الأنشطة السياسية والتبيينية لسيد الشهداء في الجمهورية الإسلامية الإيرانية (3)

الأنشطة السياسية والتبيينية لسيد الشهداء في الجمهورية الإسلامية الإيرانية (3)

الحوزة / في بُعد الأنشطة السياسية والتبيينية للشهيد آية الله العظمى الإمام الخامنئي، تتجلى أوزن وأهم ملامح أسلوب حياة الشخصية الأولى في البلاد، ويمكن استعراض ذلك بوضوح في مختلف محطات تاريخ الثورة الإسلامية في إيران. هذه الحياة الطيبة بلغت من الأهمية والهداية حدًّا أقرّ معه حتى كبار أعداء الثورة بسجله المشرق.

وأفادت وكالة أنباء الحوزة بأنها تتقدم بأحرّ التعازي باستشهاد والد الأمة، وقائدها، ومرشدها الأعلى، وولي أمر المسلمين في العالم، حضرة آية الله العظمى الإمام الشهيد السيد علي الحسيني الخامنئي (رضوان الله تعالى عليه) في شهر رمضان المبارك، إلى الإمام المهدي أرواحنا فداه، وإلى الأمة الإسلامية، وجميع أحرار العالم، والمراجع، والعلماء العظام، والشعب الإيراني الكبير. وفيما يلي نستعرض لمحة موجزة عن أنشطته السياسية والإرشادية والتبيينية.

العقد الأول للثورة الإسلامية: شباط 1979 – حزيران 1989

أ) الأنشطة السياسية

مجلس الثورة

كان من أوائل ميادين دور آية الله الخامنئي في مسار تكوّن نظام الجمهورية الإسلامية، عضويته ونشاطه في مجلس الثورة. فقد تشكّل المجلس بعد هجرة الإمام الخميني إلى فرنسا في تشرين الأول 1978، ومع ظهور مؤشرات انتصار الثورة الإسلامية ودخول النهضة الإسلامية مرحلة الثورة، وذلك بقرار من الإمام الخميني منذ أوائل تشرين الثاني 1978، وتم اختيار أعضائه تدريجيًا من قبل الإمام، إلا أنه أُعلن عنه رسميًا قبيل انتصار الثورة في 12 كانون الثاني 1979 مراعاةً لجملة من الاعتبارات [125].

كان من أوائل أعضاء المجلس: مرتضى مطهري، السيد محمد حسيني بهشتي، السيد عبد الكريم موسوي أردبيلي، محمد رضا مهدوي كني، السيد علي الخامنئي، محمد جواد باهنر، وأكبر هاشمي رفسنجاني، ثم انضم لاحقًا أعضاء آخرون [126]. وقد شارك آية الله الخامنئي في جلسات المجلس منذ أواخر كانون الثاني 1979 [127].

في تلك المرحلة، كان المجلس يتولى اتخاذ قرارات مهمة تتعلق بمسار المواجهة، منها التفاوض مع مسؤولي النظام البهلوي ومسؤولي بعض الدول الأجنبية، بما في ذلك الولايات المتحدة، وكذلك تشكيل لجنة استقبال الإمام الخميني [128]. ومن الإجراءات المهمة الأخرى قبل انتصار الثورة، اقتراح مهدي بازرغان لرئاسة الحكومة المؤقتة ورفعه إلى الإمام الخميني [129].

بعد انتصار الثورة، تولى مجلس الثورة سنّ القوانين في غياب السلطة التشريعية، كما اضطلع بجزء من مهام السلطة التنفيذية بعد دمج الحكومة المؤقتة مع مجلس الثورة في تموز 1979، ثم تولى كامل هذه المهام بعد استقالة الحكومة المؤقتة في 5 تشرين الثاني 1979 وما تلاها. وإلى جانب هذه المسؤوليات الأساسية، كان المجلس مرجعًا لمعالجة المشكلات والأزمات التي واجهت النظام الناشئ للجمهورية الإسلامية، ومستشارًا للإمام في القضايا المصيرية [130].

وعلى الرغم من التغييرات المتكررة في تركيبة مجلس الثورة خلال مراحله الأربع، وحتى انتهاء نشاطه في 20 تموز 1980، بقي آية الله الخامنئي عضوًا ثابتًا فيه [131]. ومن أبرز مواقفه في جلسات المجلس وقراراته: الوقوف في وجه الآراء والمواقف الموجّهة للأعضاء الذين وُصفوا بـ«الليبراليين»، والتحذير المتكرر من ضرورة منع تسلل أعضاء وأنصار حزب توده الإيراني وسائر الأحزاب والجماعات المعارضة للثورة الإسلامية إلى صفوف الجيش والمجال الثقافي في البلاد [132].

