أكد الأساتذة الحاضرون في هذا اللقاء أنّه لا يمكن توقُّع تدخل اجتماعي مباشر من العلوم النظرية والأساسية على مستوى تقديم الخدمات، بل يجب أن يكون الهدف الرئيس لهذه التخصصات إنتاج النظريات الاجتماعية. وأضافوا أنّ التقسيمات التخصصية القصيرة الأمد، التي أوجدها النظام التعليمي في الحوزة تبعًا للجيل الرابع من الجامعات الغربية، أجهضت فرص التراكم العلمي الضروري لإنتاج النظرية. كما أشاروا إلى أنّ تضعيف المكانة الاجتماعية للحوزويين وانقطاع الصلة بين المعرفة وسوق العمل أدّى إلى تراجع إقبال النخب على العلوم الدينية.

وبحسب تقرير مراسل اجتهاد، فقد عُقد أولى جلسات الاجتماع السادس للتفكير المشترك حول تطوير وتمكين العلوم الإسلامية تحت محور: «العلوم الإسلامية في مواجهة التهديدات الوطنية: الالتزامات الداخلية، الرشاقة، التجديد وبناء القدرات العلمية والمؤسسية»، وذلك في مكتب الدعوة الإسلامية بمشهد، بمبادرة من مكتب تطوير وتمكين العلوم الإسلامية وبالتعاون مع باقي المؤسسات العلمية.

وفي هذا اللقاء، الذي يُعد الخطوة الأولى من سلسلة الجلسات التخصصية لهذه الدورة، تناول القادة والعلماء والضيوف الحاضرون في إطار الجلسة الأولى موضوع «الرشاقة وتجديد القدرات العلمية» ومناقشته بعمق وفق منظور حوزوي رصين.

تبيين صورة المسألة: التهديدات الوطنية وضرورة إعادة هيكلة المؤسسات

افتتح الأستاذ مجتبی الإلهي الخراساني هذا الاجتماع بالتأكيد على وجوب التركيز على رشاقة وقدرات العلوم الإسلامية. مشيرًا إلى أنّ لقاء مشهد خصص لـ «الالتزامات الداخلية للعلوم الإسلامية في مواجهة التهديدات الوطنية»، تناول ضرورة مراجعة النهج التقليدي، مؤكدًا أن التجديد ليس مجرد تغيير شكلي في المسميات، بل يستلزم إعادة نظر جوهرية في المنهجيات والقضايا المرتبطة بتطبيق المعرفة.

وأشار إلى أنّ قدرات الاستجابة السريعة يجب تصميمها بحيث تُظهر العلوم الإسلامية كفاءتها وسرعة عملها ليس فقط على مستوى النظرية، بل في مواجهة الأزمات الوطنية والقضايا المستجدة. في الواقع، تُعدّ الرشاقة العلمية شرطًا أساسيًا لأي فعل مؤسسي في مواجهة التهديدات، وبدون التجديد الداخلي، لن تمتلك الأدوات العلمية القدرة على الصمود أمام الظواهر الأمنية والاجتماعية المعقدة.

وأضاف رئيس مكتب تطوير وتمكين العلوم الإسلامية أهمية التآزر بين المؤسسات العلمية والتخصصية. موضحًا أنّ الجلسات الثلاث لهذا اللقاء ستنتقل من التركيز على الرشاقة العلمية إلى بناء القدرات المؤسسية، بحيث يمكن في نهاية المطاف، من خلال النقد والتحليل للتقديمات السابقة، صياغة بيان نهائي شامل. هذا البيان سيشكل خارطة طريق للعلوم الإسلامية في مواجهة التحديات المعاصرة، محددًا دور كل هيكل حوزوي وجامعي في هذا الصدد، بما يضمن تجنب الازدواجية وتعبئة كل القدرات العلمية للبلاد في مسار واحد.

إعادة قراءة النظريات في عصر الثورة الصناعية الرابعة والفضاء الرقمي

بعد ذلك، شرَح الأستاذ محمود حکمت‌نيا التعقيدات الكامنة في «صورة المسألة» عند مواجهة التهديدات الوطنية. وأكد أنّ الجمهورية الإسلامية اليوم تتواجد في سياق مقتضيات «الثورة الصناعية الرابعة»، مشددًا على ضرورة إعادة قراءة النظريات التقليدية في ميادين الفلسفة والحقوق والسياسة، وقال: إن جميع النظريات اليوم، من معرفية إلى حقوقية وسلوكية، تتأثر بمقتضيات العصر الجديد والتطور الرقمي. وعندما نتحدث عن مفاهيم مثل السيادة أو الاحتجاج، يجب أن ندرك أنّ هذه المفاهيم قد اكتسبت معاني جديدة في هذا الفضاء. نحن أمام طبقات معقدة وأحيانًا مضطربة، حيث يُعاد تعريف الحدود بين النظريات التقليدية والوقائع الرقمية الجديدة.

وأشار هذا الأستاذ الحوزوي والجامعي في جانب آخر من كلمته إلى ظاهرة تغيّر طبيعة «الزمن» في التحليلات المعرفية، فحينًا كان التفسير التاريخي لحدث ما يتم بعد سنوات من وقوعه، أما اليوم فنحن نعيش ضمن شبكة اتصال حيث تُروى القيم والمعاني وتقيم في آن واحد مع وقوع الحدث. وبعبارة أخرى، نحن في حالة إنتاج معرفي مستمر وبناء للتاريخ في اللحظة الراهنة.

وفي ختام كلمته، أكد عضو الهيئة العلمية لمؤسسة الثقافة والفكر الإسلامي على وجوب إدراك عملية تحويل «الاستنتاجات المعرفية» إلى «أفعال اجتماعية»، موضحًا كيف تنتقل النقاشات في بيئات مجردة عبر عملية تفاعلية ذهابًا وإيابًا، لتتخطى الحدود الذهنية وتصل إلى المجال المادي، مؤدية أحيانًا إلى الاستهداف الرمزي لمسجد أو منبر.

كيف سيكون للدين دور فاعل في الأزمات؟

أشار الأستاذ علي نهاوندي إلى أنّ الهدف من أي تهديد هو إحداث اضطراب في النظام، وصولًا إلى تهديمه، مؤكّدًا على ضرورة إجراء تحوّلات جذرية في إدارة العلوم الإسلامية. واعتبر أنّ الضرورة الأولى تكمن في الانتقال من «تفسير النصوص مجردًا» إلى «تحليل سياقات الحياة الواقعية للناس»، موضحًا أنّ إدارة المعرفة الدينية يجب أن تتحول من نمط النصّ-محوري إلى نمط المسألة-محوري. ورأى أنّ التوقف عند طبقات التجريد في النصوص الفقهية، دون مراعاة الوقائع الاجتماعية الملموسة، يُعيق دور الدين في معالجة الأزمات الوطنية.

كما شدّد هذا الأستاذ الحوزوي في حوزة قم على الانتقال من النهج المنفرد إلى النهج التكاملي والشبكي بين التخصّصات، معتبرًا أنّ التجديد المعرفي يعني التحوّل في أسس المنهجية واللغة العلمية للفقه والحقوق، والتي يجب أن تُدمج مع أساليب الفقه المقارن والتجارب الإنسانية.

وأكّد نهاوندي أنّ تطوير «فقه الأنظمة» بدل «فقه الأحكام» هو السبيل الوحيد لإخراج الفقه من مستوى تحليل القضايا اليومية، مشيرًا إلى أنّ المرونة العلمية لا تعني التبسيط، بل تعني إعادة ترتيب ذكية لمصادر المعرفة والطاقات البشرية لتعزيز القدرة على مواجهة التحولات الاجتماعية وإحداث الأثر المرجو.

رفع الانسداد العلمي وتجديد الفقه التقليدي

انتقد الأستاذ أبو القاسم عليدوست الأساليب «الانتقائية والجزئية» في مواجهة الثغرات النظرية بعد الثورة، موضحًا أنّ جذور كثير من المآزق تكمن في غموض العلاقة بين الفقه والقانون. واعتبر أنّ الإجراءات الجزئية، مثل تأسيس مجمع تشخيص مصلحة النظام، وإن كانت مفيدة في حينها، لم تتمكّن من إزالة الغموض الأساسي بشأن موقع المرجعية والتقليد ضمن هيكل الجمهورية الإسلامية بشكل كامل.

وأكد رئيس الجمعية العلمية للفقه والحقوق في الحوزات العلمية أنّ استمرار هذه الممارسات الانسدادية يعرض كفاءة النظام على المدى الطويل للتحديات ويعيق الامتداد الاجتماعي والسياسي للعلوم الإسلامية.

ولمعالجة هذا الانسداد، قدّم ثلاثة مقترحات أساسية: أولًا، التعمق الجاد في مسائل فلسفة الفقه؛ ثانيًا، أخذ آثار الفتاوى بعين الاعتبار داخل عملية الاستنباط نفسها وليس بعد صدورها؛ ثالثًا، الرجوع إلى الاجتهاد المستند إلى التقليد الأصيل. وأوضح الأستاذ الخارج في فقه الحوزة العلمية في قم، مستندًا إلى أنّ الفقه التقليدي (فقه الشيخ الطوسي والعلامة) يمتلك طاقات عالية للتجديد، أنّه يمكن ضمن الإطار الجوهري نفسه ودون الخروج عن الضوابط الاجتهادية المحكمة، الإجابة على أعقد مسائل الحكم والسياسة. ورأى أنّ التجديد يمرّ عبر النظر التاريخي لاختلافات العلماء وإعادة قراءتها في ضوء فلسفة الفقه.

الطاقة الفقهية في تحقيق التعبئة الاجتماعية والقدرة الحاكمة

أوضح الأستاذ علي أكبر نوائي، بتعريف الأزمة على أنها اختلال في الطبقات الاجتماعية، أن الفقه الإسلامي يمتلك قدرة عظيمة على إحداث التعبئة وتجاوز الظروف الصعبة. وبيّن أنّ التعبئة عملية يُكتسب فيها للحكم طاقة تمكّنه من تحريك جميع الموارد السكانية والاقتصادية والسياسية في سبيل الأهداف العليا والمصالح الكلية للنظام. ومن منظوره، يجب على الفقه أن يوفّر الأسس النظرية لهذا الاقتدار الحاكم كي لا يحصل توقف أو ركود في مختلف الميادين في أوقات الشدة.

وأضاف هذا الأستاذ في المستويات العليا لحوزة مشهد العلمية ضرورة طاعة الفقهاء لولي الفقيه الحاكم، مشيرًا إلى أنّ حكم الحاكم في إدارة المجتمع أسبق على الفتاوى الفردية. واقترح نوائي أنّ قواعد الفقه لا يجب أن تبقى محصورة في دروس الخارج والحجرات، بل يجب أن تتحوّل إلى مناهج عامة للمجتمع، وتكون أساسًا للسلوكيات الجماعية. كما شدّد على أهمية «بناء الأمة» على الصعيد العالمي، ورأى أنّ التنسيق بين الدول الإسلامية أمر لازم لمواجهة التهديدات المشتركة.

تشخيص أضرار النظر الجزئي المفرط في الدراسات الحوزوية

انتقد حجة الإسلام والمسلمین مهدي رضائي منهج «النظر الجزئي المفرط» في الدراسات الحوزوية، معتبرًا إياه العائق الرئيس أمام استخراج مخرجات فعّالة. وأوضح أنّ الدراسات الفقهية والأصولية الحالية غرقت في تحليل دقيق جدًا على مستوى الجزئيات، ما أدى إلى عمل جزئي ومنفصل. وهذا الانفصال يجعل الفقيه عند مواجهة ظاهرة كبرى يركز على عناصرها فقط، دون إدراك المنطق الحاكم على النظام الكلي، فينتج عن ذلك إجابات مفككة للمسائل المترابطة.

وأشار معاون الحوزة العلمية في خراسان إلى محدودية بعض المؤسسات مثل مجلس صيانة الدستور، الذي يقتصر بموجب مهامه القانونية على «عدم مخالفة الشرع»، ودعا إلى التوجه نحو «تحليل الخطاب».

واستشهد الأستاذ رضائي بمثال من علم النحو، مشيرًا إلى ضرورة الانتقال من «نحو الجملة» إلى «نحو البنية»، واعتبر أنّه يجب في بقية علوم الشريعة الإسلامية الانتقال من الرؤى الجزئية إلى الرؤى الكلية، أي إنتاج علوم متماسكة من خلال دراسة آليات تشكّل البنى الاجتماعية في التراث الفقهي والتفسيري.

تأريخية المعرفة وتحديات الروايات المنافسة في المنطقة

قدّم الدكتور محمدرضا قائمي‌نيك، من منظور سوسيولوجيا المعرفة، قراءة للتجربة التاريخية للمدارس الحوزوية في مواجهة أزمات كبرى مثل الغزو المغولي. وبيّن أنّ العلوم الحوزوية على مر التاريخ كانت دائمًا عملية وذات صلة بمتطلبات الزمان، حيث كانت تردّ على قضايا معاصرةها؛ ومن هنا فإنّ عملية التجديد اليوم ليست إلا عودة إلى أصالة الحوزة التاريخية وربطها بالسياقات الاجتماعية. واعتبر أنّ المعرفة الإسلامية صقلت نفسها دومًا في قلب الأزمات وتطورت عبرها، فلا يجوز اعتبار التوظيف العملي للعلوم أمراً غريباً عن التراث.

كما حذّر معاون البحث في جامعة العلوم الإسلامية الرضوية من تشكّل روايات منافسة للعلوم الإسلامية في دول المنطقة. وأوضح أنّ الروايات الحديثة التي تُنتج في المراكز البحثية المعاصرة تؤثر مباشرة على تطبيع علاقات هذه الدول مع إسرائيل، وتمهّد لمشاريع مثل «اتفاق إبراهيم».

وشدّد قائمي‌نيك على أنّ الحوزة العلمية مطالبة، من خلال تجديد قدراتها، بتقديم رواية قوية ومؤثرة، تمكّنها من امتلاك زمام المبادرة في المنافسة المعرفية الإقليمية، وتحديد موقفها من هذه الروايات الانحرافية.

الوصف الواقعي وضرورة النهضة المعتدلة لمواجهة الهيمنة الغربية

قدّم حجت الإسلام والمسلمين إيماني مقدم، مستندًا إلى إحصاءات حول مكانة المرجعية الاجتماعية للحوزة بين الجيل الجديد والطلبة، تأكيده على أهمية «الوصف الصحيح» كمدخل لتحقيق «التصويب الأمثل». وذكر أنّ ردود الفعل السلبية في المجتمع تجاه بعض الأخبار الحوزوية ناتجة عن نقص الفهم الدقيق لوضع المعتقدات المجتمعية، مما يجعل أي جهود إعلامية واسعة النطاق عاجزة عن إنتاج النتائج المرجوة. ومن وجهة نظره، على الحوزة أولًا أن توضّح للناس الواقع الفعلي للمجتمع والمستويات العلمية العليا داخل الحوزة.

واقترح هذا الباحث الحوزوي تعزيز مكانة الحوزة من خلال إطلاق «نهضة اعتدالية لمواجهة الهيمنة الغربية» بالتعاون مع الجامعات، مؤكدًا أنّ إصلاح العلوم الإنسانية لا يتحقق إلا من خلال إعادة قراءة الأسس المعرفية ونقد دقيق للنظريات القائمة. وأضاف أنّه ما لم يُقدّم تعريف صحيح لـ «العلم» ومكانة نخبة الحوزة في المجتمع، فإنّ التحولات الهيكلية والمؤسسية لن تترجم بالضرورة إلى نفوذ اجتماعي فعّال للحوزة، وأن تطوير جمهورها يتطلّب تغييرًا في اللغة وأساليب التفاعل.

التقنيات الحديثة وتكوين الكوادر لمواجهة المشكلات

أكد الأستاذ السيد حسن وحدتي شبيري، من خلال التمييز بين «السؤال» و«المشكلة»، على ضرورة احتكاك الحوزات العلمية بمواجهة القضايا الواقعية في المجتمع. وانتقد النهج الذي يكتفي بالإجابة على التساؤلات المجردة، مشددًا على أن التجديد العلمي يتطلب التصدي للقضايا البنيوية المعقدة وتصميم حلول أصيلة تتجنب التقليد الأعمى للنماذج الغربية. واعتبر أن اللبنات الأولى للتشريع تحتاج إلى دراسات شاملة لتفادي الأضرار طويلة الأمد.

كما شدّد رئيس المدرسة العليا للفقاهة عالم آل محمد(ع) على أهمية توظيف التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في إثراء البحوث الفقهية.

ونقل الأستاذ وحدتي شبيري تجربة حوارية مع متخصصين جامعيين حول «حوكمة المياه»، مشيرًا إلى أن الحوزة مطالبة بتكوين كوادر تتقن الاستنباط الفقهي وتمتلك أيضًا لغة العلوم التخصصية، ففقط من خلال هذه الكوادر يمكن تعزيز القدرة العلمية للحوزة والدفاع عن صرح المعرفة الإسلامية في المنتديات التخصصية أمام تحديات العلم المعاصر.

الثقافة واقتصاد العلم: عوامل مغفلة

في ختام هذا الاجتماع، تناول الأستاذ السيد علي طالقاني الأبعاد المفهومية لموضوع الجلسة وفصل مستويات التهديد المختلفة. وأشار إلى الغموض في تفسير مصطلح «الوطني» في الوثائق العليا، داعيًا إلى توضيح الحدود بين المفاهيم التقليدية (الأمة بمعنى أتباع دين واحد) والمفاهيم الحديثة.

وشدد هذا الأستاذ في الحوزة العلمية العليا بمشهد على أن غياب الوضوح المفهومي يجعل من الصعب تحديد ما إذا كان ينبغي أن يتركز النشاط العلمي على الحدود الجغرافية أو على الفضاء الحضاري لجبهة المقاومة.

كما طرح موضوع «اقتصاد العلم» و«ثقافة العلم» باعتبارهما المحركات الرئيسة للتجديد العلمي. وحذر من أن تراجع المكانة الاجتماعية للحوزويين وفقدان الصلة بين المعرفة وسوق العمل يؤدي إلى انخفاض إقبال النخب على العلوم الدينية.

وأشار عضو الهيئة العلمية في المركز التخصصي للأخوند الخراسانی إلى إقبال العموم على التخصصات ذات الدخل العالي مثل الحقوق، مؤكدًا أن تجديد القدرات العلمية يجب أن يتم بطريقة تعيد للفاعلين في هذا المجال المكانة الاجتماعية المتناسبة مع دورهم الحيوي في الأمن الوطني، وتعزز دافع النخب للانخراط في الحوزة.

التقنيات الحديثة وتكوين الكوادر لمواجهة المشكلات

أكد الأستاذ السيد حسن وحدتي شبيري، من خلال التمييز بين «السؤال» و«المشكلة»، على ضرورة احتكاك الحوزات العلمية بمواجهة القضايا الواقعية في المجتمع. وانتقد النهج الذي يكتفي بالإجابة على التساؤلات المجردة، مشددًا على أن التجديد العلمي يتطلب التصدي للقضايا البنيوية المعقدة وتصميم حلول أصيلة تتجنب التقليد الأعمى للنماذج الغربية. واعتبر أن اللبنات الأولى للتشريع تحتاج إلى دراسات شاملة لتفادي الأضرار طويلة الأمد.

كما شدّد رئيس المدرسة العليا للفقاهة عالم آل محمد(ع) على أهمية توظيف التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في إثراء البحوث الفقهية.

ونقل الأستاذ وحدتي شبيري تجربة حوارية مع متخصصين جامعيين حول «حوكمة المياه»، مشيرًا إلى أن الحوزة مطالبة بتكوين كوادر تتقن الاستنباط الفقهي وتمتلك أيضًا لغة العلوم التخصصية، ففقط من خلال هذه الكوادر يمكن تعزيز القدرة العلمية للحوزة والدفاع عن صرح المعرفة الإسلامية في المنتديات التخصصية أمام تحديات العلم المعاصر.

الثقافة واقتصاد العلم: عوامل مغفلة

في ختام هذا الاجتماع، تناول الأستاذ السيد علي طالقاني الأبعاد المفهومية لموضوع الجلسة وفصل مستويات التهديد المختلفة. وأشار إلى الغموض في تفسير مصطلح «الوطني» في الوثائق العليا، داعيًا إلى توضيح الحدود بين المفاهيم التقليدية (الأمة بمعنى أتباع دين واحد) والمفاهيم الحديثة.

وشدد هذا الأستاذ في الحوزة العلمية العليا بمشهد على أن غياب الوضوح المفهومي يجعل من الصعب تحديد ما إذا كان ينبغي أن يتركز النشاط العلمي على الحدود الجغرافية أو على الفضاء الحضاري لجبهة المقاومة.

كما طرح موضوع «اقتصاد العلم» و«ثقافة العلم» باعتبارهما المحركات الرئيسة للتجديد العلمي. وحذر من أن تراجع المكانة الاجتماعية للحوزويين وفقدان الصلة بين المعرفة وسوق العمل يؤدي إلى انخفاض إقبال النخب على العلوم الدينية.

وأشار عضو الهيئة العلمية في المركز التخصصي للأخوند الخراسانی إلى إقبال العموم على التخصصات ذات الدخل العالي مثل الحقوق، مؤكدًا أن تجديد القدرات العلمية يجب أن يتم بطريقة تعيد للفاعلين في هذا المجال المكانة الاجتماعية المتناسبة مع دورهم الحيوي في الأمن الوطني، وتعزز دافع النخب للانخراط في الحوزة.

ضرورة إعادة النظر في الهيكل التعليمي للحوزة العلمية

في جزء آخر من الجلسة الأولى، أشار الأستاذ مجتبی الإلهي الخراساني إلى وجوب مراجعة الهيكل التعليمي والبحثي للحوزات العلمية، مقدّمًا رؤيته في هذا المجال. وأوضح أن اقتراحه الأول يتمثل في إقرار تقسيم فروع العلوم الإسلامية إلى شقين رئيسيين: «نظري أساسي» و«تطبيقي مهني».

وأكد هذا الأستاذ خارج الفقه والأصول في الحوزة العلمية بمشهد، أنه لا يمكن توقع تدخل اجتماعي مباشر من فروع العلوم النظرية والأساسية في مستوى تقديم الخدمات، بل الهدف الرئيسي لهذه الفروع يجب أن يكون إنتاج نظريات اجتماعية. وعلى النقيض من ذلك، فإن الفروع التطبيقية مثل الفقه تتطلب وجود أقسام تطبيقية واضحة، كالإجابة عن المسائل الشرعية أو تقديم الاستشارات الفقهية والقانونية للمؤسسات المختلفة، والتي لا تستلزم بالضرورة إتمام ثماني سنوات من دروس الخارج. ومن وجهة نظره، الأولوية للحوزة هي إقرار هذا التقسيم لا مجرد التوسع الكمي للفروع.

وأشار بعد ذلك إلى قضية تراكم المعرفة في الجانب النظري، موضحًا أن التخصصات القصيرة الأمد التي أنشأها النظام التعليمي للحوزة، تماشيًا مع الجامعات الغربية من الجيل الرابع، أزالت الفرصة اللازمة لتراكم المعرفة الضروري لإنتاج النظرية. ورأى الأستاذ الإلهي أن المقاطع التعليمية من المستوى الثالث والرابع بالشكل الحالي غير كافية لتحقيق هذا الهدف، ومن الضروري تصميم مستويات ثالثة ورابعة متصلة على غرار الفروع النظرية المكثفة في الجامعات والتي ترتبط بدرجة الدكتوراه المتصلة.

واختتم الأستاذ الإلهي الخراساني بالحديث عن إحياء مسألة الاجتهاد، منتقدًا اقتصار المستوى العلمي في الجانب النظري على حدود درجة الدكتوراه، مشددًا على أن هذا النهج يعكس تخلفًا عن تراثنا العلمي الغني. وأكد في ختام كلمته أن إحياء المكانة الحقيقية للاجتهاد يجب أن يكون من أولويات الحوزات العلمية في جدول أعمالها الجدي.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل