يكشف أمير المؤمنين عليه السلام في الخطبة 136 من نهج البلاغة التمايز بين النظرة الإلهية والنظرة الدنيوية إلى السلطة؛ حيث إن الناس يسعون إلى حاكم يحقق مصالحهم، بينما يسعى الحاكم الإلهي إلى قوم يعملون لله. وهذا التقابل يعد معيارا لتمييز الاختيار الواعي من البيعة غير المتبصرة.
في مقطع من خطب نهج البلاغة (مع شرح حجة الاسلام والمسلمين محمود لطيفي)، يقول أمير المؤمنين عليه السلام:
«لَمْ تَكُنْ بَيْعَتُكُمْ إِيَّايَ فَلْتَةً، وَلَيْسَ أَمْرِي وَأَمْرُكُمْ وَاحِدًا، إِنِّي أُرِيدُكُمْ لِلَّهِ، وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَنِي لِأَنْفُسِكُمْ». (الخطبة 136).
ومن الكلمات التي اختارها أمير المؤمنين من التوراة:
«يا ابن آدم، كل يريدك لأجله، وأنا أريدك لأجلي».
(المواعظ العددية، ص 420)
ومن الفروق الأساسية الأخرى بين السياسة الإلهية والسياسة الطاغوتية نظرة كل منهما إلى دور الناس ومكانتهم.
وقد أشير سابقا إلى أن حضور الناس إلى جانب أي تيار يمنحه القوة، وأنه من دون حضور الناس لا يمكن لأي حكومة أن تستمر. وهذه حقيقة يدركها المصلحون والناصحون للمجتمع، كما يدركها أيضا المخادعون الذين يسعون إلى استغلال هذا الحضور لتحقيق مصالحهم.
وكلا الطرفين يطلبان مساندة الناس؛ غير أن الناس هم الذين يمكنهم أن يختاروا عن وعي وتدبر وبحث، فيسلّموا أمانة السلطة ونعمتها إلى شخص أمين يقودهم في طريق السعادة والكمال، أو أن يسلّموا زمام أنفسهم والمجتمع، بدافع العواطف أو التعصبات أو الأوهام أو نتيجة التحريض والخداع، إلى شخص يجعل من قوة الناس سلّما يحقق به أهواءه وشهواته الحيوانية.
وعندئذ تكون النتيجة هي ما نشاهده في كثير من الديمقراطيات في العالم اليوم، كما أن مثل هذه الحالات لم تكن غريبة عن تاريخ الإسلام أيضا
كلمة فلتة تعني: عملا يجري من غير تدبير ولا روية، وبصورة عشوائية غير مدروسة. وقد استعملت هذه الكلمة أول مرة على لسان الخليفة الاول، حينما اضطربت المدينة ولم يوافق أهل بيت النبي على اختيار الخليفة. ولتبرير الحدث غير المقبول الذي وقع قال:
«إن بيعتي كانت فلتة، وقى الله شرها، وخشيت الفتنة»
(السقيفة وفدك، أبو بكر الجوهري، ص 44).
أي: إن بيعتي كانت أمرا غير مدروس، لكن الله دفع شرها. وكأن الجميع يدركون في فطرتهم أن الأعمال غير المدروسة تجر الشرور، وهو يدعي أن الله حفظ الناس من شر هذا العمل غير المتبصر.
وبعد مدة، كان الخليفة الثاني قد ذهب إلى الحج، فرأى بعض الانتهازيين الفرصة سانحة، فبدأوا يتداولون فيما بينهم، وكان مقصدهم اختبار وضع المجتمع: من سيكون الخليفة إن مات الخليفة الحالي؟ وقد بلغ هذا الكلام الخليفة، فصعد المنبر وقال:
«فلا يغترن امرؤ أن يقول إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت، ألا إنها قد كانت كذلك ولكن الله وقى شرها»
(صحيح البخاري، حديث 6830).
أي: لا يظنن أحد أن بيعة أبي بكر كانت أمرا غير مدروس ثم انتهى الأمر واستقر؛ نعم، لقد كانت كذلك، ولكن الله دفع شرها.
وبناء على هذه السابقة يقول أمير المؤمنين عليه السلام:
إنكم أيها الناس لم تبايعوني بيعة غير مدروسة؛ فقد كانت لديكم فرصة المعرفة والتأمل، ولم يكن هناك من أفسد الأجواء أو شوّه الحقيقة.
حتى إن أمير المؤمنين عليه السلام كان يقول عندما أقبل الناس عليه يطلبون بيعته:
«دعوني والتمسوا غيري»
أي: كوني لكم ناصحا ومشيرا وأقوم بشؤونكم خير من أن أكون عليكم أميرا.
وكان عليه السلام يقول أحيانا:
«أحق واجب هذا من الله عليكم، أم رأي رأيتموه من عند أنفسكم؟»
(فتوح ابن الأعثم، ج 2، ص 435).
أي: هل تختارونني بأمر الله، ولأجل اتباع حكم الله ورسوله، ولتسليم الأمانة إلى أهلها، أم إنكم ترونني اليوم مصلحة كما رأيتم غيري مصلحة في المراحل الثلاث السابقة؟
هل تقدمون على هذا الاختيار من تلقاء أنفسكم، أم بوصفه طاعة للدين وامتثالا لأمر الله؟
ثم يقوم أمير المؤمنين عليه السلام بتحليل المسألة بنفسه، فيقول إنكم لم تصبحوا اليوم أكثر إيمانا مما كنتم عليه قبل خمس وعشرين سنة.
فأنتم اليوم تريدونني لتأمين مصالحكم، أما أنا فأفكر في أمر آخر: هل أستطيع، بقوة أناس مثلكم، أن أنهض بواجباتي الإلهية؟
وهنا يكمن التحدي الأساسي.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





