كان يزيد يريد أن يُجبر الإمام الحسين عليه السلام على أن يترك موقعه الرسالي في هداية الناس وإرشادهم، وبدل أن يفضح ضلال ذلك الحكم الجائر ويكشف حقيقته، يطلب منه أن يأتي ليُوقّع على شرعية ذلك الحكم الظالم ويُقرَّه ويُزكِّيه. لكن الإمام الحسين عليه السلام أعلن موقفه الحاسم بقوله: «مِثْلِي لَا يُبَايِعُ مِثْلَهُ»؛ فالحسين لا يُمضي مثل هذا التوقيع.
إن الإمام الحسين عليه السلام يجب أن يبقى إلى الأبد رايةً للحق، ورايةُ الحق لا يمكن أن تصطفّ في صفّ الباطل، ولا أن تكتسب لونه أو تمنحه الشرعية.
وبحسب تقرير وكالة أنباء الحوزة، نتقدّم بأحرّ آيات العزاء والمواساة باستشهاد والد الأمة، وقائدها، ووليّ أمر المسلمين في العالم حضرة آية الله العظمى الإمام الشهيد السيد علي الحسيني الخامنئي (رضوان الله تعالى عليه)، الذي ارتقى شهيدًا بعزّة وفخار في شهر رمضان المبارك، إلى ساحة قدس الإمام المهدي (أرواحنا فداه).
وإلى الأمة الإسلامية، وجميع أحرار العالم، والمراجع العظام، والعلماء الأجلّاء، والشعب الإيراني العظيم.
ونقدّم لكم – أيها المعزّون – قراءةً في مختارات من آخر خطاب له قبل استشهاده.
العزّة والافتخار الحسيني
هذا العام هو عام «العزّة والافتخار الحسيني».
لكن ما طبيعة هذه العزّة؟ وبماذا يكون هذا الافتخار؟
من يعرف حركة الإمام الحسين بن علي عليه السلام، يدرك أيّ عزّة هي، وأيّ افتخار هذا.
يمكن النظر إلى هذه النهضة الحسينية الخالدة من ثلاثة أبعاد وثلاث زوايا، وفي كلّ بعد منها يبرز أكثر ما يلفت النظر: الإحساس بالعزّة، والسمو، والافتخار.
البعد الأول: مواجهة الحق للباطل المقتدر
أحد هذه الأبعاد هو مواجهة الحق في وجه الباطل المتسلّط، وهو ما تجسّد بوضوح في حركة الإمام الحسين عليه السلام الإصلاحية والثورية. فقد وقف وحده في وجه سلطة ظالمة فاسدة منحرفة، سلطة كان شعارها العملي:
«يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان».
ففي المجتمع الخاضع لها، كان التعامل مع عباد الله قائمًا على الظلم، والعدوان، والغرور، والاستكبار، والأنانية، وعبادة الذات. ولم يكن للمعنوية ولا لحقوق الإنسان أي وزن يُذكر.
لقد حُوِّلت الحكومة التي كان ينبغي أن تكون إسلامية إلى حكم طاغوتي، شبيه بالأنظمة الجائرة التي عرفتها البشرية قبل الإسلام وفي عصور مختلفة.
مع أن أبرز سِمات النظام الإسلامي، بل الركن الأوضح في المجتمع النموذجي الذي يسعى الإسلام لبنائه، هو طبيعة الحكم وسلوك الحاكم.
البعد الثاني: تجسّد المعنوية والأخلاق
البعد الثاني يتمثّل في تجسّد المعنوية والأخلاق في نهضة الحسين بن علي عليه السلام.
فهنا ساحة جهاد تتجاوز السياسة والعمل الاجتماعي والمواجهة العلنية بين الحق والباطل، لتدخل إلى باطن الإنسان ونفسه.
إنها ساحة صراع تُواجه فيها نقاط الضعف، والطمع، والدناءة، والشهوات، والأهواء النفسية التي تمنع الإنسان من الإقدام على الخطوات الكبرى. وهذا الميدان من أشدّ ميادين الصراع وأصعبها.
في هذه الساحة، نرى رجالًا ونساءً مؤمنين مخلصين، ساروا خلف الحسين بن علي عليه السلام، فسقطت الدنيا وما فيها، ولذّاتها وزينتها، من أعينهم أمام شعورهم بالمسؤولية والتكليف.
لقد غلبت المعنوية المتجسّدة في أعماقهم جنود الشيطان – أي جنود الجهل في مقابل جنود العقل، كما ورد في الروايات – فتحوّلوا إلى نماذج بشرية سامية، خالدة في سجلّ التاريخ.
البعد الثالث: المآسي والعزاء… ومع ذلك العزّة
أما البعد الثالث، وهو الأكثر تداولًا بين عامة الناس، فهو بُعد المصائب، والمآسي، والآلام، والدموع، وحرقة القلوب في عاشوراء.
لكن حتى في هذا المشهد المفعم بالحزن، تبقى العزّة والكرامة والافتخار حاضرة.
وأهل الفكر والتأمّل مدعوون إلى أن ينظروا إلى النهضة الحسينية من خلال هذه الأبعاد الثلاثة مجتمعة، لا من زاوية واحدة فقط.
كلُّ من يفرض القهر على شعبه أو على الشعوب الأخرى فهو سُلطةٌ استبدادية
بحسب تعبير كبار القوم في ذلك العصر، كانوا قد حوّلوا الإمامة إلى سُلطة. والإمامة تعني قيادة قافلة الدين والدنيا معًا؛ قافلةً تسير نحو غاية سامية واحدة، يتقدّمها قائدٌ يهدي السائرين، فإن ضلّ أحدهم أخذ بيده وأعاده إلى الطريق، وإن أعيا شجّعه على مواصلة المسير، وإن أُصيب داواه، وبذل العون المعنوي والمادي للجميع.
هذا هو معنى الإمام في الاصطلاح الإسلامي: إمام الهداية.
أمّا السُّلطة، فهي النقيض التام لذلك. والسُّلطة بمعنى الملك الوراثي ليست إلا نوعًا واحدًا منها؛ إذ قد يوجد في العالم من لا يُسمّى سلطانًا، لكن حقيقته تسلّطٌ وقهرٌ للناس. فكلّ من مارس القهر على شعبه أو على غيره من الشعوب، في أي حقبة من التاريخ، ومهما كان لقبه، فهو سُلطة استبدادية.
أن يدّعي رئيس دولةٍ ما، من دون أي استحقاق أخلاقي أو علمي أو قانوني، حقّ فرض إرادته، وتقديم مصالحه ومصالح الشركات الداعمة له على مصالح ملايين البشر، وأن يحدّد مصائر الشعوب، فهذا هو عين السُّلطة، سواء سُمّي سلطانًا أم لم يُسمَّ. وقد تجسّد هذا النموذج في الدول المستكبرة على مرّ العصور، ومظهره الأوضح في زماننا هو الولايات المتحدة الأمريكية.
مِثْلِي لَا يُبَايِعُ مِثْلَ يَزِيد
في عصر الإمام الحسين بن علي عليه السلام، كانت الإمامة الإسلامية قد حُوِّلت إلى هذا النمط من السُّلطة التي «تعمل في عباد الله بالإثم والعدوان». فوقف الإمام الحسين عليه السلام في مواجهة هذا الواقع. وكانت وسيلته في المواجهة البيان، والتنوير، والهداية، وتحديد الحدّ الفاصل بين الحق والباطل، سواء في زمن يزيد أو قبله.
غير أنّ ما استجدّ في زمن يزيد بن معاوية هو أنّ رأس الظلم والضلال لم يكتفِ بالحكم الجائر، بل توقّع من إمام الهداية أن يُضفي الشرعية على سلطانه. ومعنى البيعة هو هذا بعينه: أن يُمضي الإمام توقيع القبول. أراد أن يُجبر الإمام الحسين عليه السلام على أن يترك دوره في إرشاد الناس وكشف ضلال الحكم الظالم، وأن يأتي ليُقرّ ذلك الحكم ويُصدّقه. ومن هنا بدأ قيام الإمام الحسين عليه السلام.
لو لم يصدر هذا الطلب الجائر والأحمق من سلطة يزيد، لكان من الممكن أن يواصل الإمام الحسين، كما في زمن معاوية وكما فعل الأئمة من بعده، رفع راية الهداية، وإرشاد الناس، وبيان الحقائق. لكن الجهل والاستكبار والبعد عن القيم الإنسانية دفعوا تلك السُّلطة إلى خطوة أخطر: مطالبة الإمام الحسين عليه السلام بالتوقيع على الوثيقة السوداء التي تُحوّل الإمامة الإسلامية إلى سُلطة طاغوتية، أي المطالبة بالبيعة.
عندها أعلن الإمام موقفه الخالد: «مِثْلِي لَا يُبَايِعُ مِثْلَهُ»؛ فالحسين لا يُمضي مثل هذا التوقيع.
كان لا بدّ للإمام الحسين عليه السلام أن يبقى إلى الأبد رايةً للحق؛ ورايةُ الحق لا يمكن أن تصطفّ في صفّ الباطل ولا أن تكتسب لونه. ومن هنا صدح بندائه الخالد: «هَيْهَاتَ مِنَّا الذِّلَّة».
كانت حركة الإمام الحسين حركة عزّة: عزّة الحق، وعزّة الدين، وعزّة الإمامة، وعزّة الطريق الذي رسمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
لقد كان الإمام الحسين عليه السلام مظهر العزّة، ومن ثمّ صار مصدر فخرٍ واعتزاز. فليس الفخر لمن يقول كلمة الحق ثم يتراجع عنها، بل الفخر للإنسان، وللأمة، وللجماعة التي تثبت على كلمتها، ولا تسمح للعواصف أن تُسقط الراية التي رفعتها.
وقد أمسك الإمام الحسين عليه السلام بهذه الراية بقوّة، وثبت عليها حتى قدّم أعزّ أحبّته شهداء، وتحمّل أسر أهل بيته الكرام.
وهكذا تتجلّى العزّة والافتخار في بُعد الحركة الثورية الحسينية.
طريق الحسين طريق النصر والرضا
وفي بُعد تجلّي المعنوية يتجلّى الأمر على النحو نفسه. وقد ذكرتُ مرارًا أنّ كثيرين كانوا يراجعون الإمام الحسين بن علي عليه السلام ويعاتبونه على هذا الثبات والصمود. ولم يكونوا أناسًا أشرارًا أو صغارًا؛ بل كان بعضهم من كبار المسلمين، غير أنّهم أساؤوا الفهم، وغلبت عليهم نقاط الضعف البشرية. فأرادوا أن يُخضعوا الحسين بن علي لتلك الحسابات نفسها؛ غير أنّ الإمام الحسين عليه السلام صبر، ولم يُغلَب، وانتهى الأمر بأن انتصر هو، وانتصر واحدًا واحدًا كلّ الذين ساروا معه، في هذه المعركة المعنوية والباطنية.
تلك الأم التي دفعت بولدها الشاب إلى هذا الميدان وهي مفعمة بالفخر والرضا، وذلك الشاب الذي أعرض عن لذّات الحياة الظاهرية وسلّم نفسه لميدان الجهاد والمواجهة، وأولئك الشيوخ من أمثال حبيب بن مظاهر و**مسلم بن عوسجة** الذين تركوا راحة الشيخوخة، وفراش البيت الوثير، وتحمّلوا المشقّة والعناء، وذلك القائد الشجاع الذي كان له موقعه ومكانته في صفوف العدو، وهو الحر بن يزيد الرياحي، فتخلّى عن ذلك الموقع واختار الالتحاق بالحسين بن علي، كلّ أولئك خرجوا منتصرين في هذه المعركة الباطنية والروحية.
ثباتكم وصمودكم سبب انتصار جبهة الحق
في ذلك اليوم، لم يكن عدد الذين انتصروا في الصراع المعنوي بين الفضائل والرذائل الأخلاقية، وفي المواجهة بين جنود العقل وجنود الجهل، إلّا قليلًا؛ لكنّ ثباتهم وإصرارهم على الاستقامة في ذلك الميدان الشريف أدّى إلى أن يتعلّم آلاف وآلاف البشر عبر التاريخ ذلك الدرس، وأن يسلكوا الطريق نفسه. ولو أنّهم لم يُحقّقوا في نفوسهم غلبة الفضيلة على الرذيلة، لجفّت شجرة الفضيلة في التاريخ؛ لكنّهم سقوها بدمائهم وصبرهم، فرأيتم في زمانكم كثيرين انتصروا في داخلهم للفضيلة على الرذيلة، وقهروا أهواءهم النفسية بإحساس ديني صحيح، وببصيرة عقلانية واعية.
هذه المعسكرات، ومعسكر «دوكوهه» وسائر المعسكرات، وميادين القتال، وعموم البلاد، كانت شاهدًا على عشرات ومئات الآلاف من هؤلاء. واليوم أيضًا تعلّم الآخرون منكم؛ ففي أرجاء العالم الإسلامي ليس قليلين أولئك الذين هم مستعدّون لأن ينتصروا في داخلهم للحق على الباطل، وأن يُغلّبوا الحق في ساحة الصراع المعنوي.
إنّ صمودكم، سواء في زمن الدفاع المقدّس أو في سائر الاختبارات الكبرى التي مرّ بها هذا البلد، قد ثبّت هذه الفضائل في عصرنا. وعصرنا عصر الاتصالات القريبة؛ غير أنّ هذه الاتصالات ليست دائمًا في مصلحة الشيطان ومكائده، بل هي أيضًا في مصلحة المعنويات والأصول الأصيلة.
لقد تعلّم كثير من شعوب العالم منكم. وتلك الأمّ في فلسطين التي تُقبّل ولدها وتُرسله إلى ميدان القتال مثال واضح على ذلك.
لقد عرفت فلسطين على مدى سنين طويلة رجالًا ونساءً، شيوخًا وشبّانًا؛ لكن بسبب نقاط الضعف، ولأنّ جنود العقل لم يكونوا قادرين في ساحة الصراع المعنوي على الغلبة على جنود الجهل، وقعت فلسطين في الذلّ، وتسلّط عليها الأعداء. أمّا اليوم، فحال فلسطين مختلف؛ اليوم نهضت فلسطين، واليوم استطاع الشعب الفلسطيني، رجالًا ونساءً، في الصراع المعنوي الداخلي، أن يُغلّب جانب المعنوية وينتصر له، وهذا الشعب منتصر لا محالة.
وأمّا المشهد الثالث، وهو مشهد الفواجع والمآسي العاشورائية، ففيه أيضًا تتجلّى علامات العزّة، وتظهر معالم السموّ والافتخار. نعم، هو مشهد مصيبة وشهادة؛ فاستشهاد كلّ واحد من شباب بني هاشم، ومن الأطفال، والرضّع، ومن الصحابة الشيوخ حول أبي عبد الله الحسين عليه السلام مصيبة عظيمة وفاجعة كبرى، لكنّ كلّ واحدة من هذه المصائب تحمل في باطنها جوهرة عزّة وافتخار.
المواجهة والجهاد، بالنسبة للمسلم، تجسيدٌ للعزّة والكرامة والفخر والمباهاة
إن هذا الجمع الذي اجتمعتم فيه هنا، أغلبه من الشباب. وفي هذه المعسكرات العسكرية، ومنها المعسكرات المعروفة في زمن الدفاع، مرّ عشرات بل مئات الآلاف من الشباب وجاءوا وذهبوا.
فمن هو النموذج الأكمل للشاب المتفاني في كربلاء؟ إنه علي الأكبر بن الحسين، نجل الإمام الحسين بن علي عليهما السلام؛ ذلك الشاب الذي كان متميزًا بين شباب بني هاشم، مثالًا ونموذجًا. كان شابًا جمع بين الجمال الظاهري والكمال الباطني، وجمع بين المعرفة العميقة بحقّ الإمامة وولاية الحسين بن علي عليه السلام، وبين الشجاعة، والتضحية، والاستعداد لمواجهة شقاوة العدو. وقد بذل قوته، ونشاطه، وشبابه في سبيل هدفه السامي ومبدئه العالي.
وهذا أمر عظيم القيمة. فقد خرج هذا الشاب الفريد إلى ميدان العدو، ثم عاد جسده المضمخ بالدماء إلى الخيام أمام ناظري أبيه وأمام أعين النساء القلقات عليه. إن مثل هذه المصيبة والفاجعة ليست بالأمر الهيّن؛ غير أن نفس خروجه إلى الميدان، واستعداده للقتال، هو بحدّ ذاته تجسيدٌ للعزّة والكرامة والفخر والمباهاة عند المسلم.
ومن هنا يقول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾
وقد جسّد الحسين بن علي عليه السلام هذه العزّة الروحية عمليًا حين أرسل هذا الشاب إلى ساحة القتال؛ أي أنه ثبت راية السموّ وسيادة الإسلام، تلك الراية التي تبيّن الحدّ الفاصل بين الإمامة الإسلامية والسلطة الطاغوتية، ولو كان الثمن روح ولده العزيز.
من الأَولى بالتضحية والفداء؟
لقد سمعتم، وقد تكرّر ذلك كثيرًا في هذه الأيام، أن أصحاب الإمام الحسين عليه السلام كانوا إذا استأذنوا للذهاب إلى الميدان لم يكن الإمام يمنحهم الإذن على الفور؛ بل كان يمنع بعضهم، ويأمر بعضهم الآخر بالعودة والانصراف عن كربلاء. هكذا كان تعامله حتى مع شباب بني هاشم ومع خاصّة أصحابه.
لكن حين طلب علي الأكبر، الابن العزيز والمحبوب، الإذن للنزول إلى الميدان، لم يتردّد الإمام الحسين عليه السلام لحظة واحدة، بل أذن له فورًا. وهنا تتجلّى معرفة الابن، وعظمة مقام الأب.
ما دام الأصحاب موجودين، كانوا يقولون: نفديك بأرواحنا، ولا يرضون أن يتقدّم أحد من بني هاشم، من أبناء أمير المؤمنين أو الإمام الحسن أو الإمام الحسين عليهم السلام، إلى ساحة القتال. كانوا يقولون: نحن نخرج أولًا ونُقتل، فإذا استشهدنا جميعًا فحينئذٍ يكون الدور عليكم.
فلما بلغ الأمر مرحلة فداء بني هاشم واستشهادهم، كان أول من تقدّم طالبًا الإذن هو هذا الشاب الواعي المسؤول: علي الأكبر، ابن الإمام، وأقرب الناس إليه، فهو الأجدر بالتضحية قبل غيره.
وهذا أيضًا مظهر من مظاهر الإمامة الإسلامية. فهنا ليس موضعًا لتقسيم الدنيا، ولا لجمع المنافع المادية، ولا لتحصيل المكاسب الاقتصادية، ولا لإشباع الشهوات؛ هنا موضع الجهاد والمشقّة والتكليف. ولذلك كان أول من يتقدّم طوعًا هو علي بن الحسين، علي الأكبر.
وهذا يكشف عن عمق معرفته وبصيرته، كما يكشف في المقابل عن عظمة روح الإمام الحسين عليه السلام، إذ ما إن طلب ولده الإذن حتى أذن له، وتركه يمضي إلى ميدان الشهادة.
سبب عداوة المتسلّطين للإسلام
هذه الوقائع دروسٌ لنا؛ هي من الدروس الخالدة في التاريخ، وهي مما تحتاجه البشرية اليوم وغدًا. ما دامت الأنانية تحكم الإنسان، فإن ازدياد قدرته التنفيذية يجعله أشدّ خطرًا؛ وما دامت الأهواء النفسية متغلّبة عليه، وما دام لا يرى الوجود إلا من زاوية مصلحته الذاتية، فإن زيادة قدرته لا تزيده إلا شراسةً وضراوةً ووحشية.
وترون مصاديق ذلك ماثلة في العالم. ومن عظمة الإسلام أنّه لا يفتح سلّم السلطة لكل أحد، بل لا يسمح بالصعود إليه إلا لمن اجتاز ـ ولو في بعض المراحل ـ امتحان تزكية النفس وضبطها، وخرج منه مقبولًا. فالشرط الذي يضعه الإسلام لتحمّل المسؤوليات هو التحرّر من كثير من الأهواء والرغبات. ولذلك فإن على المسؤولين، قبل غيرهم، أن يراقبوا أنفسهم، وأن يضبطوا أيديهم وألسنتهم وأفكارهم وأبصارهم وأعمالهم؛ فالتقوى فيهم آكد وألزم.
فإذا سادت قلّة التقوى في إنسان، ازدادت خطورته على البشرية بقدر ما تزداد سلطته. وإذا كان زرّ تفجير القنبلة النووية بيد شخص لا تعنيه حياة البشر، ولا حقوق الأمم، ولا يرى في كبح الشهوات فضيلةً وقيمة، فإن خطره على الإنسانية عظيم. والذين يمتلكون اليوم في العالم الطاقة النووية والأسلحة الفتّاكة، كان ينبغي أن يكونوا أقدر الناس على السيطرة على أنفسهم وأهوائهم؛ لكن الواقع ـ مع الأسف ـ خلاف ذلك. إن الإسلام يطرح هذه الحقائق ويؤكّدها، وهذا بعينه هو سبب عداوة أصحاب القوة والنفوذ للإسلام.
آخر دعاء والد الأمة في حقّ الشعب
إلهي، في سبيل إحياء الآمال والمبادئ الإسلامية ثبّت أقدامنا يومًا بعد يوم. واجعلنا أكثر عزمًا وتصميمًا على سلوك هذا الصراط الإلهي الإسلامي الذي وضعته أمامنا. إلهي، وفّق الشعب الإيراني لبلوغ أهدافه الكبرى، وانصره عليها. ووفّق المسؤولين، وهم خدّام هذا الشعب، لأداء خدمتهم له على الوجه الأكمل. إلهي، اقهر أعداء هذا الشعب واكسر شوكتهم. إلهي، بحقّ محمد وآل محمد أفرح قلب وليّ العصر بنا، واجعل أرواح شهدائنا الأعزّاء راضيةً عنّا. إلهي، احشر أولئك الشباب الأعزّاء، وأولئك الأبطال الشجعان الذين قدّموا أرواحهم فداءً للأهداف السامية للإسلام في سنوات الدفاع المقدّس وما قبلها وما بعدها، في ميادين الجهاد الطويلة، مع نبيّك الكريم. واجعل هذا الشعب يومًا بعد يوم أكثر وفاءً وتقديرًا لهم. إلهي، أنزل لطفك وخيرك ورحمتك وفيضك على هؤلاء الناس.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





