يَا مَنْ لَهُ الْعِزَّةُ وَالْجَمَالُ، يَا مَنْ لَهُ الْقُدْرَةُ وَالْكَمَالُ، يَا مَنْ لَهُ الْمُلْكُ وَالْجَلَالُ، يَا مَنْ هُوَ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ، يَا مُنْشِئَ السَّحَابِ الثِّقَالِ، يَا مَنْ هُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ، يَا مَنْ هُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ، يَا مَنْ هُوَ شَدِيدُ الْعِقَابِ، يَا مَنْ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ، يَا مَنْ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ.
في هذه الفقرة معانٍ متعدّدة تتّسم بالشمول، إذ تشير من زوايا مختلفة إلى عظمة الذات الإلهية.
يَا مَنْ لَهُ الْعِزَّةُ وَالْجَمَالُ
الله منبع العزّة والكرم
إنّ البحث في العزّة في الإسلام ذو شأنٍ عظيم، وقد تجلّى حضوره في القرآن الكريم تجلّيًا خاصًّا؛ فالأصل في العزّة أنّها لله تعالى، وكلّ من انتسب إليه نال منها نصيبًا: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾[1]
ولا سبيل لطلب العزّة في غير ساحته: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾[2]
أي: أفيطلبون العزّة عند غيره، مع أنّ العزّة كلّها لله المتعال؟ ثم إنّ الله يمنح قسمًا من هذه العزّة لجميع بني آدم، وهو ما يُعبَّر عنه بالكرامة الذاتيّة للإنسان: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾[3]
وأمّا القسم الآخر فموقوفٌ على الاكتساب: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾[4]
والعزّة والكرامة بينهما ارتباط وثيق؛ فالعزّة يُنظر إليها غالبًا من حيث بُعدها الباطني، أمّا الكرامة فتُستعمل أكثر في لحاظ بعدها الاجتماعيّ والظاهري.
وخلاصة القول: إنّ مالك العزّة وخازنها هو الله سبحانه. وفي المناجاة الشعبانيّة نقول: «إِلٰهِی وَأَلْحِقْنِی بِنُورِ عِزِّكَ الأَبْهَجِ»؛ أي: يا ربّ، صِلني بنور عزّتك الذي هو أبهج من كلّ شيء.
وجاء فيها أيضًا: «إِلٰهِی هَبْ لِی كَمَالَ الانْقِطَاعِ إِلَيْكَ، وَأَنِرْ أَبْصَارَ قُلُوبِنَا بِضِيَاءِ نَظَرِهَا إِلَيْكَ، حَتَّى تَخْرِقَ أَبْصَارُ الْقُلُوبِ حُجُبَ النُّورِ فَتَصِلَ إِلَى مَعْدِنِ الْعَظَمَةِ، وَتَصِيرَ أَرْوَاحُنَا مُعَلَّقَةً بِعِزِّ قُدْسِكَ».[5]
فنحن نسأل الله أن يربط أرواحنا بعزّ قدسه، أي بتلك الذروة القصوى من الطهارة، إذ منبع العزّة إنّما هو ذاته المقدّسة.
كرامة الإنسان باكتساب الكمالات الإلهية
يرى آية الله مطهري أنّ هذه الكرامة تمثّل نقطة الثقل ومحور الأخلاق الإسلاميّة؛ فغاية التربية الأخلاقية هي إيجاد هذه الكرامة في النفس وتنمية الإحساس بالعزّة، وكلّ شيءٍ يدور حول هذا المقصد. وعلى أيّ حال، فإنّ صاحب العزّة الحقيقي هو الله تعالى، وعزّته عزّةٌ واقعيّة لا اعتباريّة.
وجميع الناس يحبّون العزّة، غير أنّ بعضهم ـ للأسف ـ يطلبها من غير طريقها الصحيح. والطريق الحقّ هو أن يكتسب الإنسان الكمالات الإلهية في ذاته؛ كالعلم، والحكمة، والإحسان، والكرم، والسخاء، والعفو، والصبر. فهذه هي التي تمنح الإنسان عزّةً حقيقية. أمّا من يظنّ أنّ المال، أو السيارة، أو المناصب الدنيويّة، أو ما شاكلها، تكسوه عزّةً، فهو واهم؛ فهذه قد تجلب الانتباه، لكنها لا تملأ باطن الإنسان. ومثل ذلك كمثل معدنٍ من صفيح طُلي بطلاءٍ ذهبيّ؛ فهو لا يصير ذهبًا بذلك.
إنّ العزّة أن تكون ذهبًا في ذاتك؛ حتى لو حاول الآخرون إذلالك بالغيبة أو التهمة، كان ذلك كمن يرمي الذهب بالطين؛ سرعان ما يزول بالغَسل، لأنّ الجوهر في الداخل ذهب. أمّا من كان باطنه فاسدًا ثمّ حاول أن يموّه ظاهره بطلاء الذهب، فإنّ هذا الطلاء يزول بأدنى ضغط، ولا يبقى إلا الواقع الباطن القبيح.
الصفات الجمالية الإلهية منشأُ جمالِ الوجود
إنّ العزّة الإلهية أسمى مراتب الجمال؛ فهي ذاتيّة أزليّة أبديّة. والصفات الثبوتيّة للحقّ تعالى، كالعلم، والقدرة، والحياة، والإرادة، والحكمة، تُسمّى صفاتٍ جماليّة. ومنشأ كلّ جمالٍ في العالم إنّما هو هذه الصفات الجماليّة الإلهيّة. فإذا كان الورد جميلاً، وكانت البحار والينابيع والسحب والأزهار والثمار والكواكب بديعة الحسن، فلأنّها إنّما تمثّل شعاعًا ضئيلاً من جماله سبحانه. تصوّر أنّك تنظر إلى اللوحات التي يقدّمها رسّامٌ لطلّابه المبتدئين نموذجًا وتعليمًا، فتجدها جميلةً آخذةً بالألباب، مع أنّها ليست لوحاته الأصليّة. كذلك ما نشاهده في الدنيا ليس هو الرسوم الأصليّة لصنع الله، بل هذا العالم جزءٌ يسيرٌ منها. نسأل الله أن تنفتح أبصارنا في هذه الدنيا أو بعد الرحيل عنها، فنرى أنّ اللوحات الأصليّة هناك، وأنّ ما هنا ليس إلا شبحًا وظلًّا لتلك الحقائق القائمة في العالم الآخر.
يَا مَنْ لَهُ الْقُدْرَةُ وَالْكَمَال
أي: يا من القدرة والكمال مختصّان به وحده.
مفهوم القدرة
يقول الفلاسفة: القدرة هي «أن يكون الفاعل بحيث متى شاء فعل، ومتى شاء ترك»[6]؛ فمعنى القدرة أن يتمكّن من فعل ما يريد، وترك ما لا يريد، أي تكون له السلطنة على الفعل والترك معًا. أمّا إذا كان لا يملك إلا قدرة الفعل وحدها أو قدرة الترك وحدها فلا تُسمّى هذه قدرة. فمثلاً من يسقط من علوّ، فإنّ السقوط فعلٌ صادرٌ عنه، لكنّا لا نقول إنّ له قدرةً على السقوط؛ لأنّه لا يستطيع أن يمنع نفسه من الوقوع. وكذلك من يُجبر تحت ضغطٍ واقعٍ خلفه على القيام بفعلٍ ما، لا يُعدّ ذلك قدرةً. أمّا الله سبحانه فله جميع الكمالات ـ ومنها القدرة ـ على نحو اللانهاية، بل كلّ كمالٍ في الوجود فإنّما يصدر عنه وينشأ منه.
يَا مَنْ لَهُ الْمُلْكُ وَالْجَلَال
أي: يا من الملك والعظمة خاصّان به. فالملك والمالكيّة، بل وما هو أرفع من المِلك وهو الحاكميّة، كلّها له. كلّ شيءٍ ملكه، وكلّ شيءٍ داخل تحت سلطان حكمه. والجلال والكبرياء والتنـزّه عن النقائص له وحده.
يَا مَنْ هُوَ الْكَبِيرُ الْمُتَعَال
أي: يا من هو العظيم المتعال. ليس في قبال الله عظيمٌ سواه؛ فالكبرياء مختصّ به. وإذا قلنا «الله أكبر» فليس المعنى أنّ غيره عظيم ولكنّه أعظم منه، بل ليس في الوجود كبيرٌ على الحقيقة إلا الله؛ فمعنى «الله أكبر» أنّ الله أعظم من أن يُوصَف[7]. ومن ثَمّ فإنّ محاولة الإنسان أن يُظهر نفسه بمظهر العظمة هي الكِبر؛ إذ لا عظمة لنا. والتكبّر هو أن يتكلّف المرء إظهار نفسه كبيرًا بغير حقّ. أمّا العظمة والتعالي فهما له سبحانه، فهو على رأس هذا الهرم، وهو في ذروة القمّة.
