مدرس مؤسسة فن الفكر الإسلامي في قم: الفن الديني يكون مؤثرًا حين ينسج في نسيج السرد
الحوزة / شدد حجج الإسلام والمسلمین محمد حسين سرانجام على الرابط الذي لا ينفصم بين الشكل والمضمون في الفنون التمثيلية، قائلاً: «المفاهيم الإيمانية والأخلاقية تستقر في قلب المتلقي حين تتدفق بشكل طبيعي ضمن مسار القصة وتحول الشخصيات، لا حين تُقدّم شعاريًّا أو كمرفقات خارجية».
حجج الإسلام والمسلمین محمد حسين سرانجام، مدرس مؤسسة فن الفكر الإسلامي في قم وأستاذ جامعة الأديان، صرح في مقابلة مع وكالة أنباء الحوزة بالإشارة إلى الإمكانات العميقة للفنون التمثيلية في نقل المفاهيم الدينية والأخلاقية قائلاً: «الفن المسرحي، بفضل الصلة الوثيقة بين الشكل والمضمون، يتيح نقل الرسائل الإيمانية ليس في قالب شعارات وخطب، بل في صميم السرد وفي مجرى حياة الشخصيات. ففي هذا الفن، يتشكل المضمون في قلب التفاعلات والتعارضات والاختيارات الإنسانية، وهذا ما يجعل المتلقي، دون شعور بالإكراه، ينسجم مع المعاني الروحية».
وأضاف: «في الفنون التمثيلية، لا يُعد الإيمان مجرد مفهوم ذهني أو تعليمة مجردة، بل يُجسّد في السلوك، القرار وأسلوب الحياة. عندما يتعاطف المتلقي مع شخصية ما ويتابع مسار شكوكها، أخطائها، عودتها أو ثباتها، فهو في الواقع يواجه تجربة إيمانية عايشها الشخص. وهذه التجربة الحياتية أكثر تأثيرًا من أي بيان مباشر أو تعليمي، ويمكن أن تخترق أعماق ذهن وقلب المتلقي».
أستاذ جامعة الأديان أشار إلى أن تقييم الحالة الراهنة للإنتاجات التمثيلية في مجال المفاهيم الأخلاقية والروحية يتطلب الحذر وتجنب التسرع، موضحًا: «دائمًا في كل عصر توجد أعمال بارزة وراسخة إلى جانب إنتاجات أضعف. نحن عادةً ننظر إلى الماضي بنظرة انتقائية ونتذكر فقط الأعمال البارزة، بينما في نفس الفترة كانت هناك أيضًا أعمال ضعيفة. لذلك، مقارنة اليوم بالماضي، دون مراعاة هذه الحقيقة، قد تؤدي إلى أحكام خاطئة».
وأشار إلى مسألة «حجاب المعاصرة» موضحًا: «قربنا الزمني من الأعمال المعاصرة يعيق الحكم الدقيق عليها. كثير من الأعمال تحتاج إلى مرور الوقت ليظهر مدى تأثيرها، عمقها المعنوي، ودوامها. لذا، لتقييم نهائي لجودة المفاهيم الدينية والأخلاقية في الإنتاجات المعاصرة، يجب التحلي بالصبر والنظر التحليلي طويل المدى».
وفي جزء آخر من المقابلة، تحدث حجج الإسلام والمسلمین سرانجام عن سبب فشل بعض الأعمال الدينية في إقامة تواصل فعّال مع الجمهور، قائلاً: «أحد الأضرار الجسيمة في عملية الإنتاج هو التسرع. حين يُنتج العمل المسرحي أكثر بناءً على جداول زمنية ضاغطة ونظرات كمية بدلاً من البحث، إعادة الكتابة والتأمل، فمن الطبيعي ألا يتمتع بالعمق والتماسك اللازم. في الماضي، وبسبب القيود الفنية وصعوبات الإنتاج، كان المنتجون مضطرين لقضاء وقت أطول في تصميم العمل وصياغته، وهذا ما ساعد على نضج الأعمال».
وتابع: «اليوم، مع تسهيل أدوات الإنتاج، أصبح الفاصل بين الفكرة والتنفيذ قصيرًا جدًا. هذا في الظاهر ميزة، لكن إذا لم يكن مصحوبًا بالدقة والحرص، يؤدي إلى سطحية الأعمال. إضافة إلى ذلك، للإدارة الثقافية دور حاسم. إذا لم يفضل المديرون الجودة على السرعة والكمية، فلا يمكن توقع أن يستطيع المنتج النهائي إقامة تواصل عميق مع الجمهور».
وفي رده على سؤال عن أمثلة ناجحة للأعمال الروحية على التلفزيون، أشار إلى مسلسل «ليلة العاشر» قائلاً: «في العقود الماضية، شاهدنا إنتاج أعمال نجحت في تقديم المفاهيم الدينية والتاريخية ضمن قصة جذابة. مسلسل «ليلة العاشر» من الأمثلة التي نسجت المناسبة الدينية بشكل متصل وعضوي في نسيج السرد. في مثل هذه الأعمال، لا يشكل الموضوع مجرد خلفية زمنية، بل يشكل جوهر الدراما نفسها».
وأكد: «اليوم، لا يزال من الممكن إنتاج أعمال على نفس المستوى، لكن ذلك يتطلب العودة إلى نفس الدقة والصبر والحساسية التي شهدناها في الإنتاجات الناجحة السابقة. إذا صاحب كتابة السيناريو، اختيار الممثلين والإخراج حرص فني واهتمام بالمضمون، يمكننا أن نأمل في ظهور أعمال أخرى خالدة».
وأشار الباحث إلى ضرورة تجنب المباشرة في تقديم الرسائل في الأعمال التمثيلية، قائلاً: «أحد المبادئ المهمة في الدراما هو أن تحل الرسالة في قلب القصة. إذا أُضيفت المفاهيم الأخلاقية والدينية بشكل خارجي وملحق بالسرد، يرفضها الجمهور. ولكن عندما تلعب هذه المفاهيم دورًا أساسيًا في عقد القصة ومسار تحول الشخصيات، تُنقل بشكل طبيعي ومقنع».
وأضاف: «على سبيل المثال، إذا أُضيفت لمسة مناسبة دينية في العمل فقط بسبب توقيتها مع مناسبة معينة، لا يمكن توقع تأثير عميق على الجمهور. يتحقق النجاح عندما تتحد المناسبة، الموضوع وبنية السرد في امتداد معنوي واحد، ويكون العمل متصلًا من الداخل بالمفهوم الديني».
وبخصوص السياسات الثقافية، أكد: «السياسات في مجال الفنون التمثيلية عملية متعددة المستويات. لدينا المستوى الاستراتيجي، مستوى اللوائح والتنظيم، والمستوى التنفيذي. إذا لم يكن هناك تنسيق وتماسك بين هذه المستويات، فلن تحقق أفضل الوثائق العليا النتائج المرجوة. تحقيق الأهداف الثقافية يتطلب إيمان المديرين بأهمية المضمون والجودة الفنية».
وأضاف: «أحيانًا نلاحظ أن الاستراتيجيات الكبرى مُعدة بشكل صحيح، لكن في مرحلة التنفيذ، بسبب اعتبارات قصيرة المدى أو ضغوط الوقت، يتم الانحراف عنها. في مثل هذه الحالة، لا يمكن للنتيجة النهائية أن تتوافق مع الأهداف المعلنة. لذا، يجب أن يسود التفكير المهني وطويل المدى على جميع مستويات اتخاذ القرار».
وحول الاستفادة من التجارب العالمية، قال حجج الإسلام والمسلمین سرانجام: «الأعمال الدينية والمعنوية في السينما العالمية، رغم أنها نابعة من سياقاتها الثقافية الخاصة، يمكن أن تكون مصدر إلهام لنا من حيث بنية السرد والأساليب الدرامية. كثير من صانعي الأفلام في جميع أنحاء العالم يستفيدون من تجارب بعضهم البعض، وهذا جزء طبيعي من عملية النمو الفني. المهم أن تكون هذه الاستفادة ليست مجرد تقليد سطحي، بل فهمًا عميقًا لآليات السرد ثم تكييفها محليًا. إذا استطعنا مواءمة البنى الناجحة مع ثقافتنا واحتياجات مجتمعنا، تتحول التجربة العالمية إلى فرصة لتعزيز الإنتاج المحلي».
وفيما يتعلق بمستقبل الفنون التمثيلية الدينية في التلفزيون الإيراني، قال: «إذا راجعنا المسار من بداية الثورة الإسلامية حتى اليوم، على الرغم من الصعوبات والارتفاعات والانخفاضات، نرى اتجاهًا تصاعديًا. رغم وجود نقاط ضعف في بعض الفترات، فإن الحركة العامة كانت صعودية، وهذا يعزز الأمل في المستقبل».
وأشار أستاذ جامعة الأديان إلى تغير ذوق الجمهور قائلاً: «الجمهور اليوم أكثر وعيًا وانتقاءً. تنوع وسائل الإعلام والوصول الواسع للإنتاجات المحلية والأجنبية رفع مستوى توقعاته. هذا التغير لا يعني ابتعاد الجمهور عن المفاهيم الدينية، بل يشير إلى أن طريقة تقديم هذه المفاهيم يجب أن تُعاد تعريفها بما يتناسب مع لغة واحتياجات العصر. التوافق مع ذوق الجمهور لا يعني التنازل عن المبادئ القيمية. الفن التمثيلي يكون ناجحًا عندما يستطيع تحقيق توازن بين الجاذبية الفنية وعمق المضمون. إذا تحقق هذا التوازن، يشعر الجمهور أن المفاهيم الأخلاقية والدينية مرتبطة بحياته الواقعية وتلبي اهتماماته».
وفي جزء آخر من الحوار، أكد على دور التعليم في رفع جودة الأعمال التمثيلية: «تدريب الكوادر المتخصصة أحد المتطلبات الأساسية في هذا المجال. الفنان الذي يريد تناول المفاهيم الدينية يجب أن يكون متقنًا للمعرفة الفنية وذو فهم عميق للأسس العقائدية. دون هذين الجناحين، لا يمكن توقع خلق أعمال عميقة وخالدة. لقد قامت المراكز التعليمية والجامعات في السنوات الأخيرة بمحاولات، لكننا ما زلنا بعيدين عن الحالة المثالية. من الضروري تعزيز التعاون بين الحوزات العلمية، الجامعات والمراكز الفنية لضمان أن تتجاوز التعليمات النظرية إلى التطبيق العملي والإنتاج الواقعي».
وختم خبير الإعلام حديثه بدور النقد الفني قائلاً: «النقد العادل والمتخصص أحد عوامل نمو الفن. الأعمال التمثيلية الدينية، بسبب حساسية موضوعها، تحتاج إلى النقد الدقيق أكثر من غيرها. يمكن للنقد تعزيز نقاط القوة وتصحيح نقاط الضعف، شريطة الابتعاد عن التخريب والأحكام المتسرعة. تشكيل خطاب نقدي مهني يمكن أن يكون حلقة وصل بين المنتجين، المديرين والجمهور، ويمهد الطريق لمستقبل الفن التمثيلي الديني. إذا تم تعزيز هذه البيئة، يمكننا أن نأمل في أن تكون الإنتاجات المستقبلية أعمق وأكثر تماسكًا وأكثر تأثيرًا».
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





