شهر رمضان المبارك يُعدّ فرصةً فريدةً للتضرع والابتهال والتقرب إلى الله تعالى. في هذا الشهر المضيء، سيكون الملف الخاص «بزوغ العبودية»، متضمّنًا مقاطع من أدعية الإمام السجاد عليهالسلام في صحيفة السجاديّة، مع شرح حجة الاسلام والمسلمين السيد عبدالرزاق پیردهقان، خبير صحيفة السجاديّة، ضيفًا على موائد الإفطار للمثقفين والأخيار.
بسم الله الرحمن الرحيم؛
نشكر الله العظيم أننا نجلس في محضره الكريم، بينكم أيها الأحبّة والعلماء والفضلاء، على مائدة صحيفة السجاديّة.
وقد ذكرنا أن الإمام السجاد عليهالسلام يقول في فقرة من هذا الكتاب الشريف ـ الفقرة السابعة التي نحن في محضرها ـ:
«اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَأَلْهِمْنَا مَعْرِفَةَ فَضْلِهِ وَإِجْلَالَ حُرْمَتِهِ، وَالتَّحَفُّظَ مِمَّا حَظَرْتَ فِيهِ، وَأَعِنَّا عَلَى صِيَامِهِ بِكَفِّ الْجَوَارِحِ عَنْ مَعَاصِيكَ، وَاسْتِعْمَالِهَا فِيهِ بِمَا يَرْضِيكَ، حَتَّى لَا نُصْغِيَ بِأَسْمَاعِنَا إِلَى لَغْوٍ، وَلَا نُسْرِعَ بِأَبْصَارِنَا إِلَى لَهْوٍ، وَحَتَّى لَا نَبْسُطَ أَيْدِينَا إِلَى مَحْظُورٍ، وَلَا نَخْطُو بِأَقْدَامِنَا إِلَى مَحْجُورٍ، وَحَتَّى لَا تَعِي بُطُونُنَا إِلَّا مَا أَحَلَلْتَ، وَلَا تَنْطِقَ أَلْسِنَتُنَا إِلَّا بِمَا مَثَّلْتَ…»
مضمون الدعاء وشرحه:
«اللَّهُمَّ! احفظ أذناي عن سماع الأمور الباطلة واللغو، واحفظ بصري عن النظر إلى ما لا فائدة فيه ولا خير، واحفظ يدي عن القيام بالأعمال التي حرّمتها، واحفظ قدمي عن السير نحو الأماكن التي نهيت عنها، واحفظ بطني عن أكل ما حرمته، واحفظ لساني عن الكلام إلا بما يرضيك، وبصورة شاملة، يا الله، لا تجعلني أتعرض للتعب والجهد إلا في الأعمال التي تقرّبني إليك وتؤهلني لثوابك وقربك.»
في الحقيقة، يريد الإمام أن يقول: عبوديتنا وحركتنا يجب أن تكون في مثل هذا المسار. الإمام السجاد عليهالسلام يؤكّد أن لا ينبغي أن نهدر النعم والإمكانات التي وهبنا الله إياها — مثل العين، اليد، اللسان، القدم، وبقية الأعضاء والأعضاء الحركية — في الفراغ أو الضياع، وألا نضيّع الفرص المتاحة لنا.
ويودّ الإمام عليهالسلام في الواقع أن يفهمنا أننا مسؤولون أمام الفرص والمواقف التي تأتي في حياتنا.
كما أننا مسؤولون أيضًا عن المواقف التي نتخذها وفق مقتضى الزمان؛ فعيوننا، وألسنتنا، وآذاننا، وأيدينا وأقدامنا، وكل أعضاءنا وجوارحنا لها موقف، وسنكون مساءلين أمام الله عنها.
الأمر ليس أن تنتهي أعمالنا هنا فقط؛ بل يجب أن تُنفق كل هذه الأعضاء والأفعال في سبيل عبودية الله. النعم التي منحها الله للإنسان يجب أن تُصرف في سبيل طاعته وعبادته.
ويواصل الإمام عليهالسلام بالدعاء قائلاً:
«اللَّهُمَّ! لا تجعلني أتعرض للتعب والجهد إلا في ما يقربني إليك ويؤهلني لثوابك».
(وَ لا نَتَكَلَّفُ إِلَّا مَا يُقَرِّبُنَا مِنْ ثَوَابِكَ)
في دعاء السابع والعشرين من صحيفة السجاد عليه السلام، الإمام السجاد عليه السلام يدعو حتى لأولئك المجاهدين من المسلمين الذين يقاتلون أعداء الحق في ميادين الجهاد ويأملون الشهادة قائلاً:
«اللهم! اجعل هذه الأعضاء والجوارح التي منحتها لهم، بحيث تُستعمل حتى اللحظة الأخيرة في سبيلك، لا لتسقط مع أول سهم يُصيبها، بل لتُنفق هذه الأعضاء والجوارح في سبيلك».
ويقول الإمام عليه السلام:
«فإن ختمت له بالسعادة، وقضيت له بالشهادة، فبعد أن يجتاح عدوك بالقتل، وبعد أن يُؤسر أولئك الذين يجب أن يُؤسروا، وبعد أن تأمن أطراف المسلمين، وبعد أن يولّي عدوك مدبرين».
أي: اللهم، إذا قدّرت الشهادة لعبد من عبادك، فاجعلها بعد أن يقضي على العدو ويهلكه، ويأخذ أولئك الذين يجب أن يُؤسروا إلى الأسر، وبعد أن تُحقق الأمن بين المسلمين، وبعد أن يفر العدو من الأراضي الإسلامية، عندئذ اجعل الشهادة نصيب هذا العبد».
أي: مع أن الشهادة هي أعظم سعادة، إلا أن الإمام السجاد عليه السلام يقول: إن هذه الأعضاء والجوارح التي منحها الله للإنسان، يجب أن تُنفق في سبيله؛ في ميدان العمل، في مسار العبادة والطاعة.
وأحيانًا، يبقى الإنسان مستيقظًا حتى وقت متأخر من الليل بسبب الغفلة، وليس للعبادة أو ذكر الله، بل لمشاهدة برنامج لا خير فيه للدنيا ولا للآخرة.
وأحيانًا يشغله الانشغال بوسائل التواصل الاجتماعي أو التلفاز أو أمور مشابهة عن استثمار أوقات عمره؛ فيبقى مستيقظًا حتى منتصف الليل، لكنه غافل عن ذكر الله ولا يدرك أن هذه الأوقات يجب أن تُستثمر في مسار عبادة الله وطاعته.
وعينه، بدل أن تتعب في تلاوة القرآن أو دراسة دعاء أهل البيت عليهم السلام، تنصرف إلى أمور باطلة؛ وجسده وأعضاؤه، بدل أن تتعب في سبيل العبادة، تُنفق في طريق آخر لا يعود عليه بالنفع.
ثم يقول الإمام عليه السلام:
«وَ لَا نَتَعَاطَى إِلَّا الَّذِي يَقِي مِنْ عِقَابِكَ»؛
أي: «اللهم! لا أقوم بأي عمل إلا بحيث يكون عند دخولي فيه محفوظًا من عقابك ومصونًا عنه».
ثم يضيف: هذه الأعضاء والجوارح التي تؤدي واجبها، يجب أن يكون لها دعم داخلي، أي أن تكون نية الإنسان وداخله طاهرة وصحيحة.
ومن هنا يقول الإمام عليه السلام:
«ثُمَّ خَلِّصْ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ رِئَاءِ الْمُرَائِينَ، وَسُمْعَةِ الْمُسْمِعِينَ، لَا نُشْرِك فِيهِ أَحَدًا دُونَكَ، وَ لَا نَبْتَغِي فِيهِ مُرَادًا سِوَاكَ»؛
أي: «اللهم! اجعل كل أعمالي خالية من الرياء والتظاهر، ومن طلب رضا من يسمع ويشاهد، فلا أشرك فيها أحدًا سواك، ولا أبتغي فيها مقصدًا إلا رضاك».
لأن الرياء علامة على نوع من الشرك في وجود الإنسان.
ومن ثم يقول الإمام عليه السلام:
«وَ اجْعَلْنِي لَا أُشْرِكُ فِي عَمَلِي أَحَدًا دُونَكَ»؛
أي: «اللهم! لا يجعل أحدًا شريكًا لي في أعمالي إلا أنت؛ لا أفعل شيئًا ليُرى من الآخرين أو يُعجب به، ولا لأجل أن يسمعه أحد فيحمدني».
وفي النهاية يقول الإمام عليه السلام:
«وَلَا أَتَطَلَّعُ فِيهِ إِلَى مُرَادٍ سِوَاكَ»؛
أي: «اللهم! في كل عملي لا أطلب ولا أنوي إلا أنت، ولا أبتغي مقصدًا إلا رضاك».
نسأل الله تعالى أن يجعلنا، ببركة هذا الشهر المبارك، من أهل العبادة والخضوع الخالص، وأن يمنّ علينا بتوفيق الإخلاص في العمل. نقدّم هذه الكلمات المباركة إلى محضر الإمام السجاد عليه السلام.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





