حسب ما أفادت به وكالة أنباء حوزه، فإن المسلمين يرون شهر رمضان المبارك تاسع شهور السنة القمرية وأفضلها، ولذلك يحتل مكانةً خاصّة في الدين الإسلامي، وقد ذُكرت له آثار وبركات مادّية ومعنوية كثيرة. وبنظرة عامة، يمكن تقسيم آثار شهر رمضان الأصيلة إلى آثار فردية وآثار اجتماعية، على النحو الآتي بإيجاز:
أوّلًا: الآثار الفردية (التهذيب الداخلي)
أهمّ هدفٍ للصيام في شهر رمضان، كما بيّنه القرآن الكريم، هو بلوغ التقوى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾¹
وهذا الهدف يُشكّل المحور الأساس لجميع الآثار التي تترتّب على الصيام في روح الإنسان وجسده. وفي هذا السياق، يسلك الصائم طريق تزكية النفس والالتزام بالتقوى، بوصفه تدريبًا عمليًا على ترك المحرّمات وضبط الرغبات النفسية. فالإنسان، من خلال الجوع والعطش والامتناع عن المحرّمات، يقوّي إرادته ويتهيّأ لترك الذنوب طوال العام.
وكان النبيّ (ص) يصف شهر رمضان بأنّه شهر الصبر والثبات؛ إذ إن تحمّل الجوع والعطش والابتعاد المؤقّت عن بعض المباحات، يُنمّي في الإنسان القدرة على الصبر والمقاومة في مواجهة صعوبات الحياة ومشقّاتها.
وفي الحقيقة، فإن الأثر الأهمّ للصيام هو أثره المعنوي، غير أنّ آثاره الجسدية قد حظيت أيضًا بالتأكيد، إذ ورد عن النبيّ (ص): «صوموا تَصِحّوا»²
فالصيام الصحيح والمنضبط يُسهم في تنقية الجسد من السموم، وتنظيم عمليّات الأيض، وإراحة الجهاز الهضمي. كما أنّه سبب لمغفرة الذنوب، حيث يقول رسول الله (ص): «لَوْ یَعْـلَمُ الْعَبْدُ ما فی رَمَضانَ لَوَدَّ أَنْ یَکُونَ رَمَضانَ السَّـنَةُ»³
وعليه، فإن شهر رمضان يُعدّ فرصةً للتطهّر من الملوّثات الباطنية.
وفي الختام، يُعدّ شهر رمضان ربيع القرآن؛ فبحسب توصيات العلماء، فإن الأنس بالقرآن، والمداومة على تلاوته، والتدبّر في معانيه، والاستماع إلى آيات الله في هذا الشهر، يجلّي روح الإنسان ويعرّفه بالمعارف الإلهية الإسلامية العميقة.
ثانيًا: الآثار الاجتماعية (الترابط والوحدة)
لا يقتصر شهر رمضان المبارك على العبادة الفردية، بل يترك آثارًا عميقة في المجتمع والعلاقات الإنسانية. ومن أبرز هذه الآثار تنمية روح التعاطف والتكافل؛ فالإحساس بالجوع خلال النهار يُشعر الأغنياء بحال الفقراء، ويُمهّد لأعمال الخير، وإطعام المحتاجين عند الإفطار، وتعزيز ثقافة الإنفاق في المجتمع.
ومن الآثار الاجتماعية الأخرى لشهر رمضان، تعزيز التعايش والتآلف، حيث تتجلّى مظاهر المودّة في موائد الإفطار الجماعية، وإقامة الصلوات الجماعية في أوقاتها، الأمر الذي يُقوّي الروابط الاجتماعية. كما أنّ هذا الشهر يُهيّئ المجتمع لترك العادات الاجتماعية السيئة؛ كالكذب، والغيبة، والخصام، والنزاع، وغيرها، فيسعى الأفراد إلى التحلّي بسلوك أكثر التزامًا وأخلاقية.