وكان يعتقد أنه ينبغي أن يحضر في مجلس الثورة ممثلون عن مختلف شرائح المجتمع [133]. كما كانت قضايا كردستان، وسيستان وبلوشستان، وسائر مناطق البلاد، وضرورة الحفاظ على الوحدة الوطنية، من الموضوعات المهمة التي حظيت باهتمامه داخل مجلس الثورة. وكان يرى أن الحكومة المؤقتة أظهرت ضعفًا في معالجة قضية كردستان، وأنه ينبغي حلّها بوسائل متعددة ومنع انتقال تداعياتها إلى سائر المناطق القومية في البلاد [134].

وفي ما يتعلق بمنطقة سيستان وبلوشستان، واستنادًا إلى تجربته خلال فترة نفيه واطلاعه على الأوضاع السياسية والاجتماعية هناك، كان يؤكد على ضرورة تحسين الوضع الاقتصادي والمعيشي لأهالي تلك المنطقة [135]. وفي هذا السياق، كلّفه الإمام الخميني في 29 آذار 1979 برئاسة وفد يتوجه إلى تلك المنطقة للنظر في مطالب الناس ومشكلاتهم وإعداد تقرير عن أوضاعها [136]. وخلال هذه الزيارة، إضافة إلى مهمته المذكورة، التقى بعدد من الزعماء والشخصيات النافذة محليًا، وشرح لهم سياسات نظام الجمهورية الإسلامية وبيّنها.

كما كان من مواقفه المبدئية في مجلس الثورة دعم تأسيس وتعزيز المؤسسات الثورية والشعبية، مثل الحرس الثوري الإيراني وجهاد البناء [137].

نيابة شؤون الثورة في وزارة الدفاع الوطني

عقب دمج الحكومة المؤقتة ومجلس الثورة في أواخر تموز 1979، انتقل بعض أعضاء مجلس الثورة إلى عدد من الوزارات الحساسة بقرار من المجلس، ومن بينهم آية الله الخامنئي الذي عُيّن نائبًا لشؤون الثورة في وزارة الدفاع الوطني [138]. كذلك، وفي إطار عملية دمج مجلس الثورة بالحكومة المؤقتة بهدف تحقيق مزيد من التركيز في السلطة التنفيذية، اختير عضوًا في لجنة الوزراء الأمنيين التي كانت تتولى الإشراف والمسؤولية العامة عن جميع الشؤون الشرطية والعسكرية والأمنية، بما في ذلك أزمات غنبد، وكردستان، وخوزستان، ومواجهة أنشطة الأحزاب والجماعات المناهضة للثورة [139].

الإشراف على الحرس الثوري

ومن المهام الأخرى التي أُسندت إليه من قبل مجلس الثورة، مسؤولية مركز الوثائق وكذلك الإشراف على الحرس الثوري الإيراني في 24 تشرين الثاني 1979 [140]. وكان قبل ذلك يشارك ممثلًا عن مجلس الثورة في بعض اجتماعات الحرس الثوري. وجاء اختياره للإشراف على الحرس بسبب بقاء بعض الخلافات داخل هيكلية وتنظيم الحرس، والتي كانت قد نشأت في الأشهر التي تلت انتصار الثورة الإسلامية ولم تُحلّ رغم جهود الوساطة [141]. وقد سعى، وهو من الداعمين للقوات العسكرية الشعبية ولا سيما الحرس الثوري، خلال فترة توليه المسؤولية، إلى معالجة الخلافات القائمة، إضافة إلى تنظيم هذه القوة على أسس مناسبة. وفي 24 شباط 1980 قدّم استقالته من منصب الإشراف على الحرس بسبب ترشحه لانتخابات الدورة الأولى لمجلس الشورى الإسلامي [142].

تأسيس حزب الجمهورية الإسلامية

نشط آية الله الخامنئي في الأيام التي سبقت انتصار الثورة الإسلامية وما تلاها، بالتزامن مع حضوره الفاعل في مجلس الثورة وإدارته لشؤون المرحلة الانتقالية [143]، إلى جانب السيد محمد حسيني بهشتي، وأكبر هاشمي رفسنجاني، والسيد عبد الكريم موسوي أردبيلي، ومحمد جواد باهنر، من أجل إنشاء تنظيم ثوري [144]. وقد أُعلن رسميًا عن هذا التنظيم تحت اسم حزب الجمهورية الإسلامية في 18 شباط 1979، إلا أن جذور تأسيسه تعود إلى اجتماعات عُقدت في مشهد في صيف 1977، حيث سعى عدد من المناضلين، ومن بينهم المؤسسون اللاحقون للحزب، إلى إنشاء تجمع وتنظيم منسق لمناهضة النظام البهلوي ونشر الفكر الإسلامي [145].