متعَالٍ لا بُعدَ فيه
غير أنّ من دقائق النظام القرآني ولطائفه أنّ الله سبحانه ـ مع كونه كبيرًا متعالياً ـ ليس ببعيدٍ عن مخلوقاته. فلا ينبغي أن يتوهّم الإنسان، والعياذ بالله، أنّه كمديرِ مؤسسةٍ لا يعلم إلا أحوال خاصّته ومن حوله، ويغيب عنه سائر العاملين؛ فليس الأمر كذلك. بل إنّ الله تعالى، مع علوّه، قريبٌ من كلّ مخلوقاته، وبصورةٍ أخصّ منّا نحن البشر:
﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾
أي هو أقرب إلينا من عرق العنق ومن شراييننا[8]. فالله مع كمال قربه متعالٍ أيضًا، لكن من غير بُعدٍ ولا انفصال؛ قريبٌ، واستعلاؤه إنّما هو لكمالات وجوده، وإلا فهو حاضرٌ في جميع مراتب الوجود، إذ كلّ شيءٍ قائمٌ به ومفتقرٌ إليه.
يَا مُنْشِئَ السَّحَابِ الثِّقَال
أي: يا مُبدِع السحب المثقلة بالماء. إنّ الإنسان إذا نظر إلى السحاب من أعالي الطائرة أدرك شيئًا من عظمته؛ فمَن يراه من الأرض يظنّه صغيرًا، أمّا إذا رآه من العلوّ رأى أحيانًا سحبًا تمتدّ ما بلغ البصر، بكتلٍ كثيفةٍ لا يُرى طرفها. وهذه السحب قد تحمل ملايين اللترات من الماء، بل أضعاف الملايين. ثمّ فجأةً يهطل المطر فتغمر السيول منطقةً واسعة. فكم من الماء نزل حتى يغمر الأرض في بقعةٍ متراميةٍ بعشرة سنتيمترات أو عشرين أو ثلاثين أو خمسين من الماء أو الثلج؟ أيّ حجمٍ هائلٍ من الماء تحمله هذه السحب وتنقله، ومع ذلك تسير في غاية اللطف والهدوء والجمال من غير محرّك، ولا حتى كحركة الطير التي تحتاج إلى خفقان جناحين؛ بل إنّ تيّارات الهواء ودوران الأرض هما اللذان يحرّكانها:
﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾[9]
فمُنشئ هذه السحب وخالقها هو الله المتعال. وهكذا جمعنا بين الحديث عن علوّه سبحانه، ثم انتقلنا إلى عالم الطبيعة لنشير إلى آياته المحسوسة.
يَا مَنْ هُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ
أي: يا من عقابه شديد. وقد تقدّم أنّ الله تعالى حليمٌ صبور، يمهل ويعطي الفرصة لعلّ العبد يرجع ويُصلح، فلا يعاجل بالعقوبة. غير أنّ الإنسان ـ والعياذ بالله ـ إذا أغلق على نفسه باب الرحمة، ولا سيّما إذا بلغ حالاً لا تعود الرحمة الإلهية قادرةً على إنقاذه، فيُختم على قلبه ختمًا، فإن عُذِّب بعد ذلك كان عذابه شديدًا؛ لأنّ هذا العذاب في حقيقته ثمرةُ إصراره وعناده على حرمان نفسه من رحمة ربّ العالمين. فما أشدّ الضغط الذي يحتاجه الإنسان ليحرم نفسه من رحمة الله! إنّ بحر الرحمة الإلهية لا ساحل له، ومع ذلك قد لا تبلّ قطرةٌ واحدةٌ إنسانًا ما. فأيّ ضغطٍ باطنيّ، وأيّ خبثٍ وإصرارٍ ولجاجٍ يلزم حتى يُحرم المرء من هذه الرحمة؟ وحين نقول: ملعون، فمعناه أنّه بلغ من حاله أن رحمة الله لم تُصبه، ولم تُغمره، فكأنّه بقي يابسًا في وسط المحيط.
يَا مَنْ هُوَ سَرِيعُ الْحِسَاب
أي: يا من هو سريعٌ في المحاسبة. إنّ مسألة الحساب ذات أبعادٍ متعدّدة؛ فأوّلًا إنّ قسمًا من الحساب يقع في هذه الدنيا نفسها، إذ كثيرًا ما يرجع إلى الإنسان أثرُ عمله خيرًا كان أو شرًّا، بل حتى نيّته خيرًا كانت أو سوءًا. فإذا كانت نيتك صالحةً، تريد الخير للناس، وتتمنّى لهم السعادة والصفاء، فإنّ هذه النيّة نفسها تعود عليك في الدنيا. وكذلك من كان سيّئ النيّة، حسودًا، أنانيًّا، شريرًا، فإنّ أثر ذلك يرجع إليه في الدنيا أيضًا. وإذا صدر منه عملٌ خيرٌ أو شرٌّ عاد إليه أثره كذلك في هذه النشأة. وقد قيل: «أحسنْ تُلقَ الجزاء، وإن تلقِ الخير في النهر ردّه الله إليك في القفر». فإذن بعض الحساب يقع في هذه الدنيا.
وقسمٌ من الحساب يقع في عالم البرزخ، حيث تُطرح الأسئلة الأساسية. أمّا السؤال والجواب التامّ المفصّل بجميع جزئياته فيكون يوم القيامة. لكنّه ليس كحساب الدنيا الذي يطول أمده؛ إذ قد تمرّ سنوات حتى يُفتح ملفّ، ويُحقَّق، وينظر القاضي، ثم يُصدر الحكم، ثم يُستأنف… أمّا في محضر الله فالأمر ليس كذلك، فهناك كلّ شيءٍ حاضر:
﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾[10]
بل إنّ أعمالنا الآن ـ في هذه اللحظة نفسها ـ حسابها معلوم، غير أنّه لم يُختَم بعد. فإذا متنا أُغلق قسمٌ منه، وبقي قسمٌ آخر يتعلّق بالصدقات الجارية، أو ـ والعياذ بالله ـ السيّئات الجارية، فيُضاف أثرها في البرزخ. أمّا في القيامة فكلّ شيءٍ مهيّأ، ويُعطى الإنسان كتاب عمله ويقال له: اقرأه بنفسك:
﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾[11]
أي احسب نفسك بنفسك، فلا حاجة أن نقضي عليك؛ لأنّ الحقائق هناك مكشوفة. فإذا عُرضت للإنسان جميع الحقائق والمعطيات أدرك بنفسه منزلته. فحكم الله مبنيّ على العلم والحكمة، لا على تروٍّ واجتماع آراءٍ كما في محاكم الدنيا. والإنسان نفسه يستطيع أن يعلم ما هو عليه. فالله سريع الحساب في الدنيا والآخرة.
يَا مَنْ هُوَ شَدِيدُ الْعِقَاب
أي: يا من عقابه شديدٌ صارم. ونكرّر أنّ الأمر إذا انتهى إلى العقاب كان شديدًا؛ ولذلك لا ينبغي للإنسان أن يهيّئ نفسه لاحتمال العقوبة ويقول: لعلّنا نُعذَّب أيّامًا ثم ينتهي الأمر. كلا؛ فربما كان العذاب دائمًا، ثم إنّا لا نطيق لحظةً واحدةً من عذاب الله. فعلينا أن نبذل غاية الجهد ونركّز كلّ همّنا على كيفيّة العمل الذي يجنّبنا استحقاق العقاب.
يَا مَنْ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَاب
أي: يا من عنده وحده الثواب الحسن. إنّ عند الله ثوابًا كثيرًا طيّبًا جميلًا. وقد ورد تعبير «حسن الثواب» في القرآن في شأن ثواب الآخرة: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾[12]
ففي هذه الآية يبيّن الله تعالى أنّ المحسنين ينالون ثواب الدنيا وثواب الآخرة معًا، غير أنّه عبّر عن ثواب الآخرة بـ«حسن الثواب» ليدلّ على رفعة منزلته وسموّ قدره قياسًا بثواب الدنيا[13]. ومع أنّ الله قد هيّأ لعباده أنواع الأجور والمثوبات في الدنيا والآخرة، فلماذا يحرم الإنسان نفسه منها ويوقعها في العذاب؟ إنّ مثل من يصيبه العذاب كمثل طفلٍ أمسك أبواه بيده ليعبرا به بحذرٍ جانب شارعٍ مزدحم، وقالا له: إنّ السيارات هنا مسرعة وخطرة. لكنّ الطفل لشدّة لهوه لا يطيع والديه المشفقين، فيفلت يده فجأةً ويجري إلى وسط الطريق فتصدمه سيارة. فمن المقصّر هنا؟ أالوالدان اللذان يحبّانه وقد حذّراه وأمسكا بيده؟ أم هو نفسه الذي أفلت يده؟ إنّه هو المقصّر. كذلك نحن لا ينبغي أن نترك يد الله.
يَا مَنْ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَاب
الكتاب واللوح المحفوظ
من المباحث القرآنية المهمّة بحث «أمّ الكتاب». وأمّ الكتاب في الحقيقة هو اللوح المحفوظ، أي تلك المرتبة من العلم الإلهي التي سُجِّلت فيها جميع وقائع العالم بصورتها النهائية. واللوح المحفوظ أعلى الألواح[14]، كما أنّ هناك ألواحًا أدنى تُسمّى ألواح «المحو والإثبات»، وهي التي قد يُكتب فيها شيء ثم يتغيّر:
﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾[15]
فالله يثبت أشياء ويمحو أشياء، غير أنّ عنده أمّ الكتاب أيضًا. فإذا اتّصل نبيٌّ أو وليٌّ من أولياء الله، أو إنسانٌ في رؤياه، بألواح المحو والإثبات، فقد يتغيّر ما أخبر به. فمثلًا ورد أنّ عيسى عليه السلام أخبر عن رجلٍ ليلة عرسه أنّه سيموت، لكن الأمر تغيّر بسبب الصدقة فلم يمت. وكذلك أنّ النبيّ توقّع لرجلٍ خرج يجمع الحطب خارج المدينة أن يموت، لكنّه عاد حيًّا. فتعجّب الأصحاب، فقال له النبيّ: افتح وعاءك. فلمّا فتحه رأوا في داخله حيّة. قالوا: ماذا فعلت؟ قال: تصدّقت. أي إنّ الصدقة والدعاء يمكن أن يغيّرا ما كان معلّقًا أو مشروطًا. أمّا ما كان في «أمّ الكتاب» أو في «اللوح المحفوظ» فإنّه لا يتغيّر.
وجها القرآن
ومن الأمور الموجودة في «أمّ الكتاب» الكتب السماوية، وعلى وجه الخصوص القرآن الكريم. قال تعالى في سورة الزخرف: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾[16]
للقرآن وجهان وصورتان: أحدهما متوجّه إلينا، وهو نصّ عربيّ مقروء: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾[17] يشتمل على مئةٍ وأربع عشرة سورة، وعلى ستة آلافٍ ونيفٍ من الآيات، لكي نعقله وندركه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. وله وجهٌ آخر متوجّه إلى الله، وهو في «أمّ الكتاب» عنده: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا﴾. فالقرآن ذو علوٍّ وحكمة، وهو محكم: ﴿لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾. وليس معنى نزول القرآن أنّه فارق الله أو فارق عالم الملكوت أو غادر أمّ الكتاب وجاء إلينا؛ بل هو مع كونه في ذلك المقام الرفيع، فإنّ له تجلّيًا وظهورًا وتمثّلًا لنا في قالب نصٍّ لفظيّ. أمّا حقيقته الأصلية فهي تلك المواجهة الإلهية، وهي أمرٌ آخر، وهي أقرب الأشياء إلى الله. وقد قال النبيّ ﷺ لأمير المؤمنين عليه السلام:
«أَوَلَيْسَ كِتَابُ رَبِّي أَفْضَلَ الأَشْيَاءِ بَعْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلّ»[18]
فكلام الله ليس مخلوقًا؛ فالمخلوقات مهما بلغت من الشرف والقرب فهي مخلوقة، أمّا كلام الله فهو علمه، وحكمته، ورحمته، وتجليّه الأعظم. ويقول أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة: «فَتَجَلَّى لَهُمْ سُبْحَانَهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا رَأَوْه»[19]
وعلى كلّ حال فالقرآن في «أمّ الكتاب». وقال تعالى في موضعٍ آخر: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾[20]
فالقرآن في كتابٍ مستور، ولا يمسّ ذلك الكتاب المكنون ولا يصل إليه إلا المطهّرون. فمن هم المطهّرون؟
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾[21]
فهؤلاء قد طهّرهم الله. وقد يكون غيرهم من الأنبياء والأولياء مطهَّرين أيضًا، لكنّ الذين نصّ القرآن على تطهيرهم صراحةً هم أهل البيت عليهم السلام، وكذلك السيدة مريم التي طهّرها الله: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾[22]
فهؤلاء يستطيعون الاتصال بحقيقة الكتاب السماوي، أو الكتاب الإلهي، أو ذلك الكتاب المكنون، وأن يمسّوه. صحيحٌ أنّه يُستدلّ بهذه الآية على وجوب الوضوء لمسّ المصحف، لكنّ هذا جزءٌ يسيرٌ من معناها؛ أمّا أصلها فيتعلّق بحقيقة القرآن التي لا تُنال إلا بالطهارة الباطنية.
لقد تمثّل القرآن بعد نزوله في قالب الألفاظ لكي نتدبّره ونتأمّل فيه. فإذا فعلنا ذلك صار هذا «حبل الله» الذي يرفعنا نحو العالم العلوي. ولهذا أيضًا يُقال لأهل الجنّة إذا دخلوها: «اقْرَأْ وَارْقَأ»[23]، أي اقرأ القرآن واصعد. فيرتقي الإنسان هناك بقدر ما يحفظ من القرآن، أي بقدر ما عمل به.
الهوامش
[1] سورة المنافقون آية 8.
[2] سورة النساء آية 139.
[3] سورة الإسراء آية 70.
[4] سورة الحجرات آية 13.
[5] «معبودي، امنحني كمال الانقطاع عن المخلوقات لأصل إليك تمام الوصول، وأنِر أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك حتى تخرق أبصار القلوب حجب النور فتصل إلى معدن العظمة، وتصير أرواحنا معلّقة بعزّ قدسك».
[6] صدر الدين الشيرازي، محمد بن إبراهيم، الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، ج6، ص307. النص الأصلي: «کون الفاعل فی ذاته بحیث إن شاء فعل و إن لمیشأ لمیفعل».
[7] ابن بابويه، محمد بن علي، التوحيد، ص313. نص الحديث:
عَنْ أَبِی عَبْدِ اللَّهِ۷ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ عِنْدَهُ اللَّهُ أَکْبَرُ. فَقَالَ: اللَّهُ أَکْبَرُ مِنْ أَیِّ شَیْءٍ. فَقَالَ: مِنْ کُلِّ شَیْءٍ. فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ۷: حَدَدْتَهُ. فَقَالَ الرَّجُلُ: کَیْفَ أَقُولُ؟ فَقَالَ: قُلْ اللَّهُ أَکْبَرُ مِنْ أَنْ یُوصَفُ.
[8] سورة ق آية 16.
[9] سورة الروم آية 48.
[10] سورة غافر آية 17.
[11] سورة الإسراء آية 14.
[12] سورة آل عمران آية 48.
[13] تفسير القرآن، ج4، ص41:
«وقد وصف ثواب الآخرة بالحسن دون الدنيا إشارةً إلى ارتفاع منزلتها وقدرها بالنسبة إليها».
[14] «ألواح» جمع «لوح»، واللوح يعني مثل صفحة يُكتب عليها.
[15] سورة الرعد آية 39.
[16] سورة الزخرف آيتا 3 و4.
[17] في هذه الآية يُحتمل أن يكون «عَرَبِيًّا» بمعنى اللغة العربية، ويُحتمل أيضًا أن يكون بمعنى السهل الواضح.
[18] ابن بابويه، محمد بن علي، الخصال، ج2، ص579. الترجمة: «أليس كتاب ربّي أفضل الأشياء بعد الله؟».
[19] الشريف الرضي، محمد بن حسين، نهج البلاغة، الخطبة 147، ص204. الترجمة: «إن الله تجلّى لعباده في كتابه من غير أن يكونوا رأوه».
[20] سورة الواقعة آيات 77–79.
[21] سورة الأحزاب آية 33.
[22] سورة آل عمران آية 42.
[23] ابن بابويه، محمد بن علي، ثواب الأعمال وعقاب الأعمال، ص129.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





