إذا كان أمير المؤمنين عليه السلام يواجه جاهلية تقليدية، فإن قائد الثورة كان يتعامل مع جاهلية حديثة. في هذه المذكرة الموجزة أحاول قياس الفرق بين العصر الذي عاش فيه قائد الثورة وتولى قيادة المجتمع الإسلامي، وبين عصر أمير المؤمنين عليه السلام.

ونستند في هذا على كلمات القائد الراحل – التي سمعناها مرارًا – والتي تشير إلى أن فترة خلافة أمير المؤمنين عليه السلام كانت مرحلة مفصلية، بل يمكن القول بلغة اليوم إنها نموذج تحليلي لفهم الظواهر الاجتماعية والسياسية والأزمات التي قد تواجه المجتمعات الإسلامية، وكذلك لمواجهة ما يعرف اليوم بالحروب المعرفية.

في صدر الإسلام لم يتعرض أحد لحروب معرفية بقدر ما تعرض له أمير المؤمنين عليه السلام؛ فقد حاول خصومه بوسائل متعددة تغيير وعي المجتمع تجاهه وإشعال صراعات معرفية وإعلامية ضده. وقد واجه الإمام عليه السلام، في حياته وبعد استشهاده، موجات واسعة من هذه الحروب المعرفية. وكان من أهم واجبات أتباع أهل البيت عبر التاريخ مواجهة هذه الحروب والتصدي لها.

والفرق بين الجاهلية الحديثة والجاهلية التقليدية لا يقتصر على أدوات الدعاية أو الحروب المعرفية فحسب، بل يشمل كذلك درجة التعقيد. ففي العصر الحديث نواجه سيلًا هائلًا من المعلومات المضللة، والانحيازات المعرفية والخوارزمية في شبكات التواصل الاجتماعي ووسائل الاتصال المختلفة.

ومن أبرز خصائص الحروب المعرفية المعاصرة أنها منهجية ومنظمة، وتعتمد على نتائج دراسات متعددة تشمل الدراسات الثقافية واللسانيات وغيرها. فعلى سبيل المثال، عندما يريد البعض شن حرب معرفية ضد إيران، يجرون أولًا دراسات ثقافية دقيقة عن المجتمع الإيراني، ثم يطلقون بناءً عليها حملات لغوية واستعارية متنوعة وممنهجة.

لقد كان إمام الثورة الشهيد آية الله الخامنئي وارثًا لأربعة عشر قرنًا من الحروب المعرفية التي استهدفت الإسلام، وكان على دراية تامة بمسارات هذه الحروب وتقلباتها وتفاصيلها. وكان يعلم جيدًا طبيعة الحروب المعرفية التي قد تنشأ في أي أزمة، وكيف ينبغي مواجهتها، ولهذا كان يحرص على توعية الناس بها. ويظل الشعب الإيراني يتذكر بوضوح طريقة مواجهته للفتنة التي حدثت عام 2009م (المعروفة في إيران بسنة 88)، وكذلك إدارته للحرب المعرفية خلال حرب الأيام الاثني عشر، ولن ينسى أبدًا قوته في إدارة هذه الحروب في مثل هذه الظروف الحرجة.

نعم، لقد جعل إمام الثورة الشهيد تحليل أحداث صدر الإسلام، وتجربة ما يعرف في الأدبيات الشيعية بـ «الإنسان ذو المئتين والخمسين عامًا»، محور تفكيره، واستفاد كثيرًا من دروس تلك المرحلة الطويلة في إدارة الحروب المعرفية.

ولا شك أن من أهم صفات القائد المستقبلي أن يكون متخصصًا في الحروب المعرفية، وهذه إحدى أبرز الدروس التي أفرزتها مرحلة قيادة آية الله الخامنئي. فالقائد، إلى جانب الاجتهاد والوعي والبصيرة والنزاهة المالية وسائر الصفات الأساسية الأخرى، يجب أن يمتلك خبرة متقدمة في ميدان الحروب المعرفية.

علیرضا قائمی‌نیا


*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل