يمثّل شهر رمضان المبارك فرصة للتعرّف إلى كنز فريد من حِكَم وبصائر الإمام علي. وفي الملف الخاص «الضيافة العلوية» نضع بين يديكم مقاطع من خطب نهج البلاغة كما يشرحها محمود لطيفي المختص في نهج البلاغة.
في الخطبة 147 من نهج البلاغة
«فَبَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّداً صلى الله عليه وآله بِالْحَقِّ لِيُخْرِجَ عِبَادَهُ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ إِلَى عِبَادَتِهِ، وَمِنْ طَاعَةِ الشَّيْطَانِ إِلَى طَاعَتِهِ».
إنّ الغاية من العمل السياسي في الإسلام هي مواجهة صناعة الأصنام وعبادتها، ورفض الاتباع الأعمى للطواغيت والشياطين، وتحرير الإنسان من الأوهام التي يصنعها لنفسه ومن الأصنام الراسخة في ذهنه، وكذلك تحريره من عبودية أولئك الذين يريدون بناء حياتهم الطفيلية على الهيمنة على الآخرين وإخضاعهم لقيود العبودية.
فبعثة الأنبياء جاءت لتحرير الطاقات الكامنة في الإنسان، تلك التي قمعتها أو كبّلتها الطواغيت.
أما الدافع إلى العمل السياسي والطريق لتحقيق هذا الهدف، فليس إلا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فالرخصة التي يملكها الإنسان المؤمن الموحد لدخول ميدان السياسة هي:
إما إقامة معروف وإشاعة خير في المجتمع،
وإما إزالة منكرٍ أو دفع شرٍّ لوّث حياة المجتمع.
وأيّ عمل سياسي لا تكون نتيجته تحقيق معروف أو إزالة منكر فهو عمل عبثي أو تدخّل غير مشروع.
فكل حركة سياسية ينبغي أن تفضي في نتيجتها إلى الدعوة إلى عبادة الله، وإلى التزام القوانين والضوابط التي وضعها خالق الكون التزامًا نابعًا من الاختيار، أو أن تنتهي إلى مواجهة نفوذ الشيطان وشياطين الإنس والجن.
وهذه مسؤولية موضوعة على عاتق كل مسلم واعٍ لآلام أمته، وهي التزام مغروس في فطرة الإنسان، ليكون طالبًا للخير مانعًا لجريان الشر.
وقد كان علي بن أبي طالب تلميذًا تربّى في كنف صاحب الرسالة محمد بن عبد الله الذي جاء ليكون ممن:
«يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُم عَنِ المُنْكَرِ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِم…»،
فكان خيرَ تلميذٍ لخيرِ معلّم.
يقول الإمام علي عليه السلام:
«ما شككتُ في الحقّ مذ أُرِيتُه»
— من نهج البلاغة (الخطبة 4 والحكمة 184).
مهتديا بقوله تعالى:
«وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى»
— سورة النجم (الآيتان 39–40).
فنظام الكون يقوم على الحق والعدل؛ والنظام والانتظام مغروسان في أصل الخلق وفي حياة الإنسان، والإنسان في حقيقته ثمرة سعيه، وهو في كل حال إنما يجلس على مائدة ما قدّم بعمله. والسلطة الحقيقية التي تحكم الإنسان ليست سلطة الأشخاص، بل السنن والقوانين الجارية في نظام الوجود؛ لذلك لا يحقّ لأحد أن يصادر حياة غيره لمصلحته، كما لا يحقّ للإنسان أن يسلّم حياته وأبديته وعقله لأهوائه وشهواته أو لأهواء الآخرين.
وقد جعل الله سبحانه الإنسان عند مفترقات الطرق مخيَّرًا ليختار بنفسه؛ فإن أحسن الاختيار استحقّ الثواب، وإن أخطأ لم يكن له أن يلوم أحدًا سوى نفسه. وفي النظام الحاكم على الوجود لا يظهر في حقيقته إلا مسار واحد هو مسار الحق والكمال، غير أنّ الإنسان في طريق الارتقاء والتكامل يواجه تيارين متقابلين، ليختار أحدهما بإرادته، فيُفعِّل طاقاته ويختبر نفسه وينمّيها.
وهذان التياران هما: تيار الولاية الإلهية والربوبية القائمة على الحق، وتيار ولاية الطاغوت والباطل. وقد تجلّت مظاهر هذين التيارين منذ فجر تاريخ البشرية في صور متعددة: الحق والباطل، الإسلام والكفر، ولاية الله وولاية الشيطان، والنهج العلوي والنهج الأموي. وما تزال هذه المواجهة مستمرة إلى يومنا هذا، وستبقى ما دامت حياة الإنسان في الدنيا، متجلّيةً في كل عصرٍ بصيغة تناسب ظروفه.
وبعون الله، والاستمداد من الوليّ المطلق الإلهي، نتناول في هذه السلسلة من الأبحاث بعض ملامح السياسة في كلمات أمير المؤمنين عليه السلام، مع الإشارة أحيانًا إلى مقارنتها بالسياسة الأموية كما تعكسها وقائع التاريخ.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





