تذكر وكالة أنباء «حوزه» أن الكتابات التاريخية الكلاسيكية، عند تناول شخصية خديجة الكبرى الفريدة، غالبًا ما حصرتها في إطار «الزوجة الثرية المضحية». وهذه النظرة، وإن كانت تمثل جزءًا من الحقيقة، إلا أنها ليست كل الحقيقة. فالفحص العميق للنصوص التاريخية بعين علم الإدارة والاتصال يكشف عن امرأة كانت قبل الإسلام «مؤسسة اقتصادية-اجتماعية» مستقلة، ثم أصبحت بعده «شريكًا استراتيجيًا» ودرعًا إعلاميًا لنهضة النبي محمد.
تسعى هذه المقالة إلى تجاوز النظرة العاطفية البحتة، وإعادة قراءة دور هذه السيدة العظيمة في تحويل رأس المال الاقتصادي والرصيد الاجتماعي إلى قوة ناعمة أسهمت في ترسيخ الإسلام في قلب الجاهلية.
بناء العلامة الشخصية بوصفه أول رسالة لفهم عمق فاعلية خديجة (س) ينبغي معرفة نسيج مكة؛ مجتمعٍ أبوي كانت المرأة فيه أحيانًا تُعدّ جزءًا من الممتلكات القابلة للإرث. في مثل هذا المناخ، كانت خديجة ظاهرةً كاسرةً للبُنى التقليدية. إن حصولها على ألقاب مثل «الطاهرة» و«سيدة قريش» قبل زواجها يدل على أنها صنعت لنفسها رصيدًا قويًا من المصداقية والمكانة. وكانت نقطة التحول في استقلالها رفضُها خُطّابًا من كبار قريش واختيارها الذكي لمحمد الأمين (ص). لم يكن هذا الاختيار مجرد زواج، بل كان بيانًا إعلاميًا صريحًا إلى مجتمع مكة كله: «معيار القيمة هو الكرامة الأخلاقية لا القوة القبلية ولا الثروة.»وبهذا الفعل وضعت أول حجر أساس لتغيير الخطاب العام.
1. المكانة الاجتماعية بوصفها أول رسالة
لفهم عمق فاعلية خديجة الكبرى (عليها السلام) لا بد من معرفة نسيج مكة؛ مجتمعٍ أبوي كانت المرأة فيه أحيانًا تُعدّ جزءًا من الممتلكات القابلة للإرث. في مثل هذا المناخ، كانت خديجة ظاهرةً كاسرةً للأنماط السائدة. إن حصولها على لقبي «الطاهرة» و«سيدة قريش» قبل زواجها من النبي محمد (صلى الله عليه وآله) يدل على أنها صنعت لنفسها رصيدًا قويًا ومكانةً راسخة.
وكانت نقطة التحول في هذا الاستقلال رفضُها خُطّابًا من كبار قريش واختيارُها الواعي لمحمد الأمين (ص). لم يكن هذا القرار مجرد زواج، بل كان بيانًا إعلاميًا صريحًا إلى مجتمع مكة بأسره: «إن معيار القيمة هو الكرامة الأخلاقية، لا القوة القبلية ولا الثروة.»
وبهذا الموقف وضعت أول حجر أساس لتغيير الخطاب العام.
2. إدارة الرواية في اللحظة الصفر للبعثة
كان الدور الإعلامي للسيدة خديجة (س) في اللحظات الأولى من البعثة دورًا حيويًا لا بديل له. فعندما عاد النبي (ص) مثقلًا بأعباء الوحي من غار حراء، وجد أمامه أول إيمانٍ حاسمٍ وقاطع.
لم تُصب خديجة (س) بالاضطراب أو الإنكار، بل أظهرت ذروة العقلانية من خلال استدلالٍ منطقي جميل نقلته كتب السيرة، ومنها سيرة ابن هشام، إذ قالت: «كلا، والله لا يُخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلّ، وتُكسِب المعدوم، وتُقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.»
فقد منحت، باستحضارها لسجلّ النبي الأخلاقي المشرق، ظاهرةَ الوحي مشروعيةً عقلانية، وثبّتت أول رواية رسمية للبعثة.
3.درع المصداقية في مواجهة الحرب النفسية لقريش
كان الجهاز الدعائي لدى قريش يبذل أقصى طاقته لعزل النبي محمد (صلى الله عليه وآله) عبر إلصاق أوصاف مثل «مجنون» و«ساحر» و«شاعر» به. وفي خضم هذه الحرب النفسية الشاملة، تحوّلت مكانة خديجة الكبرى (عليها السلام) إلى درع دفاعي فعّال. فوجودها إلى جانب النبي كان يُربك السردية المعادية في أذهان الرأي العام المكي. وكان منطق الناس الضمني يقول:
«خديجة أعقل نساء قريش وأشرفهن؛ فلو كان محمد مجنونًا لما وضعت كل اعتبارها وثروتها الأسطورية في سبيل دعواه.»
لقد كانت مصداقية خديجة الشخصية تُبطل حملات تشويه السمعة ضد النبي، وتمثل أقوى ترياقٍ في مواجهة آلة الدعاية التابعة لـ دار الندوة.
4.مهندسة الاقتصاد المقاوم في شِعب أبي طالب
تجلّى الإبداع الإداري للسيدة خديجة (س) في فترة الحصار الاقتصادي داخل شِعب أبي طالب. ففي ظروفٍ أوصل فيها الحصارُ المجتمعَ الإسلامي الناشئ إلى حافة الانهيار الجسدي، أخرجت كل ثروتها إلى الميدان. ولم يكن ذلك مجرد إنفاقٍ عابر، بل عملية معقّدة لإدارة الأزمات. فقد وظّفت شبكات علاقاتها ونفوذ شخصيات مثل حكيم بن حزام لإنشاء «سلسلة إمداد سرّية» تُدخل المؤن إلى الشعب.
هذا الجهاد الاقتصادي أبقى الشريان الحيوي للإسلام نابضًا، حتى إن النبي الأكرم (ص) عبّر لاحقًا عن عمق هذا الدعم الاستراتيجي بقوله:
«ما نفعني مالٌ قط مثل ما نفعني مال خديجة.»
5. الاستثمار في الوسائط البشرية
لا تنتشر أي رسالة من دون وسيلة إعلام واسعة. وفي صدر الإسلام، كانت أقوى وسيلة إعلام هي «الإنسان المُعتَق». فقد شكّلت ثروة خديجة (س) البنية التحتية الاقتصادية لهذه الشبكة الدعوية؛ فكل عبدٍ كان يُعتَق بمالها يتحول إلى «وسيلة إعلام متنقلة» ومبلّغ حيّ لرسالة العدالة الإسلامية. ولم يكن هذا مجرد فعل اقتصادي، بل كان رسالة إعلامية مدوّية إلى كامل :
«أتباع هذا الدين يؤمنون بحقيقتهم إلى حد أن أغنى امرأة في العرب مستعدة لأن تفدي الرسالة بكل ثروتها.»
وكان هذا بحد ذاته أعظم دعاية للإسلام.
الكلمة الأخيرة: الشريكة الاستراتيجية للنهضة النبوية
لم تكن خديجة الكبرى (س) مجرد زوجة للنبي، بل كانت شريكة استراتيجية في الرسالة، وأول فاعلةٍ مسلمة في ميدان العقيدة والجهاد، وملاذه الآمن في أكثر السنوات عصفًا. وقد شكّلت وفاتها مع وفاة (عليه السلام) صدمةً قاسية، حتى سُمّي ذلك العام عام الحزن.
إنها نموذج خالد لامرأةٍ صارت ـ باستقلالها وبصيرتها وحبها اللامحدود ـ لا سندًا لرجل عظيم فحسب، بل أساسًا لحضارة عظيمة. لقد كانت وعاء الإمامة وأمّ الخير الكثير؛ وذلك أعظم وسام مجدٍ لها إلى الأبد.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