وعلى هذا الأساس، أدّى الحزب خلال فترة نشاطه غير الرسمي في الأشهر السابقة لانتصار الثورة دورًا مؤثرًا في تنظيم التجمعات وإقامة الخطب، وكان نشاط آية الله الخامنئي في هذا المجال ملحوظًا [146].

ومن دوافع تأسيس حزب الجمهورية الإسلامية: سدّ الفراغ الناتج عن غياب تنظيم منظم ومعاصر لحماية ودعم النظام الناشئ للجمهورية الإسلامية، والمساعدة في استمرار الثورة والحفاظ على وحدة الشعب وحضوره في الساحة، ووضع الأسس الجوهرية للنظام، وصون محورية دور الإمام الخميني في مرحلة ما بعد الثورة، وتعميق الفكر الإسلامي الأصيل في أذهان الناس، وتوجيههم سياسيًا بشكل متواصل، والمساهمة في توفير الكوادر البشرية للأجهزة التنفيذية لتحقيق أهداف الثورة الإسلامية، واتخاذ مواقف صريحة وصادقة في مواجهة أساليب وخدع الأعداء الداخليين والخارجيين [147].

وكان من بين واضعي النظام الأساسي للحزب، وتولى ضمن تقسيم المسؤوليات مهمة الإعلام والدعاية فيه [148]. كما كان عضوًا مؤسسًا وعضوًا في المجلس المركزي للحزب، وأدّى في مرحلة التأسيس دورًا تبيينيًا بارزًا من خلال عرض مواقف الحزب عبر الخطب والكتيبات. وكان له دور في تأسيس فرع الحزب في مشهد، وافتتح مكتبه هناك في 17 آذار 1979.

الأمين العام لحزب الجمهورية الإسلامية

بعد آية الله بهشتي والدكتور باهنر ـ وهما أول وثاني أمينين عامين للحزب ـ انتُخب آية الله الخامنئي في أيلول 1981 من قبل المجلس المركزي للحزب أمينًا عامًا ثالثًا له [149]. وخلال السنوات التي تلت انتصار الثورة وحتى تثبيت أركان نظام الجمهورية الإسلامية في عقد الثمانينيات، كان حزب الجمهورية الإسلامية يؤدي دور ركن أساسي من أركان السلطة خارج الإطار السياسي الرسمي، ويسهم في ترسيخ دعائم النظام [150].

وكان يرى أن حزب الجمهورية الإسلامية مؤسسة ضرورية لحماية الكيان العام للنظام الإسلامي الناشئ. وقد عُقد المؤتمر الأول للحزب في نيسان 1983، وانتُخب آية الله الخامنئي للمرة الثانية أمينًا عامًا للحزب وعضوًا في مجلسه المركزي [151] ومجلس التحكيم فيه [152]. وخلال فترة رئاسته للجمهورية، كان يشارك في اجتماعات الحزب في طهران وسائر المدن، ويعمل على تبيين مهام الحزب وأهدافه، ويجيب عن أسئلة المكاتب والفروع والأعضاء [153].

كما تولّى الأمانة العامة للحزب بالتزامن مع ولايته الثانية لرئاسة الجمهورية. إلا أن نشاط الحزب في تلك المرحلة تراجع لأسباب عدة، منها: تجاوز أزمات السنوات الأولى للثورة، وتأسيس المؤسسات والأجهزة التي احتاجتها الجمهورية الإسلامية والتي كان للحزب دور مؤثر في إنشائها وتعزيزها، وانشغال الشخصيات المحورية في الحزب ـ ومنهم آية الله الخامنئي وهاشمي رفسنجاني ـ بمناصب عليا في الدولة، إلى جانب غياب بعض مؤسسيه البارزين، وكذلك استياء الإمام الخميني من تحوّل الحزب من عامل وحدة إلى عامل تفرقة وتصاعد الانقسامات الداخلية فيه؛ مما أدى إلى تراجع فاعليته مقارنة بسنواته الأولى [154].

وعليه، وجّه آية الله الخامنئي وهاشمي رفسنجاني في أوائل أيار 1987 رسالة إلى الإمام الخميني، أوضحا فيها الأسباب المذكورة، ولا سيما تفاقم الانقسامات الداخلية وخطرها على وحدة المجتمع وتماسكه، وطلبا إيقاف نشاط الحزب [155]. فوافق الإمام الخميني على الطلب في 1 أيار 1987، وعلى إثر ذلك توقفت أنشطة الحزب [156].

إمامة صلاة الجمعة في طهران

عيّن الإمام الخميني في 14 كانون الثاني 1980 آية الله الخامنئي إمامًا لصلاة الجمعة في طهران، مشيرًا إلى حسن سيرته وكفاءته علمًا وعملًا [157]. وأمّ أول صلاة جمعة له في 18 كانون الثاني 1980 [158]. ومنذ ذلك التاريخ وحتى حادثة 26 حزيران 1981، حين تعرّض لمحاولة اغتيال في مسجد أبي ذر بطهران وأُصيب بجروح بالغة، واصل إقامة صلاة الجمعة، باستثناء الفترة من 10 شباط إلى 25 شباط 1981 حيث كان في زيارة تبليغية إلى الهند [159]. وبعد ذلك ظل يتولى هذا المنصب باستمرار.