كذلك يختبر المجتمع الصائم نوعًا من الانضباط الاجتماعي من خلال الالتزام بأوقات محدّدة؛ كالسحور، والإفطار، وليالي العبادة، وهو تمرين على النظام يمكن أن ينعكس على سائر جوانب الحياة الاجتماعية.
ثالثًا: الآثار المعنوية (الضيافة الإلهية)
عند النظر بعمق أكبر، يتبيّن أنّ شهر رمضان فرصةٌ لنيل العنايات الخاصّة من الله تعالى. ولهذا يقول النبيّ الأكرم (ص):
رَجَبُ شَهْرُ اللهِ، وَشَعْبَانُ شَهْرِي، وَرَمَضَانُ شَهْرُ أُمَّتِي.
وفي هذا الشهر الفضيل ليلةٌ هي خير من ألف شهر؛ إنّها ليلة القدر، ليلة نزول القرآن، وتقدير شؤون الإنسان لسنةٍ كاملة، وليلة العبادة والسهر. وقد ورد في الروايات أنّ الله تعالى يفتح في هذا الشهر أبواب رحمته، ويستجيب دعاء الصائمين.
وبناءً على ذلك، فإن شهر رمضان المبارك يُمثّل دورةً متكاملة لبناء الإنسان معنويًا وأخلاقيًا واجتماعيًا. فهذا الشهر، من خلال إحداث تغيير في العادات اليومية المرتبطة بالطعام والسلوك والكلام، يوجّه الإنسان نحو معرفة النفس وبنائها، ويقود المجتمع إلى مزيد من التآخي والوحدة. ومن يُحسن الاستفادة من هذا الشهر، يهيّئ زادًا من التقوى لما بقي من سنته.
ولهذا، أشار العلماء في آثارهم إلى جملةٍ من التوجيهات العملية في هذا الشأن، من بينها:
أوّلًا: حضور القلب
القلب مجموعة عضلية لحمية مخروطية الشكل، منتظمة البنية، تقع في الجهة اليسرى من الصدر، وبنبضه المُحيي تصبح حياة كل كائن حي ممكنة. ويُعدّ القلب عضوًا أساسيا في أجسام الكائنات الحيّة، وقد أدرك الإنسان، عبر مسيرة حياته وبحكم الضرورات الحيوية، عِظم شأن هذا العضو الدقيق والخطير. وقد عرّف علماء الأحياء القلب على أنّه مضخّة تدفع الدم بضغط داخل الأوعية الدموية، وفي المسارات الدقيقة للشعيرات الدموية.
ولما كان القلب عضوًا بالغ الأهمية ضمن منظومة أعضاء الكائنات الحيّة، فإن العناية بسلامته من الأهمية بمكان، إذ لا يمكن لأي كائن حي أن يعيش من دون قلب. وكما يمكن إطلاق لفظ القلب (الدل) على المعنى الجسدي والمعنى المعنوي، كذلك يمكن دراسة أمراض القلب من زاويتين مختلفتين: جسدية وباطنية، وفيما يلي إشارة موجزة إليهما:
أ) الأمراض الجسدية للقلب
قسّم علماء الأحياء والأطباء المتخصصون في أمراض القلب الأمراض الجسدية إلى أنواع متعددة، من قبيل: تلف عضلة القلب نتيجة نقص التروية الدموية، وتضخّم القلب بسبب ارتفاع ضغط الدم وكثرة الجهد الواقع عليه، والتهابات غشاء القلب، واضطرابات عمل صمّاماته. وبصورة عامة تُدرج أمراض القلب الجسدية تحت عناوين مثل: النوبة القلبية (الاحتشاء)، وارتفاع ضغط الدم، والروماتيزم القلبي، وتصلّب الشرايين، وفقر الدم، وهي أمراض تُعالج بالأدوية الكيميائية أو النباتية مع الالتزام بالرعاية الطبية الخاصة.
ب) أمراض القلب الباطنية
أشار الله تعالى في بعض سور القرآن الكريم إلى أمراض القلب الباطنية، فقال:
﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾
وكما أنّ لأمراض القلب الجسدية أدوية خاصّة، وتتطلّب رعاية دقيقة ووقاية، بل وربما مكوثًا في المستشفى، فإن لأمراض القلب الباطنية الخطيرة حاجةً إلى علاج سريع الأثر، لينقذ الإنسان من الذنوب القلبية، كالكفر، والرياء، والحسد، والعُجب، وغيرها. وقد قال الله تعالى:
﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾
وبهذا المعنى، فإن الذين يكتسبون الذنوب، سواء تلك التي يظهر أثرها على الجوارح، أو التي يكون محلّها القلب، سيُجازَون عليها.
وقد عدّ علماء الأخلاق ـ أو بتعبير آخر المعالجون لأدواء النفس والقلب ـ أمراض القلب من قبيل: الكفر، والنفاق، والشرك، والشك، وقسوة القلب، وسوء الظن، والرياء، والحسد، والبخل، وحبّ الدنيا، وغيرها. وشفاء هذه الأمراض الخفية الخارجة عن الحسّ لا يقدر عليه الإنسان العادي، لعدم إحاطته بحقيقتها، إذ إن النفس من أمر الله، وشفاء هذه العلل بيد الخالق القادر وحده.
وفي هذا السياق، اصطفى الله تعالى من البشر جماعةً، وأطلعهم على هذه الأسرار الدقيقة، وجعلهم أدلّاء للناس في هذا الطريق، وجعل سيّدهم وخاتمهم محمد بن عبد الله ﷺ، ومنّ على المؤمنين ببعثته، فقال:
﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾
والمقصود من ذلك تطهير القلوب من أنواع التلوّثات النفسية، ويتبيّن من هذه الآية بوضوح أنّ غاية بعثة الأنبياء هي إنارة القلوب بنور المعرفة، وتنقيتها من الآفات، وتحليتها بالصفات الإنسانية الفاضلة.
والقلب، بما في بنيته من دقّة وإحكام تدلّ على قدرة الخالق، يستطيع بانتظام عمله أن يكون سببًا للحياة زمنا طويلًا، إذ تعتمد حياة الإنسان عليه. وليس من دون سبب أن ورد في الحديث القدسي:
«لَمْ يَسَعْنِي سَمَائِي وَلَا أَرْضِي وَوَسِعَنِي قَلْبُ عَبْدِيَ الْمُؤْمِن»
فهذا الموضع الجليل لا يمكن أن يكون في آنٍ واحد محلًّا للشهوات المادّية والنزوات الجسدية، ومن جهة أخرى محلًّا للخضوع والخشوع والمحبّة الصادقة لله تعالى. ومن هنا كان أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع) يقف في جوف الليل خاشعًا مرتجفًا بين يدي الله، باكيًا شوقًا، ليملأ وجوده محبّةً لله، ويزيّن قلبه بصفاء الذكر وحضور المعبود، إذ يقول الله تعالى في كتابه:
﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾
ثانيًا: تحقّق الوقت
تحقّق الوقت، وهو ما عبّر عنه علماء الأخلاق بفراغ الوقت للعبادة، له أهميّة بالغة؛ لأنّ فراغ الوقت وحضور القلب في العبادة متكاملان، وكلّ واحد منهما من دون الآخر ناقص، ولا يُحدث الشوق والجاذبية المقبولة. وقد قال الإمام الخميني (رحمه الله) في هذا الشأن:
«العبادة من دون حضور القلب لا قيمة لها، وما يؤدّي إلى حضور القلب أمران: الأوّل فراغ الوقت، والثاني تفهيم القلب أهميّة العبادة. والمقصود بفراغ الوقت أن يعيّن الإنسان في كلّ يوم وليلة وقتًا خاصًّا لعبادته، يلتزم فيه بأن لا يشتغل إلا بالعبادة، ولا يجعل لنفسه فيه أيّ شغل آخر».¹⁰
وتكمن أهميّة فراغ الوقت في أن يُقبل الإنسان في وقت معلوم على العبادة، بجسم ونفس مفعمين بالمحبّة والعبوديّة، وبطمأنينة وابتعاد عن الوساوس الباطنية، ومع طهارة ظاهرة من كلّ خبث ورذيلة، ليتهيّأ للمناجاة والأنس مع المعبود بما يليق بمقام العابدين الصادقين. غير أنّ الأهمّ من فراغ الوقت هو فراغ القلب، بل إنّ فراغ الوقت مقدّمة لفراغ القلب؛ إذ ينبغي للإنسان عند اشتغاله بالعبادة أن يُفرغ نفسه من الشواغل والهموم الدنيوية، وأن يصرف قلبه عن الخواطر المتفرّقة، ويُخليه خلوصًا تامًّا للتوجّه إلى العبادة والمناجاة مع الله تعالى، لأنّه ما لم يتحقّق فراغ القلب من هذه العوائق، فلن يتحقّق التفرّغ الحقيقي للعبادة.
وعليه، فإنّ الانقطاع عن هموم الدنيا يتطلّب أن يشتغل الإنسان بالمناجاة في وقت معلوم له خصوصية معنوية، وأن يدرّب نفسه على الوقوف في الأوقات المفعمة بالفيض والنور أمام القدرة الإلهية، وقوفًا خاضعًا ينسى فيه كلّ شيء إلا معبوده، ويسجد ساجيًا لا يرى سواه، ويعبّر بلسان حاله عن صدق توجّهه، راجيًا لطف الله وكرمه، معترفًا بفقره وعودته إلى التراب، ومتوسّلًا إلى الله أن ينظر إليه بعين الرحمة، إذ لا ملجأ للعباد إلا هو.
وقد أشار الله تعالى في القرآن الكريم إلى مراعاة الأوقات المخصوصة بقوله:
﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾
ففي هذا توجيه لعباده إلى أوقات خالصة للعبادة، كما بيّن سبحانه في سور متعدّدة أوقات الصلوات الخمس، وهو ما يدلّ على أهميّة تحقّق الوقت. وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾
يُفهم أنّ الله تعالى يبيّن من جهة أهميّة الالتزام بالوقت، ومن جهة أخرى فضل إقامة الصلاة في أوّل وقتها، وفي هذا المقام يُنقّي سبحانه وجود العبد من الرذائل والآفات، ليقف بين يدي جلاله وجماله بخشوع وخضوع، ويُظهر ما فيه من ضعف وعجز.
«سُئِلَ أميرُ المؤمنين (ع): أيُّ آيةٍ في كتابِ الله أرجى؟
فقال بعضُهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾
فقال (ع): ليست تلك.
وقال بعضُهم: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾
فقال (ع): ليست تلك.
وقال بعضُهم: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾
فقال (ع): ليست تلك.
وقال بعضُهم: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾
فقال (ع): ليست تلك.
ثمّ قال (ع): سمعتُ رسولَ الله (ص) يقول: أرجى آيةٍ في كتاب الله:
﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾».
الهوامش
- سورة البقرة، الآية 183.
- قطب الدين الراوندي، الدعوات، ص 76.
- محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج 93، ص 346.
- وسائل الشيعة، ج 8، ص 98.
- سورة البقرة، الآية 10.
- سورة البقرة، الآية 225.
- سورة الأنعام، الآية 120.
- محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج 16، ص 210.
- سورة الشعراء، الآية 88.
- السيد روح الله الإمام الخميني (رحمه الله)، الأربعون حديثًا، ص 358.
- سورة البقرة، الآية 203.
- سورة هود، الآية 114.
- المصدر نفسه.
- سورة النساء، الآية 116.
- المصدر نفسه، الآية 110.
- سورة الزمر، الآية 53.
- سورة آل عمران، الآية 135.
- سورة هود، الآية 114.
- آية الله ناصر مكارم الشيرازي، تفسير نمونه، ج 9، ذيل الآية، مع إضافات.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





