ارتُكب. يوم القيامة، عندما يقف الإنسان بين النبياء والأولياء والأصدقاء والأعداء، مجرد الغفران وحده قد لا يكفي، بل يجب حماية كرامته وسمعته. لذلك نطلب من الله تكفير السيئات.
٣. محو السيئات
المستوى الأعلى هو المحو التام للسيئات، أي إزالة آثارها بالكامل. مثال ذلك، إذا كان لدى شخص سجل جنائي ويقدمه للعمل، وجزء منه مُغطّى، فربما يعرف الطرف الآخر أن هناك شيئًا ما لكنه لا يعرف التفاصيل. أما في المحو، فلا يُعرف أي أثر، ولا يبقى أي دليل على الذنب، فتكون السيئات قد أُزيلت تمامًا.
٤. تحويل السيئة إلى حسنة
أعلى مستوى هو تحويل السيئة إلى حسنة. المحو التام جيد، لكنه قد يترك شعورًا بالندم على ما أُضاع من وقت أو طاقات، فالشخص قد يقول: “خمس سنوات من حياتي ضاعت فيما لا ينفع، كنت أستطيع حضور المجالس الروحية وفعل الخير للآخرين، لكني أضعت الوقت مع أصدقاء ضارين وفعلت مخالفات.” هنا يرفع الله الأمر خطوة أعلى، فيحوّل الذنوب إلى حسنات، فيصبح كل ما فُقد من الأعمال الصالحة قد تعوّض بالكامل:
﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾
فإذا تاب الإنسان وآمن وعمل صالحًا، لا يغفر له الله فحسب، ولا يغطّي ذنوبه فحسب، ولا يمحو آثارها من سجله فحسب، بل يحوّل السيئات إلى حسنات، فيُعوَّض كل ما فاته، وتصبح الخسائر السابقة بالكامل محل مكافأة.
هذه هي حقيقة أن مع الله لا وجود للمستحيل أو للطرق المسدودة.
تحويل السيئة إلى حسنات مضاعفة
هناك مرحلة أعلى من ذلك، كما ورد في دعاء الإمام السجاد عليه السلام:
﴿يَا مُبَدِّلَ السَّيِّئَاتِ بِأَضْعَافِهَا مِنَ الْحَسَنَاتِ﴾
الشخص الذي غُفرت ذنوبه وحوّلت إلى حسنات قد يشعر أحيانًا بالأسى ويقول لله: “اللهم لقد حوّلت سيئتي إلى حسنة، ولكن لو كنت قد عملت الحسنة مباشرة، لكانت أضعافًا مضاعفة!” فيجيب الله: “اكتب له عن كل سيئة عشرة حسنات.” مثلًا: من كان قد راهن بجنيه واحد، تتحوّل هذه السيئة إلى عشر جنيهات صدقة. عجيب أمر الله! من في هذا العالم – حتى آباؤنا وأمهاتنا ربما – لا أحد يغفر السيئة بهذه الطريقة، ولا يغضب، ولا يظهِرها لنا، بل يجعل السيئة حسنات مضاعفة ويعطي المكافأة عليها. لا أحد يستطيع فعل ذلك إلا الله تعالى. لذلك عندما نقول: «خَيْرُ الْغَافِرِينَ»، فالمسألة عميقة جدًا ومدروسة بعناية.
غفران ذريّة المؤمنين
جانب آخر من رحمة الله ومغفرته أن الله قد يغفر لأفراد الأسرة بسبب واحد منهم. هذا الأمر وارد في القرآن الكريم وتفصّله الروايات. يقول الله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُم ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّنْ شَيْءٍ﴾
أي: “الذين آمنوا واتبعهم ذرِّيّتهم بإيمان، نلحق ذريّتهم بهم، ولا نُنقص من أعمالهم شيئًا.” التتبع هنا لا يعني التقليد الأعمى، بل يعني أن ذريتهم اتّبعت طريق الإيمان، وإن لم تبلغ مستوى تقوى الآباء. لو حسبت بحسب أعمالهم فقط، لما استطاعوا الوصول إلى مرتبة آبائهم، لكن الله تعالى يرفع شأنهم ليكونوا معهم في الجنة، دون أن يُنقص من أجر الآباء.
ويشرح الإمام الصادق عليه السلام هذا المعنى:
«قَصَرَتِ الأَبْنَاءُ عَنْ عَمَلِ الآبَاءِ فَأَلْحَقُوا الأَبْنَاءَ بِالآبَاءِ لِتَقَرَّ بِذَلِكَ أَعْیُنُهُمْ»
هذه الرحمة لا تقتصر على الذرية المباشرة، بل تشمل الآباء والأمهات والزوجة أيضًا. فقد ورد في حديث عن النبي ﷺ:
«إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ الْجَنَّةَ سَأَلَ عَنْ أَبَوَيْهِ وَزَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ فَيُقَالُ إِنَّهُمْ لَمْ يَبْلُغُوا دَرَجَتَكَ وَعَمَلَكَ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ قَدْ عَمِلْتُ لِي وَلَهُمْ فَيُؤْمَرُ بِإِلْحَاقِهِمْ بِهِ»
أي: عندما يدخل المؤمن الجنة، ويسأل عن أبويه وزوجته وأولاده، يُقال له إنهم لم يبلغوا درجته وأعماله، فيقول: “ربِّي كل ما عملت كان لهم ولي”، فيُؤمر بإلحاقهم به في الجنة.
المؤمن في الدنيا والآخرة يهتم بالآخرين، ويحرص علىهم. القرآن يوضح أن المؤمن لا يهرب من الآخرين يوم القيامة، بل يكون حريصًا علىهم: ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾
أي: يوم القيامة يصبح بعض الناس أعداء إلا المتقين، فالصدق والوفاء بين المتقين يظل قائمًا، ويحرص كل منهم على الخير للآخر، ويسعى لنفعه قدر المستطاع.
لذلك، ترى مدى لطف الله العظيم: بسبب فرد واحد، يمكن أن تُنعم الرحمة على جميع أفراد أسرته، بشرط أن يكون لهم على الأقل مستوى من الإيمان. كما جاء: ﴿اتَّبَعَتْهُم ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾
أي: الإيمان الأساسي موجود، فيُستحق هذا العطف الإلهي.
شهادة أربعين مؤمنًا
الله تعالى، مع أنه أعلم بالناس من أنفسهم وأعرف بخطاياهم أكثر من أي أحد، أحيانًا يتجاوز علمه ويصفح عن شخص بفضل كلام عباده. ماذا يعني ذلك؟ سأوضّح بالمثال:
ورد في حديث عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه إذا توفي مؤمن، وحضر أربعون شخصًا صلاته وقالوا في صلاتهم: «ما رأينا منه إلا خيرًا»، يغفر الله له مع أنّه يعلم أمورًا لا يعلمونها هم.[١٦]
هذا يظهر أن الله دائمًا يبحث عن مبرر للرحمة. فإذا حاولنا أن نكون كاملين في أعمالنا، لكان ذلك صعبًا جدًا. تخيل أن يكون هناك مراقب يسجّل كل أفعالنا صباحًا ومساءً، كل شيء إيجابي وسلبي، سيكون من الصعب جدًا الإيفاء بكل الحساب. فكيف بالله الذي يعلم الظاهر والباطن والنوايا! لذا نلجأ في الأدعية إلى الله ونسأله أن يعاملنا بفضله لا بعدله الصارم.
في رواية أخرى، قال الإمام الصادق عليه السلام لأحد الشيعة: “لماذا يشتكي منك أخوك؟” قال: “لأنني أخذت حقي كله منه.” فجلس الإمام وقال: “ألم تكن تعدّه ظلمًا لو أخذت كل حقك منه؟”
وهذا ما يسمى سوء الحساب: أن يطالب الإنسان بالحق كله من الآخر دون رحمة، كما لو كان الله يحاسبنا على كل ذرة حق مستحق علينا بدقة مطلقة.[١٧]
إذن، لو كان الله يتعامل معنا حسب استحقاقنا وعدله الصارم، لكان الأمر عسيرًا جدًا، بل ربما مستحيلًا. لكن الله – بعظيم فضله – يسهل علينا. يضع أمامنا طريق الرحمة: “إذا رضِي أربعون مؤمنًا عنك، أنا راضٍ.”
لكن، يشترط ألا يكون هناك من يلعن أو يسيء، وإلا فلا يكفي الرضا من الأربعين فقط. ولهذا نقول في صلاة الجنازة: «لا نعلم منه إلا خيرًا».
ومعنى ذلك: إذا اجتهدت في حياتك الاجتماعية، وحافظت على نفسك من الظلم، ولم تخرق الحرمات، ولم تظلم أحدًا، فحتى لو ارتكبت بعض الأخطاء أو الغيبة أو فوتت بعض الفرائض، فإن الذين يعرفونك سيشهدون بأنك متدين، مؤدب، أمين، لا متهاون في الحقوق والواجبات. إذا استطعت أن تكون بهذه الدرجة من السلوك الحسن، يغفر الله الباقي.
الشريعة تعلمنا ألا نكون متشددين، وإلا يصبح التعامل صعبًا للغاية. فلا يستطيع أحد أن يقول عن أبيه أو جاره: “لم أر منه شرًا مطلقًا”. حتى في صلاة الجنازة، أربعون شخصًا فقط يشهدون للميت بالخير. ولو كان هناك شيء سلبي، فهو يُغفل الآن تحت ما يُشبه “السجادة”، ويقال: «لا نعلم منه إلا خيرًا».
كما يقول أمير المؤمنين عليه السلام: «إنكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بالورع والاجتهاد والعفة والسداد»»[١٨]
أي: لا يُتوقع منكم أن تعيشوا كما يعيش الزاهد المطلق، لكن اعملوا على ما تستطيعون من الورع، والاجتهاد، والعفة، والسداد. إذا لم تستطيعوا الزهد الكامل، فالتزموا على الأقل بالابتعاد عن الحرام. الزهد الحقيقي أن تتجاوز حتى الحلال، أما أن تتجنب الحرام فهذا الحد الأدنى.
كما القائد في الفريق الرياضي يقول للاعبيه: “أنا أكثر خبرة، لكن نلعب كفريق، فساعدوني بما تستطيعون.” نحن أيضًا، نحتاج إلى تعاونكم وجهودكم، ليكتمل عمل الرحمة والمغفرة في حياتنا.
یَا خَیْرَ الْفَاتِحِینَ
أصل كلمة «فتح» يعني الإزالة والفتح. وهذه الكلمة ذات أهمية كبيرة جدًا. «الفاتح» و«الفتاح» هما من أسماء الله تعالى المشتقة من هذا الأصل. يقول الراغب في كتابه المفردات، وهو من أهم كتب لغات القرآن، إن الفتح يعني إزالة التعقيد والصعوبة.
أحيانًا يكون هذا الفتح محسوسًا بالعين، مثل فتح قفل أو باب مغلق. وأحيانًا يكون معنويًا لا يُرى بالعين، مثل أن يُفرج عن شخص مكروب أو يُرفع عنه همّه. وأحيانًا يكون فتحًا في العلم واكتشاف الأسرار العلمية، فالكشف عن هذه الأسرار نوع من الفتح أيضًا.[١٩]
وكثيرًا ما يُستعمل الفتح بمعنى النصر:
﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾[٢٠]
في هذه الآية، أخبر الله تعالى النبي ﷺ أنه أجرى له فتحًا واضحًا. والفَتوحات كما يُقال هي النجاحات والانتصارات، مثل فتوحات صدر الإسلام.[٢١]
ومن القصص الجميلة في هذا السياق: يُروى أن نادر شاه أثناء سيره مع جيشه نحو ساحة المعركة مر بقُصبة ورأى صبيًّا اسمه نصر الله. فسرّ لذلك كثيرًا واعتبره فألًا حسنًا. سأله عن وجهته فقال: إلى المدرسة، وسأله عن ما يقرأ هناك فقال: القرآن، تحديدًا سورة الفتح: «إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا». فرح نادر شاه جدًا وأمر بإهدائه قطعة ذهبية. لكن الطفل بدأ يبكي، فاستغرب شاه وسأله: لماذا تبكي؟ فقال الصبي: إذا أخذت الذهبة إلى البيت ستظن أمي أنني سرقتها وتؤدبني. فقال شاه: قل لأمك إن نادر شاه أعطاك إياها، فرد الطفل: سأقول، لكنها لن تصدق. عندها ضحك شاه وأعطاه كيسًا كاملًا من الذهب.[٢٢]
والفتح أو النصر غالبًا ما يتحقق بعد الشدة والمصاعب، عندما تغلق الطرق، وتتراكم المشكلات، ويكاد الإنسان ييأس، يأتي الفتح فجأة. النصر لا يأتي عادة في حالة الراحة، بل بعد الضغط والصراع. لذلك يُسمّى النصر «فتحًا»، لأنه يخلق انفتاحًا وفرصًا جديدة، ويزيل الأعداء والتحديات أو يقللها.
والعرفاء يستخدمون «الفتح» أيضًا للنجاحات الروحية. فابن عربي سمّى كتابه الفتوحات المكية لما حدث له من مكاشفات وإلهامات في مكة، وهي انفتاحات معنوية عميقة.
وأحيانًا يُستعمل الفتح بمعنى التحكيم والفصل بين الناس عند النزاعات، لأنه يزيل العقدة ويحدث الانفراج، ومن هنا يكون «فاتح» أو «فتاح» بمعنى الحكم أيضًا. في القرآن:
﴿قُلْ يَجْمَعُ بَیْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ یَفْتَحُ بَیْنَنَا بِالْحَقِّ وَ هُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيم﴾[٢٢]
وأحيانًا يكون الفتح بمعنى التيسير والانفراج، عندما تضيق الحياة على الإنسان، فيصبح الطريق أمامه مغلقًا، ويأتي الفرج من الله، هنا يحدث الفتح الحقيقي. ومن الأذكار الموصى بها في كتب الأخلاق: ذكر “يا فتاح”، فإذا كرره الإنسان، إن شاء الله، يساعده الله على انفتاح مشاكله وتحقيق الفرج.
فاللّه تعالى هو خير الفاتحين، فهو الذي يفتح للعبد ما أغلق، وييسر له ما عسر، ويجعل النصر والانفراج في حياته ميسورًا بقدرته وعظيم فضله.
يَا خَيْرَ النَّاصِرِينَ
أصل كلمة «نصر» في اللغة يعني المساعدة والدعم، وإذا أريد بها النصر فهي كذلك، لأن أي مساعدة من الله لا بد أن تتبعها نجاح وتيسير:
﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ﴾[٢٣]
النصر الإلهي قد يكون قبل الفتح، ليعيننا على الصبر والتحمل، وقد يكون أثناء الفتح ليقودنا إلى الانتصار، وقد يكون بعد الفتح، لنستعيد ما خربته الصعوبات، ونبني روحنا، ونعوّض ما فاتنا من تعب أو خسارة. النصر مطلوب دائمًا: قبل الفتح، ومع الفتح، وبعد الفتح. فلا يُستغنى عن نصرة الله، فبدونها تتراكم المشكلات وتثقل كاهل الإنسان، وقد تضعفه إن لم يقدر على الصمود.
نسميه «خير النصّارين» لأن غير الله، من البشر، إن هم ناصرون، أولًا ليس لهم القدرة الحقيقية، فكل القوة من الله، وثانيًا قدرتهم محدودة. فكم يستطيعون أن ينصروا الإنسان؟ قد يمرض إنسان، وأفضل الأطباء والمستشفيات عاجزة عن إنقاذه، أو تأتي مشكلات روحية، أخلاقية، عائلية، أو تتعلق بالسمعة، فلا أحد يستطيع أن يقدم شيئًا. نعم، يمكن للآخرين أن يظهروا تعاطفهم، لكن من يستطيع أن ينصر حقًّا ويكمل الأمر فهو الله تعالى وحده.
لهذا، النصر مع أن معناه المساعد، فهو أيضًا يعني النجاح والانتصار، لأن أي نصرة من الله تتبعها نجاحات وتحقيق أهداف. ما لم نتسبب نحن في فقدان هذا النصر، فالفضل كله من الله.
يَا خَيْرَ الْحَاكِمِينَ
كلمة «حاكم» قد تعني من يحكم بالعدل أو من يمارس السلطة، وكلا المعنيين صحيح.
الله تعالى أفضل القضاة لأنه لا يحابي أحدًا، ولا يميل بغضًا أو حبًا، ولا يسعى لمصلحة شخصية، ويملك العلم والحكمة والتجربة المطلوبين في كل قضاء عادل. كل ما يلزم في الحكم الصحيح موجود فيه بكماله، لذلك هو خير الحاكمين.
كما أنه أفضل الحاكمين في السلطة، فالمحكومون عنده يطمئنون أن حكمه ليس مبنيًا على شهوات، ولا على الجهل أو القصور، ولا على التعصب أو العصبية القبلية أو الطائفية. الحكم الإلهي هو حكم رحمة وعلم وحكمة، كما هو الكتاب الإلهي كتاب رحمة وعلم وحكمة، والنبي ﷺ رسول رحمة وعلم وحكمة. كل ما هو إلهي يتصف بهذه الصفات.
الله تعالى أحكم الحاكمين، ومهيمن على أمره كامل الهيمنة. قد يظن بعض الناس أن الله يغض الطرف عن السيئات لصبره، فيستغل بعض الظالمين هذا، لكن يجب أن يعلموا أن الله صبور وحليم، وفي الوقت نفسه متقن لكل الأمور. والله لا يتعجل، لكنه إذا اقتضت الحكمة أن يعاقب، فهو عندها أشد المعاقبين في مقام العقاب والانتقام[٢٥]، فلا يقدر أحد أن يقاربه، لكنه يمنح الفرصة ويصبر حتى أقصى حد ممكن.
يَا خَيْرَ الرَّازِقِينَ
الله تعالى هو الضامن لرزق جميع خلقه: ﴿وَ مَا مِن دَابَّةٍ فیِ الأَرْضِ إِلّا عَلیَ اللَّهِ رِزْقُهَا﴾[٢٦]
لا يوجد أي مخلوق على وجه الأرض إلا وقد كتب الله رزقه، ومع ذلك نحن البشر نعيق الأمور بأنفسنا. الرزق متوفر للجميع، لكن إذا ظلم بعض الناس غيرهم أو منعوا حقوقهم، أو دُمرت موارد الأرض، فهذا ليس تقصيرًا من الله، بل فعل البشر الظالمين. نظام الخلق مضبوط بحيث يكفي الجميع، لكن الإنسان هو الذي يعيق وصول الرزق.
رزق الطبيب
الرزق يأتي من الله، ويجب أن يكون حلالًا طيبًا ونافعًا. لا يعني أن ما في جيبك أو بيتك رزقك، بل الرزق هو ما أقرّه الله من حلال. فقد ورد أن أمير المؤمنين ﷺ سلم أحد الخدم لإمساك فرسه، فلما عاد الخادم وجد أن الفرَس قد سُرق، والمال الذي دفعه لشراء الأصفاد كان مقابل رزق حلال. فقال الإمام: «ما يجعل العبد رزقًا حلالًا محرّمًا إلا عجله وصبره على رزقه»[٢٧]. فالصبر والاحتياط في الأخذ من الرزق يجلب البركة والرزق الإلهي.
تغذية الروح
الرزق ليس للجسد فقط، بل للروح أيضًا. الروح تحتاج للطعام، وهذا الطعام الروحي يشمل:
- العلم والحكمة: فعندما تعب القلب كما يتعب البدن، يُغذّى بالمعرفة والإلهام ليجد حيويته ونشاطه[٢٨].
- المحبة والذكر: الحب ينعش الروح، والذكر يرفعها إلى مراتب أسمى. فالملائكة تتغذى بالذكر، وكلما ذكر الإنسان الله عزّ وجلّ، فهو يغذّي روحه بما يغذي الملائكة[٢٩].
الرزق في الآخرة
الرزق يمتد إلى ما بعد الموت. في القرآن الكريم:
﴿أَحْیَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ یُرْزَقُون﴾[٣٠]
هذا لا يختص بالشهداء فقط، بل يشمل جميع الخلق بعد الموت. الشهداء خصائصهم أنهم في حضرة ربهم ويُرزقون هناك، لكن كل روح تبقى حية عند الله، يتلقّى رزقها سواء كان جسديًا أو روحيًا، في الدنيا أو الآخرة. الله تعالى هو أفضل الرّازقين، يعطي أفضل ما للبدن، وللروح، وللآخرة، بلا منّة علينا.
يَا خَيْرَ الْوَارِثِينَ
من أهم ما يشغل بال كثيرين هو: بعد موتي، هل يبقى لي نسلٌ وذرية؟ هل تبقى ذكرياتي وسمعتي؟ هل يقول الناس لي: “رحمه الله”؟ إذا كان أحدهم قد تعب وبنى حديقة، فهو يقلق: ماذا سيحدث لهذه الحديقة؟ هل ستُحفظ أم تُهمل؟ وإذا بنى مسجدًا أو مدرسة، أو كتب كتابًا، أو أسس مدرسة علمية، فهو يتساءل: من سيهتم بهذه الأمور ويستلمها ويحافظ عليها؟ هذا شعور طبيعي.
حتى نبي الله زكريا عليه السلام في دعائه يقول: “اللَّهُمّ ارزقني بذرية ترثني وترث من آل يعقوب” ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾[31]، أي ليصل ميراثي وميراث آل يعقوب إلى ذريتي ويحافظ عليه. بقاء المال بعد وفاة الإنسان وتملكه من قبل الآخرين أمر مهم، لكن في الحقيقة الإرث المادي ليس هو الأهم؛ فالإسلام ينص على أن الإنسان يمكنه أن يوصي فقط بثلث ماله، والباقي يُوزع حسب أحكام الشريعة بعد وفاته. أما الإرث المعنوي فهو أعظم، أي الجهد الذي بذله الإنسان لتثبيت شيء أو إنجازه.
الخلاصة: وجود أبناء صالحين وذرية صالحة وعائلة تقود مساره بعده أمر جيد، لكنه قد يستمر لجيل أو اثنين فقط، ولا يُعرف كم سيستمر. أما أفضل وارث فهو الله تعالى، فهو إذا استلم شيئًا منا لا يحتفظ به فقط، بل يحفظه بأمانة ويحسن صيانته، ويزيده ويعيده إلينا عند حاجتنا له. حتى الصدقات هكذا: الله لا يحفظها فقط، بل يضاعفها. أنت تساعد شخصًا فيساعد آخرين، وهكذا يستمر الخير بإذن الله. لذلك، الله هو أفضل وارث.
يَا خَيْرَ الْحَامِدِينَ يَا خَيْرَ الذَّاكِرِينَ
الله سبحانه وتعالى ليس فقط أفضل من يُحمد، بل هو أيضًا أفضل من يحمده. كما أن الله لا ينسى عباده ولا يتجاهل إحسانهم، بل هو وفِيّ جدًا، شاكِر جدًا، حتى أنه يذكرهم للآخرين باستمرار ويعرض فضلهم بين الناس.
الله الشاكر
من صفات الله الشاكر، وصف آخر هو الشكور؛ أي الأكثر شكرًا. له قدر عظيم من الحب واللطف، بحيث كل ما هو طيب وخالص وصالح لا يقبله فحسب، بل يشكر عليه أيضًا. الآن، ماذا نفعل نحن حتى يريد الله أن يشكرنا؟ أولاً، أي عمل نقوم به، نحن نستخدم من خلاله ما وهبنا الله من القدرة والقوة، ومع ذلك هو يشكرنا. مثل طفل تعلم المشي حديثًا، يريد أن يقلد أعمال والديه؛ فمثلاً بعد أن أكلوا يريد أن ينظف المائدة. هذا الطفل يريد أن يحمل الصحون والكؤوس، مع أنه بدأ يمشي للتو، وكل خطوة قد يسقط فيها. حتى أنه يريد أن يحمل صحونه التي أكل منها. الآباء يرافقونه ويحرصون ألا يسقط، يتحركون بجانبه شيئًا فشيئًا، يساعدونه حتى يصل بالصحون إلى المطبخ، وعندما يصل، يشجعونه، يقولون له “أحسنت!” ويقبلونه. الطفل يشعر بالسعادة ويظن أنه أنجز عملًا عظيمًا، قام بخدمة كبيرة، وأصبح كبيرًا بنفسه.
أعمالنا مثل ذلك
أعمالنا كذلك، ماذا يمكننا أن نفعل لله؟ ماذا يمكننا أن نفعل للناس؟ ومع ذلك، الله العظيم لا ينظر إلى أعمالنا الصغيرة من منظاره على أنها صغيرة، بل ينظر إليها بعيننا نحن، مثل الطفل الذي يشجعه والديه لأنه من وجهة نظره قد أنجز شيئًا كبيرًا. الله سبحانه وتعالى ينظر إلى أعمالنا من وجهة نظرنا ويشكرنا ويثيبنا. يقول: “إِن تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ” ﴿٣٢﴾؛ إذا نصرتم الله، ينصركم الله أيضًا. فمن نحن لننصر الله؟ وأيضًا يقول في موضع آخر: “مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا” ﴿٣٣﴾؛ من نحن لنقرض الله قرضًا حسنًا؟ ومع ذلك، هو الشكور جدًا، يشكر حتى على أعمالنا الصغيرة.
مودة الله لعباده
انظروا كيف يكرم الله عباده الصالحين في الدنيا، كيف يوجه القلوب نحوهم، ويحيي ذكراهم. انظروا كم عظّم الله إبراهيم عليه السلام، هذا الخليل العظيم. لقد أعطاه من العظمة بحيث أن معظم أعمال الحج التي نقوم بها اليوم هي نوع من إعادة خلق الأعمال التي قام بها إبراهيم. نحن نحتذي به في الرمي والطواف، والسعي بين الصفا والمروة الذي نقوم به هو تقليد لما قامت به زوجة إبراهيم. انظروا كم مدح الله إبراهيم، وكم ذكر موسى، وكم ذكر عيسى، وكم ذكر نوح، وكم ذكر امرأة فرعون.
أفضل الحامدين والذاكرين
إذا ذكرناه نحن، فهو بالتأكيد يذكرنا: “فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ” ﴿٣٤﴾. بالطبع، حتى من هم سيئون، الله يذكرهم، ولكن الذكر الذي نتحدث عنه هنا هو الذكر بالمحبة والانتباه، وإلا فإن الذكر بمعنى المعرفة أو أن تكون في رادار الله يشمل جميع المخلوقات.
يَا خَيْرَ الْمُنْزِلِينَ
المنزِل يعني موضع النزول. كان يُسمَّى منزلاً لأنه في القدم، عندما يسافر الناس، كانوا يتحركون خلال النهار، وعندما يحل الظلام، ينزلون عن الجِمال أو الخيول، ويُنزلون أمتعتهم ويقيمون في مكان للراحة. مكان مثل فندق صغير على الطريق يُسمّى قافِلَة أو كارافان سراي. في تلك الأوقات، بما أنهم ينزلون عن الركاب وينزلون الأمتعة ويستقرون، كان يُسمّى ذلك المكان “منزل”.
العُرفاء أيضًا يستخدمون هذا التعبير “منزل” للدلالة على مراحل السلوك والسير الروحي. مثلًا، خواجه عبدالله انصاري كتب كتابًا في هذا المجال باسم منازل السائرين يشرح فيه المراحل التي يجب أن يمر بها السالك.
خلاصة الأمر: الله سبحانه وتعالى يهبنا في أفضل مكان يمكننا أن نجد فيه الراحة والاستقرار، أو يعطي أفضل منزلت، كما في قوله:
﴿وَقُل رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾[٣٥]
أي: “اللهم اجعلني في مقام مبارك، وأنت خير من ينزل”، أي أفضل من يهب المنازل، أفضل من يهب المواضع والمقرات والاستقرار.
يَا خَيْرَ الْمُحْسِنِينَ
يا أفضل المحسنين. كل من يعمل إحسانًا فهو من الله. إحسان الأب والأم أيضًا من الله. ومع ذلك، إحسان الله من ذاته، مستقل، لا متناهٍ، بلا مقابل. أي إحسان يقوم به الله يمهّد الطريق لمزيد من الإحسان، لا أنه يقول: “لقد أحسنت بما فيه الكفاية”. إحسانه شامل، يعطيك كل ما تحتاجه، وليس فقط حل مشكلتك الواحدة. يحبك أكثر من نفسك، يمنحك أكثر مما تمنح نفسك. إنه أفضل المحسنين، ويقوم بالإحسان بأفضل الطرق وأكثرها ديمومة.
ويحب أيضًا أن نحسن نحن. حول التدين يقول الله:
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾[٣٦]
أي: “من هو أفضل في الدين من الذي يسلم وجهه لله ويكون محسنًا، ويتبع طريقة إبراهيم الحنيف، وقد اتخذ الله إبراهيم خليلاً له؟”[٣٧]
إذًا، التدين يعني الخضوع لله والإحسان، وهذه هي طريقة ومنهج إبراهيم عليه السلام. النبي محمد صلى الله عليه وسلم سار على هذا الطريق، والمسلمون يجب أن يسيروا على نفس الطريق. التدين يعني الخضوع للحق والإحسان؛ لا يمكن أن يكون الشخص متدينًا دون إحسان، ولا يمكن أن يكون متدينًا ومتجاهلًا أو ظالمًا. التدين حتميًّا مرتبط بالإحسان. مثلًا، الصلاة مرتبطة بالزكاة، ولا يمكن أداء أحدهما فقط دون الآخر.
المصادر
[1] سورة الحجر آية 21.
[2] سورة القمر آية 49.
[3] سورة الأنعام آية 160.
[4] سورة البقرة آية 261.
[5] أحد أصول المعتزلة الخمسة هو أصل الوعد والوعيد.
[6] سورة النساء آية 31.
[7] سورة النساء آية 48.
[8] سورة لقمان آية 13.
[9] سورة الفرقان آية 70.
[10] جزء من دعاء الرابع والعشرين في صحيفة السجادية.
[11] سورة طور آية 21.
[12] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج 3، ص 249.
[13] الطبراني، أبو القاسم سليمان بن أحمد، المعجم الكبير، ج 11، ص 440.
[14] سورة عبس آيات 34-37.
[15] سورة زخرف آية 67.
[16] ابن بابويه، محمد بن علي، الخصال، ج 2، ص 538. «نقل عبد الله بن مسكان عن الإمام الصادق7 أنه قال: إذا مات مؤمن وحضر جنازته أربعون رجلاً وقالوا: اللهم لا نعلم منه إلا خيرًا وأنت أعلم به منا، قال الله تعالى: قد قبلت شهادتكم وغفرت له ما علمت مما لا تعلمون».
النص الأصلي للحديث:
إِذَا مَاتَ الْمُؤْمِنُ فَحَضَرَ جِنَازَتَهُ أَرْبَعُونَ رَجُلًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالُوا: اللَّهُمَّ إِنَّا لا نَعْلَمُ مِنْهُ إِلَّا خَيْرًا وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنَّا. قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: إِنِّي قَدْ أَجَزْتُ شَهَادَتَكُمْ وَغَفَرْتُ لَهُ مَا عَلِمْتُ مِمَّا لا تَعْلَمُونَ.
[17] ابن شعبه الحراني، حسن بن علي، تحف العقول، ص 372. النص الأصلي للحديث:
قَالَ7 لِبَعْضِ شِيعَتِهِ: مَا بَالُ أَخِيكَ يَشْكُوكَ؟ فَقَالَ: يَشْكُونِي أَنِّي اسْتَقْصَيْتُ عَلَيْهِ حَقِّي. فَجَلَسَ7 مُغْضَبًا ثُمَّ قَالَ: كَأَنَّكَ إِذَا اسْتَقْصَيْتَ عَلَيْهِ حَقَّكَ لَمْ تُسِئْ. أَرَأَيْتَكْ مَا حَكَى اللَّهُ عَنْ قَوْمٍ يَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ أَخَافُوا أَنْ يَجُورَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ؟ لَا، وَلَكِنْ خَافُوا الاسْتِقْصَاءَ فَسَمَّاهُ اللَّهُ سُوءَ الْحِسَابِ فَمَنْ اسْتَقْصَى فَقَدْ أَسَاءَ.
[18] الشريف الرضي، محمد بن حسين، نهج البلاغة (لصبحی صالح)، ص 417.
[19] راغب الأصفهاني، حسين بن محمد، مفردات ألفاظ القرآن، ص 621. النص الأصلي للكتاب:
الْفَتْحُ: إزالة الإغلاق والإشكال، وذلك ضربان: أحدهما: يُدرَك بالبصر كفتح الباب ونحوه، و كفتح القفل والغلق والمتاع، نحو قوله: ﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ﴾، ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾. والثاني: يُدرَك بالبصيرة كفتح الهمّ، وهو إزالة الغمّ، وذلك ضروب: أحدها: في الأمور الدنيوية كغمّ يُفرَج، وفقر يُزال بإعطاء المال ونحوه، نحو: ﴿فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾، أي: وسعنا، وقال: ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾، أي: أقبل عليهم الخيرات. والثاني: فتح المستغلق من العلوم، نحو قولك: فلان فَتَحَ من العلم بابًا مغلقًا.
[20] سورة الفتح آية 1.
[21] الآن النقاش حول ما إذا كانت الأعمال التي قام بها الخلفاء صحيحة أم لا، لكنها تُسمّى الفتوحات.
[22] سورة سبأ آية 26.
[23] سورة النصر آية 1.
[24] سورة يونس آية 109.
[25] جزء من دعاء الافتتاح.
[26] سورة هود آية 11.
[27] ابن أبي الحديد، عبد الحميد بن هبة الله، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 3، ص 160. النص الأصلي للحديث:
دخل علي7 المسجد وقال لرجل: أمسِك على بغلتي! فخلع لجامها وذهب به. فخرج علي7 بعد ما قضى صلاته وبيده درهمان ليعطيهما له مكافأة. فوجد البغلة عطلة فدفع إلى أحد غلمانه الدرهمين ليشتري بهما لجامًا. فصادف الغلام اللجام المسروق في السوق قد باعه الرجل بدرهمين. فأخذه بالغرامين وعاد إلى مولاه. فقال علي7: إن العبد ليحرم نفسه الرزق الحلال بترك الصبر.
[28] ابن أبي جمهور، محمد بن زين الدين، عوالي اللآلي العزيزة في الأحاديث الدينية، ج 1، ص 295. النص الأصلي للحديث:
إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ تَمَلُّ كَمَا تَمَلُّ الأَبْدَانُ فَاهْدُوا إِلَيْهَا طَرَائِفَ الْحِكَمِ.
[29] الكوفي، فرات بن إبراهيم، تفسير فرات الكوفي، ص 185. النص الأصلي للحديث:
جَعَلَ فِي كُلِّ سَمَاءٍ سَاكِنًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ خَلَقَهُمْ مَعْصُومِينَ مِنْ نُورٍ مِنْ بُحُورٍ عَذْبَةٍ وَهُوَ بَحْرُ الرَّحْمَةِ وَجَعَلَ طَعَامَهُمْ التَّسْبِيحَ وَالتَّهْلِيلَ وَالتَّقْدِيس.
[30] سورة آل عمران آية 169.
[31] سورة مريم آية 6.
[32] سورة محمد آية 7.
[33] سورة البقرة آية 245.
[34] سورة البقرة آية 152.
[35] سورة المؤمنون آية 29.
[36] سورة النساء آية 125.
[37] هذا «وجه» ليس المعنى الحرفي، بل يعني أن يكون خاضعًا لله تعالى.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





