في فضاء العلم والعمل، يبرز أحيانًا أشخاص ليسوا مجرد تجسيد للمعرفة، بل يمثلون أيضًا نموذجًا للأخلاق والإدارة والخدمة الصادقة للمجتمع الحوزوي والجامعي. كان حجة الاسلام والمسلمین حاج سید مهدی نقیبی (رضواناللهعلیه) أحد هؤلاء الشخصيات البارزة؛ عالمٌ متميز قضى أكثر من أربعة عقود في التدريس وإدارة مدرسة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، وأنشطة علمية وتعليمية في الجامعة، مربيًا أجيالًا من الطلاب المتميزين. سلوكه الزاهد المتفاني، الهادئ والبسيط، لم يثرِ حوزة مشهد فحسب، بل ترك أثرًا دائمًا في الثقافة العلمية والأخلاقية للمدينة. وبمناسبة اليوم الأربعين لوفاته، فإن إعادة قراءة حياته ومراجعة مسار يجمع بين العلم والأخلاق والخدمة بعمق وبدون تباهي، تقدم نموذجًا مشرقًا للطلاب والمهتمين بالمعرفة الدينية.
البداية؛ في رثاء الأستاذ
كان المرحوم حجة الاسلام والمسلمین حاج سید مهدی نقیبی (رضواناللهعلیه) عالمًا ربانيًا وفقهًا متفكرًا، وأحد أبرز الشخصيات المؤثرة في حوزة مشهد العلمية. لقد كان أستاذًا كفؤًا وأبًا رحيماً للطلاب في خراسان، جمعت حياته بين العلم الرفيع، الأخلاق الفاضلة، الالتزام العميق بالقيم الإسلامية، الإدارة الحكيمة والناجحة لمدرسة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، والأنشطة الدعوية الواسعة، وتجربة تدريس طويلة، وتربية طلاب فاضلين، وتأليف أعمال علمية، مقدمًا خدمات قيمة للطلاب والجامعة والحوزة العلمية، ومثالًا أصيلًا لبقية المدراء والأساتذة في الحوزة. ما يُسجل هنا هو ثمرة سنوات من التلمذ والتعامل معه، وكتابة هذا المقال واجب تجاه حقه العظيم على الحوزة العلمية وعلى كاتب هذه السطور.
البداية في الحياة وطلب العلم
وُلِد الأستاذ حجة الاسلام والمسلمین حاج سید مهدی نقیبی في عام 1343 هـ.ش في مدينة تربت حیدریه، مهد العلم والتصوف، في أسرة متدينة وأصيلة، وترعرع في كنف أم متدينة وزاهدة.
كان والده، حاج سید هداية الله نقیبی، من التجار الملتزمين والمعتمدين عند علماء المنطقة، مرتبطًا بعلماء كبار، وعلى رأسهم المرحوم آية الله حاج السید محمدباقر طباطبایی، أحد أبرز علماء تربت حیدریه وأول إمام جمعة فيها، وتلميذ بارز للمرجعيات العظام ميرزا نائيني وسید أبو الحسن الأصفهاني.
حرص الوالد على تربية أولاده على العلم، ورفض إرسالهم للمدارس الحكومية آنذاك التي كانت تحت سيطرة نظام الشاه، فوجههم إلى المکتب التقليدي، وشارك شخصيًا في تربيتهم.
فقد نقیبی والدته في صغره، وعاش مع والده وإخوته في ظروف صعبة، مما شكل شخصيته المستقلة منذ البداية.
الانخراط في ميادين العلم والمعارف الدينية
بعد إتمام مرحلة الطفولة والتعليم الابتدائي في المکتب، وبتشجيع من والده، التحق نقیبی بالحوزتين العلميتين في هرات وفولاد تربت حیدریه، وتعلم بعض الدروس الحديثة بشكل خاص.
درس في حوزة تربت حیدریه الأدب العربي باجتهاد، وأظهر ذكاءه ومواهبه، واستفاد من أساتذة بارزين مثل الشيخ إبراهيم سعيدي والشيخ غلامحسين رحماني. كما درس لفترة مع آية الله حاج السید محمدباقر طباطبایی في درس الشرائع، وكان أصغر الطلاب، وقد شجعه الأستاذ على الحضور والمشاركة.
شارك في سن المراهقة في نشاطات الثورة الإسلامية، وكان حاضرًا في المسيرات مع والده، وتعرض للاعتقال المؤقت من قبل ساواک.
الهجرة إلى مشهد المقدسة والاستفادة من كبار الأساتذة
بعد الثورة، انتقل الأستاذ نقیبی إلى مشهد المقدسة للاستفادة من أساتذة الحوزة ومن قرب مضجع الإمام الرضا (عليه السلام)، وأكمل دروسه الحوزوية في مدرسة جعفرية، ودرس شرح لمعة على يد آية الله الميرزا حسن صالحی، وآية الله السيد محمد مددي موسوي، وحجة الاسلام والمسلمین الشيخ علي أكبر الإلهي خراسانی، وأصول الفقه عند آية الله السيد علي أكبر بني هاشمي. كما حضر دروس الرسائل والمکاسب عند آية الله السید حسن مرتضوي، والمکاسب المحرمة عند آية الله الشيخ يعقوب واعظي، والكفايَتين عند آية الله الشيخ رجبعلي رضازاده.
في دروس الخارج، تتلمذ على فقهاء وأصوليين مرموقين، وحرص على كتابة ملاحظات الدروس، كما استفاد في الفلسفة والحكمة من الأستاذ السيد جلال الدين أشتِياني وأجرى مناقشات مع بعض أساتذة الفلسفة والتصوف في مشهد، رغم أن اهتمامه الأكبر كان في المعارف الكلامية والاعتقادية.
التدريس في الحوزة العلمية بمشهد
من أوائل الثمانينات الهجرية الشمسية، بدأ التدريس في الحوزة العلمية في مشهد، واستمر أكثر من أربعين عامًا في تدريس المقدمات والسطوح، والمستويات العليا، وخارج الفقه والأصول، مربيًا أجيالًا من الطلاب الذين أصبح كثير منهم أساتذة وعلماء وقضاة رفيعي المستوى.
تميز أسلوبه بالبساطة والدقة والعمق العلمي، والأخلاق المتزنة، ما جذب الطلاب لدروسه، وكان يدرس في مدارس متعددة منها مدرسة آية الله العظمي الخوئی، الميرزا جعفر، جعفرية، سليمانية، والإمام الحسن العسكري، وحتى في جامعة المصطفى ومراكز علمية أخرى.
إدارة مدرسة الإمام الحسن العسكري
ابتداءً من أوائل التسعينات الهجرية الشمسية، تولى نقیبی إدارة مدرسة الإمام الحسن العسكري لمدة 35 عامًا، مطورًا المدرسة بنائيًا وعلميًا، من خلال إنشاء مبان جديدة وتجهيز مكتبة، ورفع مستويات التدريس من الأول إلى الرابع، وزيادة عدد الطلاب من 20 إلى أكثر من 500 طالب، وأصبحت المدرسة الوحيدة التي تقدم جميع المستويات الحوزوية.
اعتمد على أساتذة ذوي خبرة لإقامة دروس خارج وأخلاق وتفسير، وأسس مجالس دينية في المناسبات، ما عزز من مكانة المدرسة.
الأنشطة الثقافية والدعوية
قام الأستاذ نقیبی برحلات دعوية واسعة في أنحاء البلاد، وأرسل طلابًا ورجال دين إلى القرى والمناطق الفقيرة، واستمر هذا النشاط حتى آخر أيام حياته، حيث كان نموذجًا للعلماء الشباب. كما اهتم بالإجابة على أسئلة الناس وحل مشكلاتهم، من خلال إقامة صلاة الجماعة والدروس في المساجد المحلية، وشارك في تأسيس «هيئة خدام الإمامة» لتعليم الشباب والشابات معارف الدين، مظهرًا التزامه بتربية جيل واعٍ ومثقف.
البُعد السياسي والاجتماعي
كان ملتزمًا بالنظام الجمهوري وولاية الفقيه، وشارك في الجبهات والدفاع عن الوطن، وكان حريصًا على المشاركة الشعبية في الانتخابات والمسيرات، مؤمنًا بأهميتها في تعزيز الدولة واستقرارها.
الأخلاق والإدارة والتربية
كان شخصية متكاملة، مستقلة، وعادلة، ومتزنة، ملتزمًا بالقيم الأخلاقية، ذكيًا وحكيمًا في إدارة شؤون المدرسة، وملتزمًا بتوفير سبل الراحة والتعلم للطلاب، ومتجنبًا الاستهلاك الشخصي للموارد، ومثالًا للزهد والصدق والتواضع. كما حافظ على علاقات وثيقة مع الطلاب وعائلاتهم حتى بعد مغادرتهم المدرسة، وسعى دائمًا لتقديم حلول عملية وواقعية للمشكلات.
الرحيل
انتقل إلى دار البقاء صباح يوم الخميس 16 ذو الحجة 1445 هـ.ق، موافق لذكرى شهادة الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)، بعد حياة حافلة بالجد والاجتهاد العلمي والعملي، تاركًا حزنًا عميقًا في نفوس أسرته وطلابه ومحبّيه. أقيمت مراسم وداعه في مدرسة الإمام الحسن العسكري، ثم نُقل جثمانه إلى الحرم الرضوي، حيث شارك العلماء وطلاب الحوزة والشعب في تشييعه ودفنه برواية دار الحجّة.
كما أقيمت مجالس عزاء وتكريم له في مشهد وتربت حیدریه، وشارك العديد من العلماء والمسؤولين، منهم آية الله علم الهدی، ومدير حوزة خراسان، وهيئة التدريس في جامعة العلوم الإسلامية الرضوية، لتقديم التعازي والإشادة بخدماته.
رسائل التعزية
آية الله السید أحمد علم الهدی: أعرب عن تأثره لرحيل هذا العالم البارز، مشيدًا بإسهاماته في تربية الطلاب وإدارة مدرسة الإمام الحسن العسكري، مقدمًا التعازي للحوزة وأسرته ومحبيه.
حجة الاسلام والمسلمین علی خیاط: عبّر عن حزنه لفقدان هذا الأستاذ الجليل، مشيدًا بخدمته المستمرة في الدين والمعارف الشيعية، ومتمنيًا له درجات عليا من الله تعالى.
جامعة العلوم الإسلامية الرضوية: اعتبرت رحيل الأستاذ نقیبی خسارة كبيرة، وأشادت بجهوده في تدريب الطلاب والطلبة، وسعت للجنة الدعاء له بالمغفرة والرحمة ولأسرته بالصبر والجزاء الحسن.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





