«اللّٰهُمَّ إِنِّی أَسْأَلُکَ بِاسْمِکَ یَا حَنَّانُ، یَا مَنَّانُ، یَا دَیَّانُ، یَا بُرْهانُ، یَا سُلْطانُ، یَا رِضْوانُ، یَا غُفْرانُ، یَا سُبْحانُ، یَا مُسْتَعانُ، یَا ذَا الْمَنِّ وَالْبَیانِ»
يا شديد الرحمة. الحنّان يعني من كان بالغ المحبة والشفقة.[1] الله تعالى ليس إنسانًا، ولا يملك العواطف البشرية ولا الانفعالات والمشاعر والحالات العصبية والنفسية التي لدى البشر. غير أن الجانب الإيجابي من تلك المشاعر ـ أي أن يريدنا حقًا، ويريد لنا الخير والصلاح، وأن تكون معاناتنا غير مرغوبة لديه ـ فهذا ثابت في حقه تعالى. فمثلًا، كما ورد في الروايات، كانت محبة النبي يعقوب ليوسف أشد بكثير من محبة سائر الآباء لأبنائهم. وكان يعقوب نبيًا رحيم القلب، وكان يوسف صاحب كمالات، ومعرفة يعقوب بتلك الكمالات منحت محبة الأبوة والبنوة أبعادًا أسمى. ثم إن في الروايات أن محبة الله لعباده أعظم بكثير من محبة يعقوب ليوسف. ونحن معتادون على تصور الجوانب العاطفية البشرية، فإذا أردنا أن نتصور أن الله لا يملك أصلًا مشاعر، يصعب علينا أن نتصور أنه يحب. لكن في الحقيقة إن محبة الله أعظم بكثير، وهي محبة لا تزلزل فيها ولا اضطراب.
- يا مَنّان
يا من يُفيض الخير الكثير.
المعنى الإيجابي والسلبي لكلمة “المنّ”
«مَنّان» مشتقّة من جذر «مَنّ». و«المَنّ» يُستعمل أحيانًا بمعنى الامتنان والتفضّل على الغير، وهو معنى سلبي. فمثلًا يقول الله تعالى في القرآن:
﴿یَمُنُّونَ عَلَیْکَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لاتَمُنُّوا عَلَیَّ إِسْلامَکُمْ﴾[۲]
كان بعض الناس يأتون إلى النبي ﷺ ويتمنّنون عليه بإسلامهم، وكأنهم قدّموا له خدمةً بإسلامهم؛ مثل طالب يذهب إلى أستاذه ويقول: لقد تعلّمت منك أشياء كثيرة، ويظن أنه بذلك قد أسدى معروفًا للأستاذ، مع أن الأمر ليس كذلك؛ فصاحب الفضل هو الأستاذ الذي أحسن إلى الطالب. وكذلك صاحب الفضل هو النبي ﷺ الذي هدانا، لا أننا لأننا اهتدينا نمنّ على النبي. أو مثلًا إذا قبل مرجعُ تقليدٍ عناء المسؤولية ووضع رسالته بين أيدينا وتكفّل بشؤون أحكامنا الشرعية، فالواجب علينا أن نشكره، لا أن نمنّ عليه فنقول: نحن مقلدوك ولنا حق عليك. ففي هذه الآية يقول الله إن هؤلاء يمنّون عليك بإسلامهم؛ قل لهم: لا تمنّوا عليّ إسلامكم. فإن كنتم مؤمنين حقًا فالحقيقة أن الله هو الذي مَنَّ عليكم.
ومثال آخر على «المنّ» بمعناه السلبي في قوله تعالى: ﴿یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا لاتُبْطِلُوا صَدَقَاتِکُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَی﴾[۳]
فلو أنكم تصدّقتم بصدقة، وأعطيتموها بنيّة خالصة، وفي موضعها المناسب، فقد تُبطل مع ذلك. كيف؟ بالمنّ والأذى. كأن نفضح أمام الناس من ساعدناه، أو نؤذيه، أو نحرجه بقولنا: نحن الذين ساعدناك. فهذا المنّ يُذهب قيمة الصدقة.
أما المعنى الآخر للمنّ، وهو المعنى الإيجابي، فهو إعطاء الخير الكثير. وهذا هو المقصود في حق الله تعالى:
﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَی الْمُؤْمِنِینَ إِذْ بَعَثَ فِیهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾[۴]
أي إن الله مَنَّ عليهم، بمعنى أنه شملهم بلطفٍ وخيرٍ عظيمين، لا ذلك المعنى السلبي الذي يصدر من أناس ضيّقي الأفق، قليلي المروءة، غير كرام. فـ«المَنّ» يعني الخير الكثير، و«المنّان» هو الذي يُحسن كثيرًا ويُفيض الخير الجزيل بأنواع وصور متعددة. فالله «حنّان» رحيم، كثير اللطف، ويَمُنّ؛ ومثال ذلك في الفارسية قولنا: «لقد مننتم علينا بتشريفكم منزلنا»؛ فهذه «منّة» ليست بالمعنى السلبي، أي ليس المقصود أنكم تفضّلتم علينا تفضّلًا مُذلًّا، بل المقصود أنكم أحسنتم إلينا إحسانًا عظيمًا، وأفضتم علينا خيرًا كثيرًا.
- يا دَيّان
يا من يُجازي. «دَيّان» مشتقّ من جذر «دين». وكلمة «الدين» لا تعني الشريعة والملّة فحسب، بل تأتي أيضًا بمعنى الجزاء. ﴿مَالِکِ یَوْمِ الدِّینِ﴾ أي مالك يوم الجزاء. فـ«الدَّيّان» هو الذي يُثيب ويُجازي؛ يُجازي في الدنيا[٥] ويُعطي الجزاء التام في الآخرة.
لا عمل يضيع
إن الله لا يترك عملًا بلا جواب. يستحيل أن يفعل أحد خيرًا ثم يتركه الله بلا مقابل أو يضيّعه:
﴿إِنَّا لَانُضِیعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾[٦]
قد يغفر العمل السيّئ كما ذكرنا، أمّا العمل الصالح فمحال أن يُهمل ويُقال: كان واجبه أن يفعل ذلك. كلا، بل لو قام إنسان بأصغر عمل خير فإن الله يجازيه عليه. ولهذا تذكّروا دائمًا: إذا فعلتم شيئًا لله تعالى فكونوا على يقين أن الله لا يبقى مَدينًا لأحد. يستحيل أن لا يُعَوِّض. فلا تظنّوا إن لم يشكركم أحد في الدنيا أن الله لا يشكركم؛ حتمًا إذا عملتم لله فإن الله يفعل لكم أكثر.
- يا بُرهان
يا دليلًا واضحًا. «البرهان» يعني الدليل الواضح. وفي علم المنطق مصطلح يُسمّى «البرهان» وهو أحد أنواع الصناعات الخمس. والبرهان في الحقيقة نوعٌ من الاستدلال، وهو أفضل أنواع الاستدلال وأيقنها؛ إذ يجب في هذا النوع أن تكون مادة القياس من اليقينيات، وأن تكون صورة القياس منتجة. ولأن «البرهان» بمعنى الدليل الواضح، استُعمل اصطلاحًا لأشرف أنواع الاستدلال. وقد ورد في القرآن الكريم:
﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَکُمْ إِنْ کُنْتُمْ صَادِقِینَ﴾[٧]
أي يقول الله: قل لهم إن كنتم صادقين فأتوا بدليل واضح، دليلٍ لا لبس فيه، ولا قائم على «لعلّ» و«ربما».
وعليه، فحين يَرِد في وصف الله تعالى «يا برهان» فالمقصود على الأرجح أن حقّانيته تعالى، وأدلّة صدق كلامه ودينه، واضحة بيّنة؛ فلا حاجة لأن يتبع أحدٌ الله مغمض العينين: ﴿لِیَهْلِکَ مَنْ هَلَکَ عَنْ بَیِّنَةٍ وَیَحْییَ مَنْ حَیَّ عَنْ بَیِّنَةٍ﴾[٨]؛ فكل شيء ينبغي أن يكون على بيّنة. وليس في الدين ما يدعو إلى المخاطرة العبثية. نعم، ينبغي أن نُخاطر، لكن مخاطرة صحيحة. وما المخاطرة الصحيحة؟ هي أن يرى الإنسان أحيانًا بعد حسابٍ وتفكير أن عليه من أجل الله أن يتحمّل مشقّةً أو يقبل خطرًا. مثلًا: أريد أن أدرس، فأفكّر: إن سلكت هذا الطريق فهل سأجد عملًا؟ وإن أردت الزواج فكيف ستكون نفقة زوجتي وأولادي؟ أو إن أردت السعي وراء الرزق الحلال، فهذا العمل المعروض عليّ راتبه جيّد لكن فيه شبهة؛ إن رفضته فهل أجد عملًا آخر؟ أو إن كنت في عملي الحالي طُلب مني أمر فيه إشكالات لكنه يوفّر مالًا ومستقبلًا حسنًا، فهل أقبل؟ في مثل هذه الحالات قد يحتاج الإنسان، بعد التفكير والمشاورة، أن يُقدم على مخاطرة. هذه مخاطرات محمودة: أن يفعل الإنسان الصواب ويتوكّل على الله تعالى. أمّا المخاطرة بمعنى أن نندفع مغمضي الأعين فنلقي بأنفسنا في البئر، فذلك غير صحيح.
وكذلك فإن الله لا يطلب منّا أبدًا أن نفعل شيئًا غير واضح. فكل ما يطلبه منّا يكون قد أقام عليه الحجّة. قد يلزمنا أن نذهب نحن فنبحث عن تلك الحجّة، لكن الحجّة موجودة متاحة. ليس لازمًا أن يُرسلها الله إلى بيوتنا، لكن ينبغي أن تكون متوفّرة بحيث لو سعيتُ إليها ببحثٍ عادي — لا بحث خارق — استطعتُ الوصول إليها. فالله «برهان»؛ أي إنه من حيث المعرفة ظاهرٌ بيّن، معروفٌ جليّ. فإذا أزحنا قليلًا النظّارات التي على أعيننا وجدناه بوضوح.
- يا سلطان
أيها المتسلّط الحاكم. إن الله تعالى له المُلك، وله السلطان، وله الحاكميّة، وله الاقتدار. فالله من حيث المعرفة في غاية الوضوح، ومن حيث الوجود في غاية الهيمنة والسيطرة والحكم. - يا رضوان
أيها الرضوان. «رضوان» بمعنى الرضا والسرور. أهل الجنة ينالون أنواعًا مختلفة من النعم من المآكل والمشارب والجنات والأنهار وصحبة بعضهم بعضًا، وكثير من النعم الأخرى الموجودة هناك. لكن كونهم يعلمون أن رضا الله معهم وأن الله راضٍ عنهم هو أعظم لذة وأعلاها. فالإنسان حين يعلم أن محبوبه راضٍ عنه ينال أعظم سرور. يقول القرآن الكريم:
﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِینَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِی مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِینَ فِیهَا وَ مَسَاکِنَ طَیِّبَةً فِی جَنَّاتِ عَدْنٍ وَ رِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَکْبَرُ ذَلِکَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِیمُ﴾[٩]
الله سريع الرضا
إذن «رضوان» اسم مصدر بمعنى الرضا، لكنه هنا استُعمل في حق الله تعالى نفسه. ولعل المعنى أن الله تعالى يرضى سريعًا وأنه «سريع الرضا»[١٠]. عادةً الأشخاص الدقيقون جدًّا واللطيفون في الذوق والفن يصعب إرضاؤهم. فلو أراد شخص أن يطبخ أمام طاهٍ محترف ويرضى عنه ذلك الطاهي لكان الأمر صعبًا. فكيف لو أراد أن يطبخ أمام أفضل طاهٍ في العالم؟ سيضطرب تمامًا، لأنه يعلم أن كل ما يفعله سيُؤخذ عليه. بل من اللحظة الأولى التي يسكب فيها الماء في القدر تبدأ الملاحظات: كم يسكب؟ كم يضع من الملح؟ كم من الأرز؟ هل ينقع الأرز قبل ذلك أم لا؟ كم يضع من الزيت؟ إن المحترف يستطيع أن يوجّه إليه ألف ملاحظة. ولو كان الله تعالى يدقّق هذا التدقيق الصارم لكان من العسير جدًّا أن يخرج أحد ناجحًا من الامتحانات. لكن الملاحظة الجميلة أن الله، مع كل علمه وقدرته وسلطانه، بناؤه قائم على أنه كأنه يغضّ الطرف عن تقصيرنا. إنه «سريع الرضا» يبحث عن ذريعة ليغفر. ورد في الرواية أنه يوم القيامة حين تُراجع الحسابات يكون هناك شخص لا تبلغ أعماله حدّ دخول الجنة، فتأخذه الملائكة نحو النار، وهو يلتفت مرارًا إلى الخلف. فيأمر الله تعالى أن يُعاد، ويُسأل: لماذا كنت تنظر خلفك؟ فيقول: ربّاه، لم يكن ظني بك هكذا. فيقول الله للملائكة: ملائكتي، وعزّتي وجلالي، ما كان له قطّ حسن ظن بي، ولكن أدخلوه الجنة لأنه ادّعى أنه أحسن الظن بي.[١١]
أما الذين لا يُغفر لهم فسبب ذلك أنهم هناك أيضًا لا يطلبون المغفرة. هناك أيضًا يدافعون عن أنفسهم ويحاولون الاعتذار والتبرير. لذلك يقول تعالى: ﴿وَ لایُؤْذَنُ لَهُمْ فَیَعْتَذِرُون﴾[١٢] أي لا يُؤذن لهم بالكلام لأنهم بدل أن يعترفوا بخطئهم يريدون اختلاق الأعذار.
وفي سورة الحديد آيات لطيفة عن حوار يقع بين المؤمنين والمنافقين يوم القيامة. ففي الآية الثانية عشرة يذكر المؤمنين فيقول:
﴿یَوْمَ تَرَی الْمُؤْمِنِینَ وَ الْمُؤْمِنَاتِ یَسْعَی نُورُهُمْ بَیْنَ أَیْدِیهِمْ وَ بِأَیْمَانِهِمْ بُشْرَاکُمُ الْیَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِی مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِینَ فِیهَا ذَلِکَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِیمُ﴾[١٣]
في يوم القيامة يكون نور الرجال والنساء المؤمنين مسرعًا أمامهم كالسعي بين الصفا والمروة: ﴿یَسْعَی نُورُهُمْ بَیْنَ أَیْدِیهِمْ﴾، أي إن هذا النور فيه شوق واندفاع، ويريد أن يهديهم نحو الجنة. وهذا النور يكون عن أيمانهم، ولعل ذلك لأن كتب أعمالهم في أيمانهم، ويكون أمامهم أيضًا لأن توجههم كان إلى الله تعالى، والآن ينبغي أن يتجهوا نحو الجنة. أما المنافقون والمنافقات فلا نور لهم. فماذا يفعلون؟ في الآية التالية يقول:
﴿یَوْمَ یَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِینَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِکُمْ قِیلَ ارْجِعُوا وَرَاءَکُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَیْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِیهِ الرَّحْمَةُ وَ ظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾[١٤]
يقول المنافقون للمؤمنين: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِکُمْ﴾ أي انظروا إلينا ووجّهوا وجوهكم نحونا لنأخذ شيئًا من نوركم. إنهم يريدون أن يأخذوا نورًا من المؤمنين، أي إنهم لم يأتوا معهم بنور. فيقال لهم: ﴿ارْجِعُوا وَرَاءَکُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ ارجعوا إلى الوراء، أي إلى حياتكم الدنيا، واطلبوا النور من هناك. أرسلتم نورًا حتى تريدوا الآن نورًا؟ ثم يُقام بينهم جدار له باب: ﴿فَضُرِبَ بَیْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ﴾، ومن وجود الباب يُفهم أنه قد يُغفَر لأهل النار ويُدخَلوا الجنة، فمن كان مؤمنًا لا يبقى في النار إلى الأبد.
والعجيب أن هؤلاء المنافقين، مع أنهم يرون المؤمنين في هذا الحال وقد امتلأوا نورًا، بدل أن يتوبوا ويطلبوا العون من الله، يتوجهون إلى غير الله ويريدون أن يستفيدوا من نور المؤمنين. عندئذ يُقام جدار حتى لا يعودوا قادرين على رؤيتهم. أما المؤمنون الذين لهم نور ففي تلك الحال نفسها يقولون لله تعالى:
﴿ نُورُهُمْ یَسْعی بَیْنَ أَیْدیهِمْ وَ بِأَیْمانِهِمْ یَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَ اغْفِرْ لَنا إِنَّکَ عَلی کُلِّ شَیْءٍ قَدیر﴾[١٥]
أي: ربنا زد نورنا وأتممه لنا واغفر لنا. فهم هناك أيضًا يطلبون المغفرة.
إذن فالله تعالى سريع الرضا، يبحث عن ذريعة ليغفر: عملٌ صالح، مودة، صدق، صفاء. أما الذي لا يُغفر له فحقًّا يكون شديد الشقاء.
- يا غفران
أيها الغفران. «غفران» اسم مصدر بمعنى المغفرة. «غافر» اسم فاعل، و«غفّار» و«غفور» صيغتا مبالغة. ولأن الله كثير المغفرة نقول: «يا غفران». كأننا بدل أن نقول «عليّ عادل» نقول «عليّ عدل»، أي إن عليًّا من شدة عدله صار هو نفس العدالة. فالله غفران، أي هو تجسّد المغفرة. - يا سبحان
أيها المنزّه الطاهر. «سبحان» يعني غاية القداسة والتنزه. وقد أشرنا إلى بحث التسبيح في قول: «سبحانك يا لا إله إلا أنت».
يا مُسْتَعان
أي: يا من يُطلَب منه العون.
المعين الحقيقي هو الله وحده.
نحن نقول في صلاتنا كل يوم مرات عديدة: ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، أي نعبدك وحدك، ونطلب العون منك وحدك، فغايتنا أنت وحدك. وحتى الوسائل والأسباب البشرية أو المادية التي نلجأ إليها، فنحن في الحقيقة نطلبها منك أنت. فليس كافيًا أن نعبد الله فقط، بل ينبغي أن نطلب عوننا منه أيضًا. رجاؤنا يجب أن يكون به، مع الالتفات إلى الآخرين في حدود وظيفتهم وباعتبارهم وسائل لا مصادر مستقلة.
فعندما نمرض يجب أن نبحث عن العلاج، ونجد طبيبًا جيدًا، ونأخذ الدواء في وقته، ونلتزم بالتعليمات. لكن رجاءنا في الشفاء ينبغي أن يكون بالله تعالى. غير أن الله، لما خلق نظام الوجود قائمًا على الأسباب، أمرنا أن نسلك هذه الطرق: أن نعمل، ونجتهد، لكن الرزق في النهاية من الله.
وقد ورد في القرآن أن الحياة الدنيا أشبه بلعبة: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ﴾. فعلينا أن نؤدي دورنا فيها، لكن الحقيقة أن الشفاء والرزق والمحبة والعلم والمعرفة وغيرها لا تأتي من أعمالنا بذاتها، بل كلها من الله.
فمن يبلغ مراتب العلماء الكبار والصالحين — كأن يصير إنسان عالمًا ربانيًا أو وليًا صالحًا — ليس السبب مجرد كثرة الدراسة أو كثرة المباحثة أو حتى كثرة العبادة فقط. نعم، هذه الأمور موجودة، لكنها ليست وحدها السبب؛ بل كان لديهم أمرٌ أحبّه الله منهم، فرفعهم به. لذلك لا يصح أن يقول الإنسان: لن أتعلم ولن أقرأ، وسأكتفي بالدعاء والصوم ليمنحني الله التوفيق. بل يجب أن يدرس، كما يجب أن يراجع الطبيب عند المرض، ويعمل لتحصيل الرزق، لكن مع اعتماد القلب على الله؛ فهو الذي يمنح الأرزاق المادية والمعنوية جميعًا.
إذًا نحن نطلب العون منه. وعندما نطلب العون منه، جعل لذلك وسائل؛ منها الصلاة والدعاء، ومنها الصبر: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾. أي اطلبوا العون من الله بواسطة الصبر والثبات، وبواسطة الصلاة والمناجاة؛ فهذه وسائل الاستعانة بالله. فالله هو المُستعان، أي الذي يُطلَب منه العون.
يا ذا المَنِّ والبيان
أي: يا صاحب الفضل العظيم والبيان.
نعمة البيان
من أعظم النعم الإلهية — إلى جانب تعليم القرآن وخلق الإنسان — أن الله تعالى منح الإنسان القدرة على البيان والكلام والتواصل: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾.
أكثر الأفعال طبيعيةً للإنسان هو الكلام؛ فالتحدث أمر فطري. ومن لا يتكلم فلا بد أن يكون لديه سبب يمنعه. الأصل أن يستطيع إنسانان أن يتحاورا، وأن القطيعة وترك الكلام خلاف الأصل. فلا ينبغي للمرء أن يمتنع عن مخاطبة أحد إلا إذا كان لديه دليل قاطع يبرر ذلك.
ومن النعم أيضًا أن الله تعالى — كما منحنا القدرة على البيان — فإنه هو نفسه يبيّن ويشرح. ومن اللطيف أن الله، مع كونه الحاكم المطلق، يكثر من البيان والتوضيح. ففي بداية الخلق، وقبل أن يُوجِد الإنسان، بيّن للملائكة أمر خلقه فقال: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾، وأخبرهم أنه سيجعله خليفة في الأرض: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. وقبل ذلك بيّن لهم أنهم سيؤمرون بالسجود له. وبعد خلقه وسجود الجميع إلا إبليس، خاطب إبليس وسأله عن سبب امتناعه. كما أن الملائكة عندما تساءلوا عن الحكمة من جعل الإنسان خليفة، مع أنهم يسبّحون ويقدّسون، بيّن لهم سبحانه الحكمة، وعلّمهم بأسلوب يشبه أسلوب المعلّم في درس تعليمي.
فالله تعالى يبيّن كل شيء بيانًا حسنًا، ولا يكلّفنا ولا يؤاخذنا حتى تتم الحجة علينا. لذلك قال العلماء: «قبح العقاب بلا بيان»؛ أي إن العقاب قبل البيان قبيح. فالله لا يعاقب حتى يبيّن، بل ويشترط أن يكون البيان واضحًا، كما في قوله تعالى: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾، وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾. فلم يكتفِ بإعطاء الإنسان العقل، بل أرسل الرسل أيضًا، حتى لا يبقى لأحد حجة على الله، فلا يقول: لماذا لم ترسل إلينا رسولًا نهتدي به قبل أن نُذل ونُخزى؟
وقد ورد في دعاء الندبة: «لولا أرسلتَ إلينا رسولًا منذرًا، وأقمتَ لنا علمًا هاديًا فنتّبع آياتك من قبل أن نذلّ ونخزى».
إذن فالله يبيّن، وهو الذي منحنا القدرة على البيان، والبيان شأن عظيم. ومن ألقاب القرآن نفسه أنه بيان، كما في قوله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾.
المصادر
[1] قرشي بنابي، علي أكبر، قاموس قرآن، ج 2، ص 189. نصّ الكتاب:
حنن: حنان: رحمة… حنّان: صيغة مبالغة ومن الأسماء الحسنى: «يَا حَنَّانُ يَا مَنَّانُ» أي: يا كثير الرحمة ويا كثير العطاء.
[2] سورة حجرات آية 17.
[3] سورة بقره آية 264.
[4] سورة آل عمران آية 164.
[5] في شرح «سريع الحساب» طرحنا هذا المطلب.
[6] سورة كهف آية 30.
[7] سورة بقره آية 111.
[8] سورة أنفال آية 42.
[9] سورة توبه آية 72.
[10] في دعاء كميل نقرأ هذا الاسم الإلهي: «يَا سَرِيعَ الرِّضَا، اغْفِرْ لِمَنْ لَا يَمْلِكُ إِلَّا الدُّعَاءَ».
[11] ابن فهد الحلي، أحمد بن محمد، عدة الداعي ونجاح الساعي، ص 148. نص الرواية:
«رُوِيَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا حَاسَبَ الْخَلْقَ يَبْقَى رَجُلٌ قَدْ فَضَلَتْ سَيِّئَاتُهُ عَلَى حَسَنَاتِهِ فَتَأْخُذُهُ الْمَلَائِكَةُ إِلَى النَّارِ وَهُوَ يَلْتَفِتُ فَيَأْمُرُ اللَّهُ تَعَالَى بِرَدِّهِ فَيَقُولُ لَهُ: لِمَ تَلْتَفِتُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ مَا كَانَ هَذَا حُسْنَ ظَنِّي بِكَ. فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: مَلَائِكَتِي وَعِزَّتِي وَجَلَالِي مَا أَحْسَنَ ظَنَّهُ بِي يَوْمًا وَلَكِنِ انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ لِادِّعَائِهِ حُسْنَ الظَّنِّ بِي».
[12] سورة مرسلات آية 36.
[13] سورة حديد آية 12.
[14] سورة حديد آية 13.
[15] سورة تحريم آية 8.
[16] سورة حديد آية 20.
[17] سورة بقره آية 45.
[18] في بعض الروايات قيل إن الصبر في هذه الآية بمعنى الصوم، والصوم أحد مصاديق الصبر.
[19] سورة الرحمن آيات 1 إلى 4.
[20] سورة حجر آية 28.
[21] سورة بقره آية 30.
[22] سورة بقره آيات 31 إلى 33.
[23] سورة أنفال آية 42.
[24] سورة نساء آية 165.
[25] سورة طه آية 134.
[26] «لولا أرسلتَ إلينا رسولًا منذرًا، وأقمتَ لنا علمًا هاديًا فنتّبع آياتك من قبل أن نذلّ ونخزى».
[27] سورة آل عمران آية 138.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





