إن من دخل في مقام الصيام وامتنع ـ امتثالًا لأمر الله ـ عن الحلال من طعام وشراب، فإنه بطبيعة الحال يستطيع أن يترك ما هو أعلى من ذلك أيضًا، وأن يقاوم المحرمات وحتى الأمور العبثية. فبعض السهرات الليلية قد تكون متعبة، لكنها لا تجلب أي ثواب.

بسم الله الرحمن الرحيم؛ نحمد الله أننا في رحاب الصحيفة السجادية للإمام السجاد عليه السلام، وننهل من كلماته المباركة، لعلنا ـ إن شاء الله ـ نعيش في هذا العام شهر رمضان مختلفًا.

وقد ذكرنا أن الإمام السجاد عليه السلام يقول في الفقرة السادسة من الصحيفة السجادية:

«اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَأَلْهِمْنَا مَعْرِفَةَ فَضْلِهِ وَإِجْلَالَ حُرْمَتِهِ».

وقد تحدثنا عن معنى «الإلهام»، ثم يواصل الإمام في الدعاء فيقول:

«وَالتَّحَفُّظَ مِمَّا حَظَرْتَ فِيهِ، وَأَعِنَّا عَلَى صِيَامِهِ بِكَفِّ الْجَوَارِحِ عَنْ مَعَاصِيكَ، وَاسْتِعْمَالِهَا فِيهِ بِمَا يُرْضِيكَ، حَتَّى لَا نُصْغِيَ بِأَسْمَاعِنَا إِلَى لَغْوٍ».

أي: اللهم احفظني لأجتنب ما نهيتني عنه، وأعنّي على الصيام بأن أكفّ جوارحي عن معاصيك، وأستعملها فيما يرضيك، حتى لا نصغي بآذاننا إلى اللغو.

ثم يشير الإمام عليه السلام في تتمة الدعاء إلى أعضاء الإنسان وجوارحه واحدًا بعد آخر، ويذكر أهمها، ليُنبّه الإنسان إلى ضرورة الحذر مما يجب أن تُصان عنه هذه الجوارح.

فيقول الإمام السجاد عليه السلام:

اللهم في شهر رمضان المبارك، اجعلني بالصيام لا أمتنع عن الطعام والشراب فحسب، بل أبتعد عن كل ما يبعدني عن رضاك، حتى تُحفظ أذناي من سماع اللغو.

فمن كان في مقام الصيام وامتنع امتثالًا لأمر الله عن الحلال من الطعام والشراب، فإنه يستطيع بطبيعة الحال أن يترك ما هو أعلى من ذلك، وأن يقاوم الحرام وحتى الأمور العبثية.

ويقول الإمام: اللهم أوصلني إلى مقام أعرض فيه حتى عن اللغو.

أي عن الأمور التي لا خير فيها للدنيا ولا للآخرة.

فالإمام السجاد عليه السلام يسأل الله أن لا يسمع حتى اللغو، لأن سماع اللغو قد يكون مقدمة للوقوع في المعصية.

وقد جاء في القرآن الكريم في مطلع سورة المؤمنون:

«قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ».

كان سماحة آية الله بهجت رحمه الله يقول:

«إذا حصل في الإنسان الإعراض عن اللغو، تحقق له الخشوع في الصلاة، وإذا تحقق الخشوع في الصلاة فقد تمّ الأمر؛ أي إن الإنسان يصل إلى الصلاح والنجاة».

ويقول الإمام السجاد عليه السلام في تتمة الدعاء: «وَلَا نُسْرِعَ بِأَبْصَارِنَا إِلَى لَهْوٍ».

ولكن قد يُسأل: لماذا بدأ الإمام بين الجوارح بذكر الأذن؟

لعل السبب في ذلك أن السمع من الجوارح التي قد يقع فيها السماع أحيانًا بغير قصد واختيار.

واللهو هو كل ما يصدّ الإنسان عن الحقيقة؛ كأن ينشغل بأمور لا ثمرة لها، سواء في الفضاء الافتراضي أو في مشاهدة الأفلام والمسلسلات التي غالبًا لا تعود على الإنسان بفائدة. فكثيرًا ما يظن الإنسان في شهر رمضان المبارك أنه يشاهد هذه الأمور ليرفع التعب، لكنه في الواقع يضيع ساعات من عمره ويحرم نفسه فرصة القرب من الله.

ثم يقول الإمام عليه السلام: «حَتَّى لَا نَبْسُطَ أَيْدِيَنَا إِلَى مَحْظُورٍ»، أي: اللهم لا نمدّ أيدينا إلى الحرام.

«وَلَا نَخْطُوَ بِأَقْدَامِنَا إِلَى الْمَحْجُورِ»، أي: ولا نسير بأقدامنا إلى ما نهيت عنه.

وهنا كأن الإمام السجاد عليه السلام ينظّم مملكة وجود الإنسان كلها؛ كما أشار الإمام الخميني رحمه الله في كتاب «الأربعون حديثًا» إلى أن أعضاء الإنسان وجوارحه ينبغي أن تنسجم جميعها في طريق العبودية.

ثم يقول الإمام عليه السلام:

«وَحَتَّى لَا تَعِيَ بُطُونُنَا إِلَّا مَا أَحْلَلْتَ»، أي: اللهم لا تمتلئ بطوننا إلا بما أحللت.

ويقول أيضًا: «وَلَا تَنْطِقَ أَلْسِنَتُنَا إِلَّا بِمَا مَثَّلْتَ»، أي: اللهم لا تنطق ألسنتنا إلا بما أمرت به وأذنت فيه.

ثم يقول:

«وَلَا نَتَكَلَّفَ إِلَّا مَا يُدْنِي مِنْ ثَوَابِكَ»، أي: اللهم لا نقوم بعمل إلا إذا كان يقربنا من ثوابك، ولا نجهد أنفسنا في أعمال لا ثمرة لها في طريق العبودية.

فقد يبقى الإنسان مستيقظًا إلى منتصف الليل، لكنه ينشغل بأمور لا تقربه إلى الله؛ كإضاعة الوقت في الألعاب أو في الفضاء الافتراضي. فهذه السهرات وإن كانت متعبة، لكنها لا تترتب عليها أي ثواب.

وفي ختام الدعاء يقول الإمام السجاد عليه السلام:

«وَلَا نَتَكَلَّفَ إِلَّا مَا يُدْنِي مِنْ ثَوَابِكَ، وَلَا نَتَعَاطَى إِلَّا الَّذِي يَقِي مِنْ عِقَابِكَ».

أي: لا نسعى إلا في ما يقربنا من ثوابك، ولا نأخذ إلا بما يحمينا من عقابك.

اللهم لا تدخلنا في عمل إلا إذا كان سببًا لوقايتنا من عقابك.

ولا شك أن تلاوة القرآن في هذه الليالي، والذكر، وسجود الشكر، وقراءة أدعية الصحيفة السجادية، وإقامة الصلاة، من الأمور التي تمهّد هذا الطريق للإنسان.

ويختم الإمام كلامه قائلاً: اللهم اجعل في هذا الشهر جميع أعضائي ووجودي في طريق عبادتك؛ ونسأل الله أن نكون كذلك إن شاء الله.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل