من المؤكّد أنّ العدوّ يسعى إلى صناعة الاستقطاب والانقسام داخل المجتمع. وأمّا ما يجب علينا فعله فهو عين ما كان يشغل بال سماحة القائد، وقد أكّد عليه في معظم خطاباته خلال هذا العام، كما صرّح به بنفسه في رسالته بمناسبة رحيل الإمام، حيث قال:
«إن وحدة الكلمة ووحدة صفوف شعبنا، التي كانت سرّ انتصار الثورة، هي أيضًا سرّ بقائها وسلامتها واستمرارها. فاحذروا أن يُصنع الانقسام الثنائي داخل المجتمع».
وبحسب تقرير وكالة أنباء الحوزة، تناول حجة الإسلام راجي، في أعقاب الاستشهاد المشرّف والمجيد لوالد الأمة، وقائدها، ووليّ أمر المسلمين في العالم، آية الله العظمى الإمام الشهيد السيد علي الحسيني الخامنئي، أهمّ واجبٍ يقع على عاتق الأمة، وهو حفظ الوحدة والتماسك الشعبي، ونقدّم هذا البيان إلى حضراتكم أيها المعزّون.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم:
﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي، وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾
أتقدّم بالسلام إلى الشعب الإيراني العزيز الكريم، وأتقدّم في الوقت نفسه بالتهنئة والتعزية باستشهاد القائد العظيم للثورة، سماحة آية الله الخامنئي، ولا سيّما إلى مقام مولانا صاحب العصر والزمان الحجة بن الحسن (أرواحنا فداه).
لقد مَنَّ الله علينا بأن أتاح لنا أن نعيش في عصرٍ أدركنا فيه واحدًا من أكثر الشخصيات شمولًا وكمالًا في تاريخ البشر. لقد كان قائدنا، بعد المعصومين والإمام الراحل، من أعظم قادة التاريخ فضلًا. رجلًا قضى عمره كلّه في الجهاد والمواجهة، وعاش عمره في الشدائد والآلام.
منذ ما قبل الثورة، حيث السجن والتعذيب والنفي، إلى ما بعد الثورة، حيث كان في طليعة الجبهات، فأُصيب وأصبح من الجرحى، وحمل آلام الجراح إلى آخر عمره الشريف. عايش استشهاد أعزّ أصدقائه أمثال: الشهيد بهشتي، ورجائي، وباهنر، ومفتح، ومطهري، كما عايش رحيل قائده العظيم، وتحمل أعباء القيادة، وشهد استشهاد خيرة قادته وتلامذته، أمثال الشهيد قاسم سليماني، وباقري، وسلامي، وحاجي زاده، وتحمّل أذى ألسنة المنافقين في الداخل، والتهديد الدائم من الأعداء في الخارج.
ومن جهة أخرى، صبر على اختراقات المتسللين، وعلى من كسروا قلبه، وربما تحمّل تقصير بعضنا، فلم يشكُ، ولم يتذمّر، بل واصل الجهاد.
يا سيّدنا، نشهد أنّك جاهدت في الله حقّ الجهاد؛ نشهد أنّك أديت الجهاد على أكمل وجه. نعم، فراقك عسير علينا، ولكن ما كان يليق برجلٍ أفنى عمره في ساحات الجهاد أن يرحل برحيلٍ طبيعي؛ بل كان جديرًا به أن يلقى ربّه شهيدًا.
في زمن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، كان شابٌّ يدعو قائلًا: اللهم أعطني أفضل ما تريد لي. فقال النبي إن استُجيب دعاؤه فسيُرزق الشهادة. وقد أنشد سماحة القائد بيت الشعر: «من آخر المجلس اختاروا الشهداء»؛ وهذه المرّة اختيرت زهرة مجلسنا، فارتقى شهيدًا.
وهكذا، فإن واجب الأمة اليوم هو صون الوحدة، وحفظ الصفّ، ومنع الاستقطاب، والوفاء لنهج القائد الشهيد، حتى تبقى الأمة ثابتة على طريق العزّة والكرامة والاستمرار.
إن الفارق بين قائدنا وسائر قادة العالم هو هذا بعينه؛ لقد كان قائدنا أكثر قادة العالم التصاقًا بالناس. لقد أدرك أنّ الناس جميعًا لا يستطيعون الاحتماء في الملاجئ، ولذلك لم يرضَ لنفسه ولا لأسرته أن يدخلوا الملاجئ، فاختاروا طريق الفلاح، ونالوا شرف الشهادة.
نحن في زمن أحداث آخر الزمان؛ أحداثه تتسارع، وكلّ لحظة تشهد واقعة جديدة. فلا ينبغي لنا أن نُصاب باليأس أو الوهن، ولا أن نظنّ أنّ كلّ شيء قد انتهى. فإنّ الله تعالى يقول في كتابه الكريم:
﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾
إنّ أعظم همٍّ كان يشغل بال سماحة القائد هو حفظ النظام الإسلامي وحماية الإسلام. ومن الطبيعي أن يكون واجبنا اليوم هو مواصلة هذا الهدف، وأن نبذل ما نستطيع لتعزيز قوّة هذا النظام وترسيخه. هذا البلد له صاحب، فلا ترتعد قلوبكم؛ وكونوا على يقين أنّ الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) راعٍ لهذا البلد، وحافظٌ لأمّة قد دفعت التكاليف، وصبرت وثبتت.
لقد شهد التاريخ أحداثًا أشدّ قسوة من هذه. انظروا إلى واقعة كربلاء، وتأمّلوا ما الذي عايشته السيدة زينب (سلام الله عليها): قُتل القائد، واستُشهد أعزّ الأحبّة جميعًا، ولم يبقَ أحد.
لم يبقَ إلا رجل واحد، هو الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام، وكان في ذروة المرض والضعف؛ ومع ذلك جعل الله الإسلام بعد ذلك اليوم أقوى وأرسخ، وخلّد ذكر الإمام الحسين بن علي عليه السلام في مسار التاريخ. ومن هنا، فلا ينبغي أن تزلزل قلوبنا في مثل هذه اللحظات.
إنّ نصر الله آتٍ لا محالة؛ فقد نصر الله أنبياءه، ونصر الأمم الثابتة، وليس بعسير على الله أن ينصر هذه الأمة أيضًا بسبب وقوفها وثباتها خلف وليّها. نسأل الله أن لا تكون هذه الحادثة، واستشهاد سماحة القائد، بسبب تقصير منّا، أو نتيجة غفلتنا عن واجباتنا. وإن لم يكن ذلك كذلك، ولم تكن الأمة مقصّرة، فثقوا يقينًا بأنّ النصر الإلهي سيتحقّق.
ومن جهة أخرى، فإنّ الحرس الثوري والقوات المسلحة يؤدّون واجبهم. فقد رأيتم منذ اليوم الأوّل أنّ البلاد، رغم فقدان القائد وعدد من القادة العسكريين، وجّهت ضربات قاسية إلى أربع عشرة قاعدة أمريكية في المنطقة، وأُزيلت نقاط كثيرة في كيان الاحتلال الصهيوني الغاصب. هذه الأعمال إنما هي ثمرة جهاد أبناء خطّ المقاومة، وواجبنا أن نكون سندًا لهم ودعمًا ثابتًا في هذا الطريق.
أما العدو في هذه الأيام وهذه اللحظات والساعات، فما الذي يريده، وما الذي ينوي فعله؟
إنّ ما يسعى إليه العدو بلا شك هو إثارة الانقسام واستقطاب الفضاء، وتحويله إلى حرب شوارع. وما يتعيّن علينا نحن فعله هو ما كان همّ سماحة القائد الأعلى في أغلب خطاباته خلال هذا العام، وما أكّده أيضًا في رسالته بمناسبة ارتحال الإمام الخميني قدّس الله روحه، وهو حفظ الانسجام والوحدة.
فقد أصدر سماحته رسالة بعد أربعة أيام من وفاة الإمام، وفي الفقرة الثانية منها يقول: كما كان قائدنا الكبير والعزيز يكرّر مرارًا، ووكّده أيضًا في وصيته السياسية الإلهية، فإن وحدة الكلمة ووحدة الصفوف لأمتنا، التي كانت رمز نصر الثورة، هي أيضًا رمز بقائها وسلامتها واستمرارها. فاحذروا من خلق أيّ انقسام ثنائي.
وأعاد سماحته هذا التأكيد في مخاطبته لأئمة الجمعة والممثّلين السياسيين والماليين للإمام، ووجّههم أن يحرصوا في خطبهم على دعوة الجميع إلى الحضور في الساحة، والحفاظ على مكتسبات الثورة، وتعزيز وحدة الكلمة، والتذكير بالتقوى والتوكّل على الله.
هذا هو ما كان همّ القائد، وما يجب علينا أن نتمكّن من تحقيقه. ومن جهة أخرى، ينبغي أن تُنشّطوا شيوخ المساجد كمراكز أساسية للأحياء والمجتمع المحلي، وأن يُبث القرآن من منابر المساجد، وألا تدعوا المضللين أو حتى المخترقين أو الإرهابيين يظنّون أنّ الشعب قد فاض به الكيل ويريد انهيار هذا النظام، فهذا ليس صحيحًا.
لقد أثبت الشعب في المسيرات أن موقفه ثابت من هذه الثورة. فلا ترتعش قلوبكم. سواء في الفضاء الافتراضي أو الواقع الملموس، ليس المهم عدد الأشخاص القليل هنا أو هناك.
فقد سمعت أنّه في8 كانون الثاني في محافظة خراسان وحدها، حضر نحو أربعون ألف شخص للدفاع عن النظام. أما الإرهابيون وأنصارهم في الشوارع على مستوى البلاد، فكم يُحسبون؟ لا شيء يُذكر مقارنة بهذا العدد. لذلك لا تهتزّ قلوبكم. وحتى من بين المحتجين، فقد عاد أكثر من ثلاثة أرباعهم بعد أن شعروا بوجود نظام يردع الإرهاب، وتركوا المكان.
لا تدعوا هذه الأمور تزعزع قلوبكم. فالشعب ثابت ومتماسك خلف النظام. أما عملنا الأساسي، والركيزة الحقيقية، فهو: الدعاء، والتوبة، والانقطاع إلى الله.
علينا أن نؤمن بأن لدينا الله، وأن الله قادر، وأنه أقوى من كل القوى العظمى، وأنه إذا استُشهد جميع القادة والمسؤولين، فإن الله لا يزال موجودًا ومعنا.
والفرق بين بلدنا وبقية البلدان هو أنّ هذا النظام ليس من أعلى إلى أسفل فقط، بل هو نظام شعبي من الأسفل إلى الأعلى.
مسار سماحة القائد سيستمر، إن شاء الله، وسيصبح أقوى وأكثر صلابة، ومع ذلك لا يمكن أن يتحقق ذلك إلا بحضور الشعب ومشاركته الفاعلة. لا بد أن يكون الدعاء أساس العمل، وإذا أخطأنا، فلا بد من التوبة، وإذا قصّرنا، فإن توبة الصادقين تعيد إلينا نعمة الله، كما في فقد سماحة القائد، فلنراجع أنفسنا ونتوب.
إن شاء الله، سيحدث النصر الإلهي، والانقطاع الحقيقي هو أن نقطع كل الآمال إلا على الله وحده، فالثقة بالله تضمن تحقيق النصر. وأبرز آية تكرّر سماحة القائد في فترة قيادته كانت آية النصر الإلهي:
﴿وَلْیَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن یَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ قَوِیٌّ عَزِیزٌ﴾
نسأل الله أن يصل الراية الثورية لهذه الأمة سريعًا إلى يدي صاحبها، حجّة بن الحسن أرواحنا فداه.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





