فقرات من دعاء الجوشن الکبیر تُبرز التأكيد على عظمة الله وخضوع جميع المخلوقات له؛ فجميعها خاضعة لقوته وعزته، تتفتت الجبال من تجلّيه، وتقوم السماوات والأرض بأمره، بينما الإنسان وحده يمتلك القدرة على الاختيار، فيطيع أو يعصي، والله سبحانه لا يظلم أحدًا.

وبحسب تقرير وكالة الحوزة، فإن دعاء الجوشن الکبیر يعد من الأدعية البارزة والمعتمدة عند الشيعة، وقد نُقل في مؤلفات مثل إقبال الأعمال ومصباح المتهجد، وحظي بمكانة مرموقة في مفاتيح الجنان. ويكتسب هذا الدعاء أهمية خاصة في ليالي القدر، ويركز محوره على الذكر: «خَلِّصنا مِنَ النار»، أي طلب النجاة من النار وطلب المغفرة من الله تعالى.

«يَا مَنْ تَواضَعَ كُلُّ شَیْءٍ لِعَظَمَتِهِ، یَا مَنِ اسْتَسْلَمَ كُلُّ شَیْءٍ لِقُدْرَتِهِ، یَا مَنْ ذَلَّ كُلُّ شَیْءٍ لِعِزَّتِهِ، یَا مَنْ خَضَعَ كُلُّ شَیْءٍ لِهَیْبَتِهِ، یَا مَنِ انْقادَ كُلُّ شَیْءٍ مِنْ خَشْیَتِهِ، یَا مَنْ تَشَقَّقَتِ الْجِبالُ مِنْ مَخافَتِهِ، یَا مَنْ قامَتِ السَّمَاوَاتُ بِأَمْرِهِ، یَا مَنِ اسْتَقَرَّتِ الْأَرَضُونَ بِإِذْنِهِ، یَا مَنْ یُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ، یَا مَنْ لَایَعْتَدِي عَلیٰ أَهْلِ مَمْلَکَتِهِ»

توضح هذه الفقرات حقيقة أن الله سبحانه وتعالى معروف بعظمته وجبروته وكونه لازم الطاعة في جميع أنحاء العالم وبين كل المخلوقات. فجميع الكائنات تعترف بعظمته وتخضع له، بينما الإنسان وحده يختلف عن باقي المخلوقات لأنه يمتلك الاختيار.

يقول القرآن الكريم: ﴿لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الأَرْضِ﴾ – كل ما في السماوات والأرض خاضع لله.

ولكن حين يصل الأمر إلى قلب الإنسان وروحه، يُوجَّه له القول: ﴿فَلَهُ أَسْلِمُواْ﴾ – فليخضع الإنسان لله.

جميع المخلوقات تُسبّح بحمد الله: ﴿إِنْ مِنْ شَیْءٍ إِلا یُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾

أما الإنسان، فيُوجَّه له القول: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلی﴾ أو ﴿وَ سَبِّحُوهُ بُکْرَةً وَ أَصِیلاً﴾.

فالإنسان كائن فريد في هذا العالم، فإذا سار في الطريق الصحيح، ينسجم مع جميع المخلوقات ويصبح في رأسها، فيصبح خليفة الله على الأرض. وإذا سار في الطريق الخطأ، ينخفض عن جميع ذرات هذا العالم، لأن جميع الكائنات تعترف بعظمة الله وتسبّح وتحمده، بينما الإنسان العصيان قد لا يقوم بذلك. ومع ذلك، فإن أجزاء وجوده مثل خلايا جسمه تسبّح الله، لكن قلبه وروحه له وضع خاص وفريد.

  • يَا مَنْ تَوَاضَعَ كُلُّ شَيْءٍ لِعَظَمَتِهِ

أي: يا من جميع المخلوقات خاضعة لعظمته، متواضعة ومذلولة. السماوات، البحار، الجبال، الطيور، وكل شيء، باستثناء الإنسان، قد خضع لعظمته. أي أن جميعها قد أدركت عظمته وأحست بصغرها، فتواضعت. وإذا أدرك الإنسان عظمة الله أكثر، وأدرك صغر نفسه واعتماده عليه، فإن النتيجة لا بد أن تكون التواضع الكامل.

  • يَا مَنْ اسْتَسْلَمَ كُلُّ شَيْءٍ لِقُدْرَتِهِ

أي: يا من جميع المخلوقات قد سلّمت لقوته. فالمخلوقات حين تدرك عظمة الله تتواضع، وحين تدرك قدرته تستسلم. وما معنى الاستسلام؟ يعني أنها لا تعارض ولا تقاوم، فلا يقوم الإنسان حين يستسلم بالمعارضة أو المقاومة.

  • يَا مَنْ ذَلَّ كُلُّ شَيْءٍ لِعِزَّتِهِ

أي: يا من جميع المخلوقات ذليلة أمام عزته. أمام العظمة تتواضع المخلوقات، أمام القوة تستسلم، وأمام العزة تذل. أي أن جميع الكائنات حين تقارن نفسها بعزته تدرك أنها بلا عزة حقيقية، فتصبح خاضعة له. كما ورد في القرآن الكريم:
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾
فجميع المخلوقات تدرك أنه لا عزة لها إلا من عند الله، فالذل هنا يعني الطاعة والامتناع عن التكبر أمامه.

  • يَا مَنْ خَضَعَ كُلُّ شَيْءٍ لِهَيْبَتِهِ

أي: يا من كل شيء خاضع لهيبته وعظمته الظاهرة. الخضوع قريب جدًا من التواضع، والفرق أنه خضوع ظاهر يُرى في السلوك والهيئة. مثل أن نقف أمام شخص ما بتواضع ظاهر، أو ننظر إلى وجهه بخشوع، أو نستمع له بتواضع؛ هذا يُسمّى خضوعًا.

  • يَا مَنْ انْقادَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ خَشْيَتِهِ

أي: يا من كل شيء يطيع خشيةً من الله. لا يمكن لأي مخلوق أن يُدرك عظمة الله ويخلص له دون أن يكون في قلبه خشية لله. يقول الله تعالى:
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾
فالعلماء من بين عباد الله هم الذين لهم خشية حقيقية لله، لأنهم يعرفون الله حق المعرفة. كل من عرف الله حق المعرفة، خافه حق الخوف. جميع المخلوقات، باستثناء الإنسان، تعرف الله وتسبحه وتخشاه ضمن ما وسعها. أما الإنسان فيمكنه بلوغ أعلى درجات الخشية إذا اجتهد وسعى لذلك، فتكون هذه المرحلة أرقى درجات خشية الله.

  • يَا مَنْ تَشَقَّقَتِ الْجِبَالُ مِنْ مَخَافَتِهِ

أي: يا من الجبال تتفتت وتتلاشى من رهبة وعظمة الله.

عظمة تجلّي الله تعالى

هذا التفتت والانهيار للجبال قد يكون بصورة عامة، وقد يشير إلى حادثة موسى عليه السلام حين قال لله: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾
فأجابه الله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾. أي: موسى، لن تستطيع رؤيتي، ثم قال: ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾

فانهار الجبل وسقط موسى صعقًا على الأرض. فهذا يدل على أن الجبل لا يطيق عظمة الله، مع أنّ التجلّي كان واحدًا فقط.

وكذلك ما جاء في القرآن الكريم في سورة الحشر: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾

وفي آية الأمانة، آية 72 من سورة الأحزاب:
﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾

فمن ذلك يتضح، سواء في حادثة موسى أو بصورة عامة، أن عظمة الله عند تجلّيها على الجبال تجعلها خاضعة، متفتتة، مستسلمة أمام القدرة والعظمة الإلهية.

  • يَا مَنْ قَامَتِ السَّمَاوَاتُ بِأَمْرِهِ

أي: يا من السماء قائمة بأمره. السماء مرتفعة، والكواكب والنجوم في مداراتها تتحرك بدقة تامة في نظام محكم، فمن أرسل هذا النظام ليبقى قائمًا ويجري بشكل منظم؟ هذه القدرة الإلهية هي التي تحفظ توازنها وتحركها دون تصادم أو سقوط.

  • يَا مَنْ اسْتَقَرَّتِ الأَرْضُونَ بِإِذْنِهِ

أي: يا من الأرض قائمة ومستقرة بإذنه. هذه الأرض أو هذه الأراضي المقصودة قد تكون القارات الخمس مع قطبيها الشمالي والجنوبي، أو قد تشير إلى سبع أراضٍ لكل سماء من السماوات السبع. كل سماء لما فوقها تُسمّى أرضًا، وما تحتها يُسمّى سماءً بالنسبة لها. فلو فرضنا وجود سبع سماوات، فلكل سماء أرض تناسبها. الاستقرار قائم بإذن الله، حتى تستطيع الحياة أن تنشأ على هذه الأرض.

  • يَا مَنْ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ

أي: يا من الرعد والبرق والعواصف وكل الظواهر السماوية تسبح بحمده. كما قال تعالى:
﴿إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾

  • يَا مَنْ لَا يَعْتَدِي عَلَى أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ

أي: يا من لا يظلم أهل ملكه. والمملكة هنا تعني كل الموجودات التي تحت سلطة الله تعالى. الله تعالى لا يظلم أحدًا، بل يعطي فوق الاستحقاق، ويغفر الأخطاء بفضله وكرمه. فكيف لله العليم القدير الرحيم أن يعتدي على من تحت ملكه، وهم جميع الموجودات التي تعتمد عليه في حياتها وأرزاقها؟

الملكية الإلهية

فإن أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ تعني جميع المخلوقات في هذا العالم التي تقع تحت ملك الله تعالى وسلطانه. والله سبحانه وتعالى لا يظلمهم، بل يعطيهم أكثر من العدل، وأكثر من استحقاقهم، ويغفر زلاتهم برحمته وفضله. الله يتصرّف بالفضل والإحسان، وله تفضّل وعطاء كريم.

فكيف له جل وعلا، الذي هو ذو فضل عظيم، رؤوف، أرحمَ الراحمين، أن يسيء إلى أهل ملكه، أي الذين هم تحت ملكه وسلطانه، أو أن يعتدي عليهم؟ ولماذا يعتدي عليهم؟ إن الاعتداء عمل ضعيف عاجز وسيئ النية؛ فالشخص الذي لا يملك القوة، أو العلم، أو النية الصالحة، هو الذي يظلم.

أما الله سبحانه وتعالى، فلا ضعف فيه ولا نقص، ولا يمكن أن يُقدِم على أدنى ظلم لمخلوقاته، الذين كل شيء لهم من عنده، مهما كانت شدة سلطانه وعظمته.

خلاصة المعنى

التركيز الرئيس في هذه الفقرة على عظمة الله تعالى من جهة، واعتراف جميع المخلوقات بهذه العظمة من جهة أخرى. فجميع المخلوقات تعترف بهذه العظمة، وتذعن لها، وعمليًا تطيع، وتنفذ كل ما يشاءه الله.

أما الإنسان والجن، فهم المخلوقات الوحيدة التي تملك الاختيار؛ قد يعترفون بعظمة الله ويطيعونه، أو قد يتجاهلون هذه العظمة ويعصونه، فلا يلتزمون بالطاعة.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل