المنسيّون في التاريخ؛ حوار الأستاذ علي أبوالحسني (منذر) مع آية الله السيد عباس الكاشاني (رضوان الله عليه)
حوزة / إن آية الله السيد عباس الكاشاني (ره) قد أظهر في ذكرياته عظمة فقيهاء الشيعة وكراماتهم؛ من مقام العلامة المجلسي الرفيع، ومظلومية الشيخ فضل الله النوري، إلى زهد الشيخ حسين اللنكراني وشجاعته، وفضائل آية الله السيستاني العلمية والروحانية، التي بقيت أكثرها مجهولة لدى الأكثرين.
إلى أهل الأسرار لا يخفى أن كثيراً من خفايا التاريخ لا تُستخرج من زوايا المكتبات فحسب، بل من صدور أهل الاطلاع والخبرة. وفي هذا السياق، فإن التاريخ الشفوي – ولا سيما ذكريات علماء الدين – مفتاح لحل كثير من زوايا تاريخ التشيع. وإذا كان الحديث مع رواة كان لهم شهرة، وقد غيبتهم المنية في ثرى الأرض، فإن جمال كلامهم يتضاعف ويزداد رونقاً. والكتابة الحاضرة من هذا النوع بعينه.
ما تقرؤونه هو حوار لم يُنشر من قبل، أجراه المرحوم الأستاذ علي أبوالحسني (منذر) مع المرحوم آية الله السيد عباس الكاشاني (ره)، أحد أساتذة الأخلاق في الحوزة العلمية. وقد مر على هذا الحوار الجميل 24 سنة. تم اللقاء في صباح شتوي بارد في منزل آية الله الكاشاني القديم (شارع صفائية)، ولكن من أجوائه يظهر أنه كان مجلساً حاراً غنياً بالفوائد والبركات. والآن في مطلع شهر رمضان المبارك، نسأل الله تعالى لروحي هذين العظيمين – اللذين صارا هما أيضاً جزءاً من تاريخ الحوزات العلمية – علو الدرجات. روحاهما سعيدان، وهمتهما قدوة دائمة.
المنسيّون في التاريخ؛ حوار الأستاذ علي أبوالحسني (منذر) مع آية الله السيد عباس الكاشاني (ره)
[نحن في بيت آية الله السيد عباس الكاشاني في قم (2 آذار 2002 ميلادي)، لنسأله عن المسموعات والذكريات في مواضيع متنوعة. إن شئتم نبدأ الحديث من المحدث الخبير المرحوم العلامة المجلسي وحقه العظيم على الشيعة. تعلمون أنه في العقدين الرابع والخامس من القرن الماضي هاجم بعض المدعين لمعرفة الإسلام العلامة المجلسي بهجمات شديدة. وكانت هذه الهجمات ناشئة عن فهم معكوس لسيرة الفقهاء الشيعة السياسية والاجتماعية، وعن تصور خاطئ لشخصية المرحوم العلامة وخدماته. وبالطبع كان لهذه المعاملة خلفيات إيديولوجية غذتها. من جهة وضع الإنكليز – من السير جون ملكم إلى السير برسي سايكس وإدوارد براون – أساس الاتهامات ضد العلامة، وأسسوا هذا الجو في المؤلفات التاريخية وزرعوا الشبهات في الأذهان. ومن جهة أخرى، مع انتشار الأفكار الماركسية وتفسير الماركسيين الخاص للثورية في ذلك الزمان، أدى ذلك إلى مهاجمة عظماء مثل خواجة نصير الدين الطوسي والعلامة المجلسي وربما آية الله العظمى الميلاني من قبل بعض رموز التنويرية. ومن الطبيعي أن هذا الجو كان ثقيلاً على علماء الحوزة. إن كان لديكم ذكرى في هذا المجال أو رد فعل علماء ذلك الزمان، تفضلوا].
[آية الله النجفي المرعشي ورؤياه العجيبة عن العلامة المجلسي (ره)]
آية الله الكاشاني: نعم. عندي ذكرى تتعلق بالمرحوم آية الله النجفي المرعشي. قال لي: «كنت شديد العشق للعلامة المجلسي. وخصوصاً حينما أتذكر عباراته كنت أتعجب من أن بعضهم يجرؤ ويقول كلاماً وقحاً في حقه. حسناً، إن سدس بحار الأنوار هو «الفقه». فلما نظرت في فقه المجلسي رأيته في غاية الجودة، وله آراء عميقة دقيقة حقاً. ذات ليلة توسلت كثيراً إلى السيدة الصديقة فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) أن تريني مقام العلامة المجلسي في البرزخ. فرأيت في المنام أنني ذهبت إلى [مقبرة] وادي السلام [في النجف الأشرف] لأقرأ الفاتحة على جميع المؤمنين وأساتذتنا والفقهاء الذين هناك. فرأيت وادي السلام صحراء لا حد لها ولا حصر. بيد أنها مملوءة بالعمائم؛ كلها من أهل العلم. وكأنني في عالم المنام أعرف الجميع. الشيخ الكليني، الشيخ الصدوق، الشيخ المفيد، سلار، ابن حمزة، كبار مشهد؛ الجميع. وكان في هذا الجمع شيخ أراه وهو الميرزا حسين النوري [صاحب المستدرك]. أنا لم أدرك الميرزا حسين النوري، لكنني كأنني رأيته وأعرفه! فرأيت أمامي، نحو القبلة، باباً مهيباً عظيماً من الخاتم. وشخص واقف عند الباب والباب مغلق. فقلت للميرزا النوري: أين هذا المكان؟ فقال: قطعة من وادي السلام في النجف. فرأيت أنه لا آثار قبور فيها. لكن الهواء والجو فيها طيب جداً ومؤنس، يحب الإنسان ألا يفارقه. فقال الميرزا النوري: أرواح المؤمنين الشيعة من أي مكان في الدنيا كانوا، بعد الوفاة ينقلون إلى وادي السلام ويتنعمون فيه إلى يوم القيامة. واليوم أذن النبي الأكرم والأئمة الأطهار والسيدة الزهراء (سلام الله عليهم أجمعين) إذناً عاماً بلقاء نوابهم. وخلف هذا الباب بستان، والنبي الأكرم والأئمة والسيدة الزهراء (ع) في ذلك البستان. والذي يقف عند الباب هو العلامة المجلسي. العلامة المجلسي هو الواسطة بين النبي والأئمة وعلماء الشيعة. والنبي نفسه (صلى الله عليه وآله وسلم) لقب العلامة المجلسي بـ«باب الأئمة». هذا رآه السيد النجفي بنفسه في المنام. وكان العلامة المجلسي ينادي الرجال زوجاً زوجاً: محمد بن يعقوب الكليني والصدوق، الشيخ المفيد والشيخ الطوسي مثلاً، السيد الرضي والسيد المرتضى. فيذهبون زوجاً زوجاً للقاء النبي.
قال: من هول ومهابة المشهد الذي رأيته في ذلك المكان استيقظت مذعوراً، فسجدت شكراً لله أنه إن أردت أن أخبر جميع حوزة النجف وقم بهذه اللمحة عن العلامة المجلسي، فقد وهبني الله أن أرى باطن المجلسي وخدماته للمذهب الشيعي». ثم قال السيد النجفي: «بعضهم جائرون وبعضهم مساكين. لم يعرفوا المجلسي فحسب، بل لم يعرفوا الأئمة الأطهار أنفسهم». نعم، حق الأئمة الأطهار كما كانوا عليه لم يعرف، والناس [لا يعرفون مقاماتهم القدسية، لذا] يظنون أن الأئمة [في أقصى الحال] أعلى قليلاً من السيد البروجردي؛ ولا أكثر! أما المقام الظاهري فربما لا يبلغ مقدار إنسان عادي. وحين ننظر في التاريخ نرى الوقاحات التي وردت على شخص النبي (ص) وعلى شخص الأئمة الأطهار (ع). فالله تعالى يظهر أحياناً لحجة من حججه لإتمام الحجة.
[مقام آية الله الشيخ فضل الله النوري]
الأستاذ منذر: سؤالي الآخر عن المرحوم الشيخ فضل الله النوري. إن كان لديكم شيء في ذهنكم عن مقاماته العلمية والمعنوية، تفضلوا.
آية الله الكاشاني: واحد ممن أعشقهم كثيراً ولم يعرف حقه في التاريخ هو الشيخ فضل الله النوري. للعلماء قاعدة: «هل وضع الشيء فيما وضع له أم في غير ما وضع له»؟ الناس يظنون أن الشيخ فضل الله كان مجرد عالم مجاهد، ولو لم يقم بهذا الجهاد لما نال هذه الأهمية؛ لا، بل بالعكس. لو لم يقم بهذا الجهاد لكان أشهر بكثير. إن الشيخ فضل الله النوري فقيه عظيم الشأن جداً. لم ير في محضر كبار العلماء يطرح فرع إلا وغلب شيخنا النوري على أولئك العلماء . مثل السيد أبوالقاسم الكاشاني الذي لي معه قرابة فأذكره. كان علماء النجف يقولون بالإجماع إن مثله قليل. المرحوم الكاشاني هو الذي كان الميرزا الشيرازي يقول إنه مجتهد ويوصي بالاستفادة منه.
الأستاذ منذر: تقصدون الميرزا الشيرازي الثاني.
آية الله الكاشاني: نعم. أريد أن أتحدث عمن يحرمون بسبب قيامهم بالجهاد. كان الشيخ فضل الله النوري رجلاً جليلاً ذا عظمة كبيرة. وتنقل عنه ملكات أخلاقية وقضايا.
الأستاذ منذر: إن كان شيء من هذه القضايا في ذهنكم، تفضلوا.
آية الله الكاشاني: لم يؤد حق الشيخ فضل الله النوري بعد. سأذكر الآن جزءا منه. سمعت عمن رأى بعينه وحضر المسألة.
الأستاذ منذر: من هو؟
آية الله الكاشاني: سأقول الآن. ذات يوم جاء رجل إلى بيت السيد الحكيم[1]. أكرمه السيد الحكيم كثيراً، أجلسه في مكانه. رأى الناس أن السيد الحكيم لم يكرم أحداً هكذا من قبل. كان شيخاً سبعينياً يكرمه غاية الإكرام. قضى ساعة هناك ثم قال: يجب أن آتي. فقرر السيد الحكيم أن يعلق الدرس غداً إكراماً له ويلتقيه. ثم تبين أنه واحد من «المنسيين في التاريخ»، اسمه السيد حسن تهامي البيرجندي[2]. قبره الآن مزار.
الأستاذ منذر: أين قبره الآن؟
آية الله الكاشاني: في بيرجند[3]. مغمور.
الأستاذ منذر: يبدو أنه أخو المرحوم الأستاذ السيد محمد فرزان. كان له أخ آية الله ورجل راسخ.
آية الله الكاشاني: لا أدري. قال السيد الحكيم إنه في درس النائيني كان هناك فضلاء أدباء فائقون يتحدثون. وكان في مقدمتهم. وفي الأيام التي لا يحضر فيها النائيني الدرس كان يقول له: اجلس مكاني ودرس. أنا لم أكن أعرفه. فلما ذكره السيد جاءت الحوزة لزيارته. وفي ذلك اليوم الذي ذهبنا فيه، جاء الحديث عن الشيخ فضل الله النوري فبكى. وهنا أقول: لم يكتبوا. ليس الأمر أنهم شنقوه وحملوه ودفنوه؛ لا. نقل أنه بعد أن بقي جثمان الشيخ فضل الله مدة على المشنقة، شق على كثير من مقلديه ومريديه أن يبقى سيدهم معلقاً… فلما أنزلوه من المشنقة[4] وجدوا أنه قد فارق الحياة. هذا لم أقرأه. قال: بعد أن شنقوا المرحوم الشيخ فضل الله النوري، أخفوا [جثمانه] في كاروانسراي… مجتهد شيعي يصل إلى هذه الحال… ثم في غفلة منتصف الليل أتوا بجثمانه سراً بثلاثة أشخاص غرباء مظلومين إلى قم ودفنوه في هذا الركن من الصحن في تلك الغرفة[5]. وكانت هناك مستودع الصحن؛ مثل إحدى حجرات الصحن.
[آية الله الشيخ حسين اللنكراني]
الأستاذ منذر: حتى الآن نشرت عدة كتب عن المرحوم الشيخ فضل الله النوري، ونقلت فيها عن المرحوم الشيخ حسين اللنكراني – الذي كان والده (الشيخ علي اللنكراني) من خواص الشيخ – بعض المطالب. لا بأس أن تشير إليه أيضاً.
آية الله الكاشاني: نعم، كان رجلاً صالحاً. عندي عنه قصص كثيرة. المرحوم الشيخ حسين اللنكراني من أكثر الشخصيات مظلومية بين الشيعة. كان الشيخ حسين قليل المجيء إلى قم، وهذا خسارة. لكنه كان يوليني عناية كبيرة. أصر كثيراً على أن أبقى في طهران. وفي ليلة أبقاني عنده بالقوة.
الأستاذ منذر: أين؟ في منزله في غلوبندك أم في كوچه غورخانه؟
آية الله الكاشاني: غلوبندك. عند النوم رأيت هذا الشيخ المعمر – قريب من المئة سنة – ينهض بتلك الحالة الجسدية، فيخرج مسدسه ويضعه تحت وسادته. وتحت الوسادة كان هناك مسدس آخر سعة ستين طلقة. وكان وحيداً في البيت، لم يكن معه أحد سواي. فلم أتمالك نفسي فقلت: يا آقا، ما هذا المسدس؟! قال: عندي أعداء كثيرون. قلت: هل حصل هجوم عليك سابقاً؟ قال: نعم، جاؤوا كثيراً لكنهم لم ينجحوا.
الأستاذ منذر: رحمه الله، وكان يبذل جهداً عظيماً في الدفاع عن ولاية أهل البيت عليهم السلام.
آية الله الكاشاني: كان المرحوم اللنكراني شخصية بكّاء. في طول عمري رأيت شخصين فقط كانا يبكيان ويضحكان بطريقة فائقة، وبكاؤهما وضحكهما متلازمان متقاربان: الشيخ حسين اللنكراني في طهران، وآقا الشيخ غلامرضا في يزد. كان كلاهما يرويان قصة أو يمزحان فيضحكان ضحكاً عالياً ويضحكان الآخرين، ثم لا يلبثان أن يذكرا مصيبة من مصائب أهل بيت النبي (عليهم السلام) فيبكيان بكاء غزيراً كالمطر ويبكيان الآخرين. هذه الكنوز حرام أن تذهب سدى، ومحاسن هؤلاء كثيرة في المتناول. حتى الآن تمكنت من جمع نحو 417 أو 418 من «المنسيين» من بين الكتب، والشيخ حسين منهم. ولو طبعناه يظنون أننا فعلنا ما يغضب.
الأستاذ منذر: أي أنك كتبت شيئاً عن المرحوم اللنكراني أيضاً؟
آية الله الكاشاني: نعم.
الأستاذ منذر: إن أمكن أن ألقي نظرة على ما كتبته حضرتكم عن المرحوم اللنكراني سيكون حسناً، فأنا منذ مدة أكتب عنه.
آية الله الكاشاني: على العين والرأس. حقاً خسارة، لأن هؤلاء مفاخر التاريخ. كان مبدئي ألا أترجم لكل إمام جماعة، بل لمن يكون عظيما من عظام الشيعة وفقيهاً من أوزانها. الشيخ ملا قربانعلي زنجاني [من فقهاء المشروطة في زنجان في عصر المشروطة] من هؤلاء أيضاً. هو تقريباً من المنسيين في التاريخ، والناس يظنون أنه كان مجرد عالم تقي. لهذه الطبقة خدمات عظيمة.
[حالات العلامة الشعراني]
ذات مرة مدح أحد فضلاء النجف أحد علماء طهران – الشيخ أبوالحسن الشعراني – مدحاً كثيراً. فاشتقت لرؤيته. قررت في صيف ذلك العام أن آتي طهران وأحضر درسه عن قرب. كنت حينئذ دون الثلاثين سنة. جئت طهران وسألت عن منزله. كان له بيت متواضع بالٍ جداً. عمامة صغيرة جداً ولحية قصيرة جداً، فظننت في أول الأمر أنه خادم الشيخ! حقاً بعد يومين أو ثلاثة أصبحت مغرماً به؛ فبقيت سبع أو ثماني سنوات آتي طهران ثلاثة أشهر كل سنة وأحضر درس الشيخ الشعراني. هناك تعرفت على الأستاذ حسنزاده آملي. كان حينئذ طالباً شاباً يحضر درس الشيخ. رأيت بنفسي أن الشيخ الشعراني – المجتهد الحكيم – كان يصحح الكتب ليعيش. لا يأخذ سهم الإمام. كانت المطابع تطبع كتب العلماء فيصحح هو أخطاءها. كثيرون نعرفهم على صورة أخرى بينما هم على صورة أفضل. مثلاً يقولون إن الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء كان «عالم سطحي»، وكل حديثهم عن شجاعته وبلاغته؛ لا، كان فقيهاً جيداً، أصولياً جيداً، فيلسوفاً جيداً. أما في الكلام فقد يتكلم بقال ببلاغة أيضاً؛ وهذا لا يدل على العلمية. أو مثلاً السيد أبوالحسن الإصفهاني.
[عظمة آية الله السيد أبوالحسن الإصفهاني]
روى لي السيد الگلپايگاني بنفسه – بحضور الشيخ (لطف الله) الصافي – قصة لا أستطيع الآن أن أرويها كلها، لكن هذه القطعة تكفينا. قال السيد الگلپايگاني: رأيت في المنام أن شخصاً جاءني وقال: أمير المؤمنين (عليه السلام) داخل الضريح وهو يطلبك. ذهبت مسرعاً فرأيته داخل الضريح جالساً على كرسي، وأمامه قدح كبير من البلور مملوء عسلاً، وطاولة صغيرة أمام حضرته. سلمت وأظهرت له الأدب والاحترام. فقال: يا سيد محمدرضا، كل إصبعاً من هذا العسل. فمددت يدي وأكلت مقدار إصبع، وبما أنني كنت أحضر درس السيد أبوالحسن… قلت: هل تأذن لي أن آخذ إصبعاً للسيد أيضاً؟ فنظر إلي أمير المؤمنين (ع) وابتسم وقال: أعطينا السيد العسل!
هذه منقبة. هذه الأمور ضاعت، ولا تكتب في التراجم، وينقل بدلاً منها قصص واهية لا أساس لها. التوقیع الذي ورد للسيد أبوالحسن كان من الإمام الزمان: «ارجع إلى النجف الأشرف واجلس في دهليز بيتك»؛ لا تنشئ حجابا بينك وبين الناس. لا تجعل صهرك ولا ابنك حجاباً بينك وبين المؤمنين. وأرخص نفسك». الناس يتعاملون معك أنت، لا مع صهرك. «واقض حوائج المؤمنين، نحن ننصرك».
أظن أن من جمع أخلاق العلماء وكراماتهم واللطائف الدقيقة المسموعة والمشاهدة منهم، لصنع كتاباً مؤنساً جداً، أجمل من كثير من كتب القصص؛ كالشيخ المفيد مثلاً. لأنني كنت (أعيش) بين غير الشيعة؛ فوالله ما (وجدت) عندهم كرامة واحدة مثل كرامات الشيخ المفيد. ثلاثة أيام كان السنة والشيعة من أصحابه يصلون على جنازته. يقولون إن عدد المصلين بلغ الآلاف. هذا عدد كبير في ذلك العصر. ثم لما غاب الإمام (يبدو أن مراده: الإمام المهدي عليه السلام بعد أن صلى على الجنازة واختفى) نظر الناس إلى التراب فإذا مكتوب:
لا صَوَّتَ النَّاعِي بِفَقْدِكَ إنَّما
يَوْمٌ عَلَى آلِ الرَّسُولِ عَظِيمُ
إنْ كُنْتَ قَدْ غُيِّبْتَ فِي جَدَثِ الثَّرَى
فَالْعِلْمُ وَالتَّوْحِيدُ فِيكَ مُقِيمُ
وَالْقَائِمُ الْمَهْدِيُّ يَفْرَحُ كُلَّمَا
تُلِيَتْ عَلَيْهِ مِنَ الدُّرُوسِ عُلُومُ
هذه هي التي تحدث في النفس ارتعاشاً. تعلمون أن يوم وفاة النبي (ص) يسمى «يوماً عظيماً». والآن يطلق على يوم وفاة الشيخ المفيد أيضاً «يوم عظيم»! لو جمعت كل هذه الكرامات وانتقيت، لصارت شيئاً رائعاً. المقصود أن الكلام الرطب واليابس اختلط. إن شاء الله يقوم بهذا الأمر حضرتكم.
[مرجعية آية الله السيستاني]
الأستاذ منذر: هل كان لحضرتكم صداقة مع آية الله السيد علي السيستاني – المرجع الحالي؟
آية الله الكاشاني: نعم. كنت أتمنى أن أصادقه. فصادقته. كان يحضر درس السيد الحكيم والسيد الخوئي ودروس الجميع. لكن لا في مجلس ولا في مكان يرى. كان منشغلاً بعلمه. الشاهد أنه ذات يوم كان عند السيد الميلاني ضيافة. كان هناك سبعة أو ثمانية من علماء مشهد النابغين مثل الشيخ كاظم دامغاني…
الأستاذ منذر: والد هؤلاء المهدوي دامغانيين.
آية الله الكاشاني: نعم. الشيخ مجتبى القزويني، الشيخ هاشم القزويني، والميرزا جواد الطهراني كانوا في تلك الضيافة. هؤلاء علماء كبار ذلك الزمان. وكان ذلك السيد الشاب (السيستاني) موجوداً أيضاً. في الليل، قبل أن يدخلوا غرفة المكتبة للدراسة، جلسوا خمس دقائق أو عشر دقائق في المكان الذي يجتمعون فيه، فجاء الحديث عفواً عن السيد السيستاني. فذكر السيد الميلاني أحد أجداد السيد السيستاني العظام. رجل يدعى علم الهدى السبزواري، كان مجتهداً، عالماً كبيراً.
الأستاذ منذر: هل كان في مشهد أيضاً؟
آية الله الكاشاني: نعم. كان أولاً في كربلاء لكنه كان شديد العشق للسيد. فلما جاء السيد إلى مشهد جاء معه. قالوا: جده بمقدار السيد علي؟ قال: لا، أكبر من الجميع بكثير، كان فائقاً جداً. ثم قال السيد الميلاني بمعنى قريب: المرحوم السيد علي [المجتهد] السيستاني – جد هذا السيد علي السيستاني – قال بحضرة الشيخ عباس القمي عن السيد علي [من قبل]: إنه سيكون أحد رجال الإسلام؛ له شأن. هذه كرامة.
الأستاذ منذر: سمعت شيئاً مشابهاً من السيد المرواريد في مشهد. هل كان الحاضرون الذين ذكرتهم – الشيخ هاشم والشيخ مجتبى وغيرهم – موجودين حين نقل السيد الميلاني هذا الكلام؟
آية الله الكاشاني: نعم، كانوا جميعاً جالسين. وكانوا كلهم علماء. والسيد المرواريد نفسه كان جالساً.
الأستاذ منذر: إذن ربما نقلوه من هناك.
آية الله الكاشاني: ويبدو أن السيد محمد باقر الحجة[7] – الذي توفي قبل أيام – كان موجوداً أيضاً. كان هو أيضاً من العباقرة الذين لم يعرفوا. المقصود أن له شخصية. والآن في عالم الشيعة يقلدون السيد السيستاني. خارج إيران، في كل مكان تذهب إليه، له مقلدون.
كان السيد السيستاني متقدماً؛ في درس السيد الحكيم، درس السيد الخوئي، وكان رجلاً هادئ الصوت قليل الكلام. [مع أن] المكان العلمي هكذا: صياح، جدال، نقاش شديد. ومع هذه الجلالة كلها، هو الآن في سجن صدام! ليس سجناً؛ بل في بيته هو! قبل أيام جاء أحد علماء السعودية إلى هنا. قال: كنا في النجف. خرجنا من الحرم. هناك كلهم مقلدوه. أردنا الذهاب إلى بيته، فكم دفعنا من رشاوى [لأعوان صدام] وكم دفعنا من مال! [والعجيب] أن نرى مرجع المسلمين بهذه الحال! الخلاصة: ذهبنا إليه فعرفنا. قال: إن جئتم بمال لي فلا تعطوني شيئاً. تجار كربلاء والنجف يعرفون الجميع. أعطوه للتجار [ليوزعوه على الفقراء]. كيف وصلتم إلي؟ لا يسمحون لأحد بالمجيء إلي. قال: بمشقة. أعطيناهم مالاً وهدايا – حتى لو كانت محرمة عليهم – حتى أذنوا لنا بالوصول إليك! فقط زرنا الحرم ثم جئنا إليك. قال: فنهض من مكانه وعيناه تدمعان. تعجبنا: ما الذي حدث؟ نهضنا نحن أيضاً. ضمّنا وقال: هذه شفتاي منذ ثلاث سنوات لم تمس ضريح أمير المؤمنين (عليه السلام). حتى كنت أصعد السطح. هناك أفرش سجادة صغيرة وأجلس مقابل القبة. فجاؤوا ولحموا باب السطح أيضاً! لا أستطيع حتى الصعود إلى السطح. أريد أن أقبل هذا الوجه الذي لامس ضريح أمير المؤمنين (عليه السلام). رئيس الشيعة الآن يعيش بهذه الحال. حسناً، ما يدهشنا في سيرة الأئمة هو ذاته ما نراه اليوم: باب أبي حنيفة مفتوحا للذهاب والإياب، أما الإمام الصادق (عليه السلام) ففي زاوية البيت! والإمام الكاظم (عليه السلام) في زاوية السجن المظلم: «في ظلم المطامير في قعر السجون». هذا هو الفرق بين الحق والباطل! نعم، المقصود أن أكثر العلماء لهم مثل هذه المناقب. حسناً، أنا تعبت وأنتم تعبتم.
الأستاذ منذر: لا، بالعكس، استفدنا كثيراً ونشكركم.
الحواشي
[1] آية الله العظمى السيد محسن الحكيم (رضوان الله عليه).
[2] آية الله السيد حسن تهامي البيرجندي، أحد فقهاء الشيعة البارزين في التاريخ المعاصر لإيران، فضّل الزهد والخفاء على الثروة والشهرة مع سعة علمه وغزارة معرفته. ولد سنة 1314 هـ.ق (الموافق 1276 هـ.ش) في قرية سندادان، الواقعة على بعد 8 فراسخ من بيرجند. مسقط رأسه قرية في دهستان فخرود، تابعة لقضاء قهستان في محافظة خراسان الجنوبية. ومن وجوه هذه المنطقة حضرات الآيات: السيد غلامرضا، والسيد علي البيرجندي الخراساني، والأستاذ السيد محمد فرزان. بلغ السيد تهامي أعلى مراتب الاجتهاد بعد دراسته العلوم الدينية في بيرجند ومشهد والنجف الأشرف، ونال الاجتهاد من حضرات الميرزا النائيني والسيد أبوالحسن الإصفهاني (رضوان الله عليهم). وبعد عمر مديد في التدريس والجهاد في سبيل الخدمات الاجتماعية، فارق الحياة سنة 1385 هـ.ق (1344 شمسية). ولله الحمد، فإن مسؤولي محافظة خراسان الجنوبية يعدون الآن لعقد مؤتمر وطني لإحياء ذكرى هذا الفقيه الجليل وتعريف شخصيته وآثاره.
[3] حسب وصيته الشريفة، دُفن جثمان المرحوم البيرجندي في مسجد خيرآباد الجديد (المعروف بمسجد صاحب الزماني)، وهو أحد الآثار التي شيّدها بجهده وعلى نفقته في حياته.
[4] في كيفية إنزال جثمان الشيخ الشهيد من فوق المشنقة روايتان:
الأولى: رواية مدير نظام النوابي – وهو شاهد عيان على الحادثة – يرى أن انقطاع حبل المشنقة كان بسبب الرياح والعاصفة الشديدة التي كانت تهز الجثمان باستمرار، حتى انقطع الحبل فجأة من عنق الشيخ وسقط الجثمان على الأرض سقوطاً مفاجئاً. وقد ذكر ذلك بعد سنوات في حديث مع حفيد الشيخ فضل الله النوري (تندر كيا) (راجع: نهيب جنبش أدبي شاهين، للدكتور تندر كيا، دار نشر جريدة فرمان السياسية، بلا تاريخ، ص 250).
الثانية: رواية قهرمان ميرزا عين السلطنة، يقول فيها إنه بعد أخذ الإذن من الشيخ مهدي – وهو الابن العاق الذي كان يفرح عند إعدام أبيه – «أُنزل الجثمان ونُقل إلى بيته…» (راجع: يوميات عين السلطنة «قهرمان ميرزا سالور»، تحقيق مسعود سالور وإيرج أفشار، دار أساطير، طهران 1376 هـ.ش: ج 4، ص 2705).
والرواية التي نقلها آية الله السيد عباس الكاشاني تتفق أكثر مع رواية عين السلطنة.
[5] وفي رواية حفيد الشيخ – تندر كيا – في وصف كيفية نقل جثمان الشيخ فضل الله النوري (ره) إلى قم: نقل جثمانه بعد ثمانية عشر شهراً من استشهاده من بيت المرحوم إلى الحرم المطهر لكريمة أهل البيت (عليها السلام). (راجع كتاب سر دار «شهيد هرگز نمیمیرد»).
[6] آية الله الشيخ حسين اللنكراني، المعروف بالرجل العظيم في الدين والسياسة، كان رفيقاً لآية الله السيد حسن مدرس في مجلس الشورى، ومن الأصدقاء المقربين للإمام الخميني (رضوان الله عليه). ولد حوالي سنة 1310 هـ.ق في طهران، وعاش أكثر من مئة سنة، فتوفي فجر يوم الجمعة 19 خرداد 1368 بعد أداء صلاة الصبح، وشُيّع تشييعاً عظيماً في حرم السيد عبدالعظيم الحسني (عليه السلام) بجوار مرقد آية الله الملا علي كني، ثم وُضع في ثرى الأرض. قضى معظم عمره في مقاومة الاستعمار – ولا سيما بريطانيا – وكان من رواد مكافحة الوهابية والبهائية والكسرویة. وبحسب شهادة أهل النظر، كان الأستاذ منذر (رضوان الله عليه) أبرز تلاميذ الشيخ حسين اللنكراني، وقد نقل الكثير من مشاهداته وتجاربه التاريخية موثقة في مؤلفاته. وقد نشر مقالات في مجلة «تاريخ معاصر إيران» (من سنة 1381 إلى 1385 هـ.ش، الأعداد من 21 إلى 37) أظهر فيها بوضوح فكر الشيخ اللنكراني وجهوده.
[7] آية الله السيد محمد باقر حجة الطباطبائي (رضوان الله عليه)، فقيه من أسرة صاحب الرياض العلمية، أقام سنوات طويلة في المدينة المقدسة مشهد. وكما جاء في ترجمته، كان من تلاميذ العلماء الأعلام: آقا ضياء العراقي، والغروي الإصفهاني، والبروجردي، والخوئي، والميلاني (رضوان الله عليهم). توفي المرحوم في 27 ديماه 1380 شمسية.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