ومن مبادراته المهمة في هذا المجال اقتراح عقد ندوات لأئمة الجمعة بهدف توحيد شبكة أئمة الجمعة داخل البلاد وفي العالم الإسلامي. وبعد موافقة الإمام الخميني، عُقدت الندوة الأولى في مدرسة فيضية بمدينة قم، وتلتها ندوات أخرى عديدة [160].

وقد كانت خطب الجمعة منبرًا مؤثرًا عرض من خلاله أهم المواقف المبدئية والاستراتيجية لنظام الجمهورية الإسلامية بأوضح وأقوى صورة، كما أسهمت في تعميق الفكر الديني وتعزيز الوعي والبصيرة السياسية في المجتمع. ومن سمات خطبه أيضًا اهتمامه بإلقاء خطب باللغة العربية، موجّهة إلى مسلمي العالم الإسلامي.

التمثيل في مجلس الشورى الإسلامي

بعد ترشحه لانتخابات الدورة الأولى التشريعية لمجلس الشورى الإسلامي في شباط 1980، حظي آية الله الخامنئي بدعم الائتلاف الكبير لقوى خط الإمام، الذي ضمّ جمعية رجال الدين المناضلين في طهران، وحزب الجمهورية الإسلامية، وعددًا من التنظيمات والجماعات الإسلامية الأخرى [161]، وانتُخب نائبًا عن دائرة طهران ودخل المجلس. وفي المجلس كان عضوًا ورئيسًا للجنة الشؤون الدفاعية.

وخلال فترة رئاسته للجنة، جرى بحث العديد من المشاريع والقوانين والملفات، ومن أبرزها: تأمين الاحتياجات الوظيفية للحرس الثوري، ودمج منظمة تعبئة المستضعفين في الحرس الثوري، وقضية كردستان، والمسائل الحدودية، وملف بلوشستان، وإعادة تنظيم الجيش على أسس جديدة [162]. ومن مواقفه البارزة خلال نيابته كلمته المهمة والمستندة التي ألقاها تأييدًا لمشروع عدم الكفاءة السياسية لبني صدر لرئاسة الجمهورية [163].

ومع اندلاع الحرب الإيرانية العراقية في 22 أيلول 1980، وبسبب حضوره في جبهات القتال، قلّ حضوره جلسات مجلس الشورى الإسلامي، وبعد إصابته البالغة في 26 حزيران 1981 لم يحضر إلا في حالات محدودة. ومع انتخابه رئيسًا للجمهورية في أيلول 1981 غادر السلطة التشريعية.

الحضور في الدفاع المقدس

منذ الساعات الأولى لاندلاع الحرب الإيرانية العراقية، اضطلع آية الله الخامنئي بدور فاعل في إدارة شؤون الحرب.

فبعد ساعات من بدء الهجوم على أراضي البلاد، أعدّ أول بيان بشأن اعتداء جيش البعث العراقي على إيران وبُثّ عبر الإذاعة لإطلاع الشعب عليه [164]. وفي اليوم الثاني من الحرب حضر اجتماعًا في هيئة الأركان المشتركة للجيش لبحث سبل مواجهة العدوان العسكري العراقي، وعندما تقرر أن يتوجه أحد الحاضرين إلى الجبهات لمتابعة الوضع ميدانيًا، كان أول من قبل بذلك آية الله الخامنئي [165].

وفي 27 أيلول 1980، وبعد الحصول على إذن الإمام الخميني، توجه بصفة عسكرية إلى جبهات القتال [166] لإعداد تقرير عن أوضاع الجبهات وإمكانات القوات الإيرانية في المناطق التي تعرضت للعدوان، والمساهمة في تنظيم القوات لمواجهة العدو [167]. وتوجه إلى جبهة الجنوب، وأدى دورًا محوريًا واستراتيجيًا في صدّ القوات العراقية عن منطقة الأهواز، وكذلك في عملية كسر حصار سوسنگرد في 17 تشرين الثاني 1980. كما تواجد في جبهة الغرب في أوائل ربيع 1981، وكان حضوره في الجبهات مستمرًا، باستثناء ما يقتضيه أداء صلاة الجمعة في طهران، أو لقاء الإمام وتقديم التقارير له، أو الاجتماعات والزيارات والخطب الضرورية [168].

وشارك في عدد من العمليات العسكرية أو في التخطيط لها، كما تولّى دعم وتأمين الاحتياجات التسليحية واللوجستية لقوات التعبئة والحرس الثوري في ساحة القتال. وكان يقضي معظم وقته في الجبهات في توجيه ودعم وتخطيط عمليات مقر الحروب غير النظامية الذي تأسس بمشاركته مع الشهيد مصطفى چمران [169]. ومن أبرز إجراءات هذا المقر، التي كان له دور مباشر فيها، تشكيل مجموعات عسكرية خاصة لصيد الدبابات.

كما كان له دور مؤثر في دعم جبهات خرمشهر وعبادان وسوسنگرد، وأسهم بشكل كبير في تعزيز القوات العسكرية الشعبية مثل الحرس الثوري والتعبئة، وتأمين احتياجاتها الفنية والتجهيزية [170]. ومن جهوده الأخرى العمل على إيجاد تنسيق بين الحرس الثوري والجيش في الجبهات والعمليات العسكرية [171].

تمثيل الإمام في المجلس الأعلى للدفاع

بأمر من الإمام الخميني في 12 تشرين الأول 1980، تولّى المجلس الأعلى للدفاع مسؤولية جميع شؤون الحرب [172]. وكان آية الله الخامنئي، بموجب حكم الإمام الصادر في 9 أيار 1980، ممثله في هذا المجلس [173]، كما كان المتحدث باسمه [174]. وخلال تلك الفترة كان أيضًا مستشارًا للإمام الخميني في قضايا الحرب وشؤونها [175]. وكان يعقد عادةً في ختام جلسات المجلس الأعلى للدفاع مؤتمرًا صحفيًا يوضح فيه مباحث المجلس وقراراته ويطلع الشعب عليها [176].

عملية كسر حصار عبادان

شارك مباشرةً في عملية كسر حصار آبادان [177]. وفي ما يتعلق بمدينة خرمشهر، كان يرى أنه يمكن منع سقوطها باتخاذ تدابير عسكرية صحيحة. وكتب في هذا الشأن رسالة إلى أبي الحسن بني صدر، رئيس الجمهورية والقائد العام للقوات المسلحة آنذاك، محذرًا من أنه في حال نشر لواءين مدرعين حول خرمشهر يمكن الحيلولة دون سقوط المدينة، إلا أن بني صدر لم يلتفت إلى هذا التحذير [178].

وبعد وقت قصير من اندلاع الحرب، بادرت مجموعة من الشخصيات والمنظمات الدولية وبعض الدول إلى تحركات لإحلال السلام بين البلدين. وكان آية الله الخامنئي يرى أنه ما لم يقبل العراق الشروط الأساسية لإيران، وهي الانسحاب إلى الحدود الدولية، ودفع التعويضات، ومعاقبة المعتدي، فلن يتحقق السلام، وأنه إذا لم يقبل بهذه الشروط فسيُجبر بالقوة على الخروج من الأراضي الإيرانية. كما كان يعتقد أن السلام المفروض أسوأ من الحرب [179]. ومع ذلك، كان يعتبر زيارات وفود السلام مفيدة من حيث إنها أسهمت في كشف أبعاد جرائم صدام حسين وقواته ضد الشعب الإيراني، وأثبتت مظلومية إيران وعدوانية صدام [180].

الحرب: أبرز قضايا مرحلة رئاسة الجمهورية

خلال دورتي رئاسة الجمهورية لآية الله الخامنئي، كانت الحرب في صدارة القضايا وأهم موضوع في البلاد. ومن 1981 حتى 1985 شهدت ساحة الحرب تطورات متعددة، وتحوّل ميزان القوى إجمالًا لمصلحة إيران. وتم إخراج القوات العراقية من معظم الأراضي المحتلة، وباتفاق بين كبار مسؤولي الدولة، ومنهم آية الله الخامنئي بصفته رئيسًا للمجلس الأعلى للدفاع، جرى تصميم وتنفيذ سلسلة من العمليات العسكرية. وبالتزامن مع هذه التطورات، تعزز الحضور الدبلوماسي الإيراني على الساحة الدولية وأصبح أكثر نشاطًا.

وخلال سبع سنوات من أصل ثماني سنوات من رئاسته التي تزامنت مع الحرب، خصص جزءًا كبيرًا من لقاءاته الخارجية للمباحثات مع وفود حسن النية للسلام التي أُرسلت من منظمات دولية وإسلامية وإقليمية، أو مع شخصيات دولية وإقليمية بارزة كُلّفت بمهام الوساطة.

وخلال فترة رئاسته، وبسبب معارضة الإمام لحضوره المتكرر في جبهات القتال، اكتفى بزيارات وحضور محدود، إلا أنه في المرحلة الأخيرة من الحرب، وبعد قبول القرار الأممي، ومع تدهور أوضاع الجبهات، اضطر ـ بعد الحصول على موافقة الإمام الخميني ـ إلى التوجه إلى الجبهات لإحداث تحول كبير.

