من المحاور الأساسية التي تميّز السياسة الإسلامية والعلوية عن السياسة غير الإسلامية أو الأموية، مسألة مشاركة الحاكم لآلام الناس ومعاناتهم. فالإسلام يرى أن من واجب الحاكم أن يضع نفسه إلى جانب الناس وأن يلمس معاناتهم بشكل مباشر.
وينبغي أن يُختار المسؤولون من بين المستضعفين وأصحاب المعاناة؛ لأن من ذاق مرارة الشدائد يفهم آلام الناس بصورة أفضل، ويسعى لمعالجة مشاكلهم بدافعٍ أقوى والتزامٍ أكبر.
أما في المقابل، فإن السياسة المستمدة من مدرسة الاستكبار تقوم على الابتعاد عن آلام الناس ومعاناتهم. فهذه الرؤية تعتقد أن السياسيين ينبغي اختيارهم من بين أولئك الذين عاشوا في الرفاه والثراء والترف؛ أي من عاشوا حياة مريحة، بينما كان شعبهم يعيش الفقر والبؤس.
وقد انتقد الإمام علي بن أبي طالب هذا الفكر بأبلغ صورة في عبارته المشهورة الواردة في رسالته إلى عثمان بن حنيف الأنصاري، حيث قال:
أَأَقْنَعُ مِنْ نَفْسِي بِأَنْ يُقَالَ هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا أُشَارِكُهُمْ فِي مَكَارِهِ الدَّهْرِ، أَوْ أَكُونَ أُسْوَةً لَهُمْ فِي جُشُوبَةِ الْعَيْشِ؟!
أي: «أأرضى لنفسي أن يُقال عني: هذا أمير المؤمنين، وأكون قائد المجتمع الإسلامي، ثم لا أشارك الناس شدائد الحياة، ولا أكون قدوة لهم في قسوة العيش ومعاناته؟».
ورد في أحاديث أخرى عند الشيعة أيضاً ما يتعلق بهذه القضية. فقد ذكروا قصة عثمان بن حنيف الأنصاري؛ إذ كان له أخٌ رجلٌ مؤمن ومتعبّد، لكنه ترك الحياة كلها واتجه إلى الزهد والعبادة، ظانّاً أنه يقوم بعملٍ حسن. فشكا عثمان بن حنيف أمر أخيه إلى الإمام علي بن أبي طالب، قائلاً إن أخي قد ترك الحياة على هذا النحو.
فاستدعاه الإمام وخاطبه قائلاً:
«أتعادي نفسك؟! لقد تركت الحياة، وابتعدت عن عائلتك وزوجتك وأولادك، فلماذا تفعل ذلك؟»
فأجاب الرجل:
«لقد اقتديت بك، فلماذا أنت تفعل هذه الأمور؟»
فغضب الإمام وقال:
«إن لي تكليفاً مختلفاً. فأنا إمام المجتمع، ويجب أن أكون في مستوى الفقراء وأسير معهم في الطريق نفسه، حتى لا يثقل عليهم الجوع والفقر. أنا مختلف عنكم؛ فهذه مسؤولية قيادة المجتمع الإسلامي.»
وهذا أيضاً مثال آخر يوضح مرةً أخرى الفرق بين السياسة العلوية والسياسة الأموية.
يروي أحدهم فيقول: ذهبت إلى معاوية بن أبي سفيان. فدعاني إلى مائدة الطعام، فجلست وجاؤوا بأطعمة غريبة لم نكن نعرفها. فلما رأيت تلك المائدة الفاخرة انهمرت الدموع من عيني. فسألني معاوية: لماذا تبكي؟
فقلت:
لقد ذهبت يوماً إلى الإمام علي بن أبي طالب، فدعاني إلى الطعام معه. فلما جلست جاءوا بطعامٍ له: كيسٌ من الخبز كان مربوطاً ومختوماً.
فقلت: يا علي، أتخاف أن يأخذ أحد هذا الخبز؟ أم تبخل به حتى لا يستفيد منه أحد؟
فقال:
«لا، بل أخشى أن يضيف الإمام الحسن بن علي أو الإمام الحسين بن علي شيئاً إليه.»
فلما فُتح الطعام، كان خبزاً يابساً مع لبنٍ حامض، حتى إن رائحته الحامضة كانت تُشمّ من عدة أمتار. هذا كان طعام الإمام علي بن أبي طالب، بينما تلك كانت مائدة معاوية.
وهذا هو الفرق بين هاتين السياستين؛ فرقٌ ما زال – مع الأسف – موجوداً في المجتمعات البشرية، ولا سيما في المجتمعات الإسلامية: الفرق بين مشاركة الناس آلامهم ومعاناتهم، وبين زيادة معاناتهم.
فتلك الموائد الفاخرة التي تُلتقط لها الصور اليوم وتُنشر لتُظهر كيف يعيش هذا المسؤول أو تلك المؤسسة أو تلك المظاهر من الترف، في حين يرى الناس البسطاء أن أبناءهم قد لا يملكون حتى مالاً بسيطاً يأخذونه معهم إلى المدرسة ليشتروا به شيئاً يسيراً أثناء يومهم الدراسي.