كما ترأس خلال رئاسته المجلس الأعلى لدعم الحرب، الذي أُنشئ عام 1986 نظرًا لظروف الحرب الخاصة، بهدف توظيف إمكانات البلاد بأفضل صورة في خدمة المجهود الحربي، واتخاذ إجراءات فعالة لتعبئة الطاقات والإمكانات لتلبية احتياجات الجبهات [181]. وفي ردّه على استفساره بتاريخ 8 شباط 1988، أعلن الإمام الخميني أن قرارات هذا المجلس نافذة حتى نهاية الحرب [182].

وفي صيف 1988، في السنة الأخيرة من رئاسته، انتهت الحرب العراقية الإيرانية بقبول إيران قرار مجلس الأمن رقم 598. وبعد قبول الإمام الخميني القرار، وقبل الإعلان الرسمي عنه، عُقد اجتماع برئاسة آية الله الخامنئي وبحضور كبار مسؤولي الدولة لشرح العوامل والأسباب التي دفعت الإمام إلى قبول القرار.

وفي رسالة وجّهها الإمام الخميني إلى الشعب الإيراني، وصف قبول القرار بأنه مسألة بالغة المرارة والألم، ولم يكن إلا من أجل مصلحة الثورة ونظام الجمهورية الإسلامية، وقال: «إن قبول هذا الأمر بالنسبة لي أشد مرارة من تجرّع السمّ القاتل؛ لكنني راضٍ برضا الله، ومن أجل رضاه شربت هذه الجرعة… وفي قبول هذا القرار فإن مسؤولي إيران وحدهم، وباعتمادهم على أنفسهم، قد اتخذوا القرار، ولم يتدخل أي شخص أو دولة في هذا الأمر» [184].

وعقب ذلك، أعلن آية الله الخامنئي بصفته رئيسًا للجمهورية، في رسالة مؤرخة في 18 تموز 1988 إلى الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك خافيير بيريز دي كوييار، قبول إيران لقرار مجلس الأمن رقم 598 [185].

ب: النشاطات الإرشادية والتبينية

جزء مهم من النشاطات السياسية والدينية لآية الله الخامنئي من فترة انتصار الثورة الإسلامية وحتى انتخابه رئيسًا للجمهورية كان يتركز على النشاطات الإرشادية بهدف ترسيخ وتثبيت نظام الجمهورية الإسلامية.

توصية الإمام للطلاب بالرجوع إلى آية الله الخامنئي

بعد استشهاد آية الله مرتضى مطهري، وظهور الفراغ الذي خلّفه بين الطلاب وأساتذة الجامعات، عيّن الإمام خميني، في 13 حزيران 1979، آية الله الخامنئي باعتباره عالما فهما ومتحدثا بارعا ومرجعًا للنظر في القضايا الفكرية والعقائدية للطلاب، ومواجهة دعاية الأحزاب والجماعات المعارضة لنظام الجمهورية الإسلامية، وخاصة الماركسيين في الوسط الجامعي [186].

ومنذ ذلك التاريخ وحتى بدء الحرب العراقية الإيرانية في 22 أيلول 1980، كان الخامنئي يحضر أيام الاثنين في مسجد جامعة طهران بين الطلاب، حيث يقيم صلاة الظهر والعصر جماعةً، ويلقي خطبًا حول القضايا المهمة اليومية، ويجيب على أسئلتهم الفكرية والسياسية. واستمرت هذه اللقاءات لاحقًا في المساجد المهمة بطهران. وخلال إحدى هذه الجلسات وقع حادث محاولة اغتيال له في مسجد أبوذر [187].

منع حل مجلس خبراء الدستور

من نشاطاته الأخرى كان التصدي لمحاولات بعض أعضاء الحكومة المؤقتة لحل مجلس خبراء الدستور أثناء تشكله. فقد تم إعداد رسالة موقعة من خمسة عشر وزيرًا وعضوًا في الحكومة المؤقتة، وكانوا ينوون إعلان حل المجلس للشعب قبل إعلام الإمام الخميني وأخذ رأيه، وإذا اعترض الإمام، كانوا سيستقيلون جماعيًا [188].

آية الله الخامنئي، الذي كان يحضر جلسات مجلس الوزراء نيابة عن مجلس الثورة، اعترض بشدة على الرسالة عند عرضها، وشدد على ضرورة إعلام الإمام قبل نشرها. وعندما علم الإمام الخميني بالموضوع، رفض طلبهم وأكد على استمرار العمل القانوني لمجلس خبراء الدستور [189].

الرحلة الدعوية إلى الهند

في الذكرى الثانية لانتصار الثورة الإسلامية، والتي تزامنت مع بداية القرن الخامس عشر الهجري القمري، ووفق قرار المجلس الأعلى للدعاية الإسلامية، غادرت وفود مختلفة من الجمهورية الإسلامية إلى دول العالم المختلفة لشرح مواقف الجمهورية الإسلامية وخصائص الثورة الإسلامية للشعوب، وخاصة الشعوب المسلمة. وقد تولى آية الله الخامنئي رئاسة الوفد المرسل إلى الهند.

وقد زار خلال أسبوعين في أواخر شباط وأوائل آذار 1981 مدنًا مثل نيودلهي، حيدر آباد، بنغالور [190] ومنطقة كشمير [191]، حيث ألقى خطبًا، وعقد لقاءات وحوارات، وأجريت مقابلات صحفية، خاصة مع وسائل الإعلام المحلية، الطلاب وأساتذة الجامعات، الجمعيات والشخصيات الإسلامية والشيعية في الهند، ليعرض الصورة الحقيقية للثورة الإسلامية الإيرانية ونظام الجمهورية الإسلامية والقضايا المهمة فيه، وخاصة الحرب مع العراق [192]. كما التقى وتحدث مع السيدة غاندي، رئيسة وزراء الهند، التي كانت من الشخصيات الدولية المرموقة والمعترف بها [193].

مقابلة مع الليبراليين وبني صدر

كانت إحدى القضايا المهمة في المجتمع الإيراني خلال السنوات الأولى بعد انتصار الثورة الإسلامية هي وجود نشاط جناحين مؤثرين يُعرفان بـ “قوى خط الإمام” والليبراليين ضمن البنية السياسية الرسمية للبلاد. كان معظم أتباع ومستشاري الإمام خميني، بما فيهم آية الله الخامنئي، ينتمون إلى جناح قوى خط الإمام. أما الوجه البارز لجناح الليبراليين، الذي كان يحمل الكثير من التعارض الفكري والسياسي مع قوى خط الإمام، فهو أبو الحسن بني صدر[194].

كان آية الله الخامنئي يرى في بني صدر ممثلاً لتوجه كان يسبب الانقسام والصراعات بين المسؤولين الكبار في الدولة، وبالتالي يؤدي إلى التفرقة والتشتت في المجتمع[194]. ومع ذلك، ورغم وجود اختلاف أساسي في الرأي مع بني صدر وتياره الداعم له، كان يحافظ على وحدة المجتمع ويؤكد على ذلك التزام الإمام خميني، فلم يكن يُعبّر عن معارضته في الأماكن العامة، وكان في بعض الحالات يُحيل الأمر إلى الإمام خميني للفصل فيه. بعد انحراف بني صدر الواضح عن جوهر الثورة الإسلامية والدستور، وبعد تقديم طرح عدم كفاءته السياسية لرئاسة الجمهورية في مجلس الشورى الإسلامي في 20 حزيران 1981، ألقى آية الله الخامنئي خطابًا مفصلاً وفعالاً مؤيدًا للطرح[195].

من 1979 حتى 22 حزيران 1981، اتخذ آية الله الخامنئي مواقف معارضة متعددة ضد الجناح الليبرالي والوطني. كان يعارض الحفاظ على مكتب الاستشارة العسكرية الأمريكية في إيران وتغيير اسمه من قبل الحكومة المؤقتة[196]. كما كان يعارض تعيين وزراء ونواب وزراء وأفراد في الإدارات والمنظمات الحكومية لا ينتمون لخط الثورة، أو الذين كانوا داعمين للصلح مع أمريكا أو على علاقة بالدول الرجعية العربية، وغيرها من الأمور المشابهة[197].

محاولة الاغتيال الفاشلة من قبل المنافقين

في 27 حزيران 1981، وأثناء إلقاء خطابه بعد صلاة الظهر في مسجد أبوذر بأحد مناطق جنوب طهران، أصيب آية الله الخامنئي بجروح خطيرة نتيجة انفجار قنبلة كانت مزروعة في جهاز التسجيل[198]. أدان الإمام خميني في رسالة وجهها إليه محاولة الاغتيال وأثنى عليه[199]. وأدت هذه الحادثة إلى إصابته بجروح بالغة في الصدر والكتف واليد اليمنى. أشارت التقارير غير الرسمية إلى أن منظمة مجاهدي خلق الإيرانية كانت مسؤولة عن الحادث[200]. كان آية الله الخامنئي أول شخص يُستهدف بالاغتيال بعد عزل بني صدر من رئاسة الجمهورية وقيادة القوات المسلحة. تم إخراجه من المستشفى في 9 آب 1981، وعاد مجددًا إلى النشاط السياسي والاجتماعي، وحضر جلسات مجلس الشورى الإسلامي بدءًا من 17 آب 1981[201].


المصادر

[125] صحیفة الإمام، 5/426 ـ 428
[126] مذكرات آية الله محمد رضا مهدي كني، 183
[127] پا به پای آفتاب…، 2/192
[128] قاسم پور، 92-94
[129] هاشمي رفسنجاني، الثورة والانتصار…، 169
[130] سائلي كرده ده، 11
[131] نفسه، 49-62
[132] ملخص المداولات المفصلة لمجلس الثورة، جلسات مختلفة
[133] نفسه، جلسة 10/12/1978
[134] نفسه، جلسات 29/12/1978؛ 4/6/1979؛ 15/7/1979 و 2/9/1979
[135] نفسه، جلسات 15/3/1979؛ 19/3/1979؛ 11/9/1979؛ 28/11/1979؛ 6/1/1980 و 8/1/1980
[136] صحیفة الإمام…، 6/429
[137] نفسه، جلسات 10/6/1979؛ 14/8/1979 و 4/12/1979
[138] حكومات إيران…، 457 و 459
[139] سائلي كرده ده، 117-118
[140] ملخص المداولات المفصلة لمجلس الثورة، جلسة 3/9/1979
[141] رسالت، عدد 997، 10
[142] هاشمي رفسنجاني، الثورة والانتصار…، 449
[143] هاشمي رفسنجاني، الثورة والانتصار…، 125
[144] نفسه، 215-218
[145] جاسبي، 4/149
[146] جاسبي، 4/146-147
[147] تقرير الأربع سنوات…، 4-7
[148] جاسبي، 4/146
[149] هاشمي رفسنجاني، عبور از بحران…، 263
[150] هاشمي رفسنجاني، آرامش و چالش…، 267
[151] مذكرات سيد مرتضي نبوي، 168
[152] جاسبي، 4/300
[153] الجمهورية الإسلامية، عدد 1541، 15؛ نفسه، عدد 1543، 2
[154] فراز و نشیب حزب جمهوری اسلامی، 11
[155] الجمهورية الإسلامية، عدد 2320، 1
[156] صحیفة الإمام…، 20/275
[157] صحیفة الإمام…، 12/116
[158] در مکتب جمعه…، 2/1-3
[159] در مکتب جمعه…، 2 و 3، صفحات مختلفة
[160] الثقافة والهجوم الثقافي، 311
[161] رضوي، 384
[162] التعريف بمجلس…، 90-91
[163] نفسه، جلسات 166، 167 و 168
[164] مذكرات خالدة، 12
[165] مذكرات خالدة، 11
[166] اطلاعات، عدد 21889، 9
[167] الجمهورية الإسلامية، عدد 387، 1
[168] مجموعة المقابلات… في سنة 1981، 7-8
[169] أمل الثورة، عدد 147، 8-9
[170] المذكرات والحكايات، 10/7-20
[171] كيهان، عدد 11155، 4
[172] صحیفة الإمام، 13/263-264
[173] نفسه، 12/281
[174] الجمهورية الإسلامية، عدد 409، 6
[175] بني لوحي و…، 172-173
[176] الجمهورية الإسلامية، عدد 409، 6
[177] من جنوب لبنان…، 174؛ اطلاعات، عدد 19153، 5
[178] المقابلات…، 1981، 59
[179] در مکتب جمعه…، 9/8/1980
[180] الجمهورية الإسلامية، عدد 509، 2
[181] نفسه، عدد 2088، 2
[182] صحیفة الإمام…، 20/467
[183] درودييان، 163
[184] صحیفة الإمام، 20/92-95
[185] ولايتي، 278-279
[186] صحیفة الإمام…، 8/138
[187] الجمهورية الإسلامية، عدد 113، 8؛ نفسه، عدد 182، 10؛ نفسه، عدد 192، 10
[188] مجموعة المقابلات…، 1981، 112-114
[189] صحیفة الإمام…، 10/320
[190] كيهان، عدد 11222، 4
[191] الجمهورية الإسلامية، عدد 498، 3
[192] كيهان، عدد 11218، 12؛ الجمهورية الإسلامية، عدد 497، 3
[193] در مکتب جمعه…، 3/114-118
[194] سيرة حياة قائد الثورة، الطبعة 4، 166-172
[195] المداولات المفصلة لمجلس الشورى الإسلامي، الدورة الأولى، جلسة 167
[196] المقابلات…، 1984-1985، 114-116
[197] ملخص المداولات لمجلس الثورة، جلسات متعددة
[198] الثورة في الأزمة…، 176
[199] صحیفة الإمام، 14/504
[200] جَرَعَة نوش كوثر…، 217-218
[201] المداولات المفصلة لمجلس الشورى الإسلامي، الدورة الأولى، جلسة 199

*ترجمة مركز الإسلام لأصيل

للمشاركة:

روابط ذات صلة

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل