تشهد الساحة الدينية والاجتماعية في إيران في السنوات الأخيرة تنامياً ملحوظاً لنزعات الخرافة والباطنية المتطرفة، وهي ظاهرة لا تبدو عفوية أو عابرة، بل تشير قرائن كثيرة إلى أنها نتاج عملية توجيه مقصودة تستثمر جهل بعض الناس وعواطفهم الدينية من أجل تحريف الوعي الديني وإضعاف النزعة العقلانية في فهم الدين.

إن تاريخ المجتمع الإيراني يحمل شواهد عديدة على محاولات صناعة الخرافة وتوظيفها سياسياً واجتماعياً. فالقصة الشهيرة التي تحدثت عن ظهور صورة الإمام الخميني في القمر لم تكن مجرد إشاعة عفوية، بل ارتبطت بمشروع استخباراتي في عهد النظام البهلوي.

فقد كُشف لاحقاً أن جهاز الموساد قدّم للسافاك مشروعاً يحمل الاسم الرمزي «ماهان»، هدفه الترويج لتلك الإشاعة. ووفقاً لما صرّح به حسن مثنّى، أحد كبار مستشاري السافاك، فإن الغاية كانت إضعاف إيمان الناس وتحويل التدين إلى حالة عاطفية قابلة للتلاعب.

اليوم يتكرر المشهد ذاته ولكن بصور مختلفة؛ إذ تنتشر روايات عن «تجسس الجن خلال حرب الأيام الاثني عشر»، أو عن «تسخير المتظاهرين بواسطة السحر والجن في احتجاجات عام 2025»، حتى برزت ظاهرة اجتماعية يمكن وصفها بـ «فوبيا الجن».

ولا يصعب إدراك أن مثل هذه السرديات لا تصدر عن إيمان عميق ولا عن تحليل عقلاني، بل تُستعمل كأدوات لتشويه الواقع وتوجيه الرأي العام.

المفارقة أن بعض هذه الخطابات يُروَّج عبر منابر رسمية أو شبه رسمية، ويشارك في نشرها بعض المشاهير أو حتى بعض رجال الدين ممن يميلون إلى القراءة الأخبارية للدين. والنتيجة المباشرة لذلك هي تعميق الخوف الجماعي وإضعاف ثقة المجتمع بالعقل والمعرفة.

وهذا المسار يضرب في الصميم أحد أهم مصادر قوة الجمهورية الإسلامية، أي التركيب بين العقل الديني والمعرفة العلمية. وهو الخطأ نفسه الذي وقعت فيه الكنيسة الأوروبية في بعض مراحل تاريخها حينما فضلت الخرافة على العلم.

ومن هنا فإن الحاجة اليوم تبدو أكثر إلحاحاً إلى إعادة الاعتبار للعقل الديني الرشيد، وإلى ترسيخ الإيمان الواعي القائم على المعرفة، والتوكل الصادق على الله.
كما يصبح الرجوع إلى العلماء المتخصصين والمؤسسات العلمية الرصينة أمراً ضرورياً لتمييز الحقيقة من الوهم.

وقد عبّر الفريق العلمي المعني بنقد الحركات الروحية المستحدثة في الحوزات العلمية عن رفضه الصريح لتضخيم قدرات الجن والسحر أو تحويلها إلى تفسير شامل للأحداث الاجتماعية والسياسية.

كما دعا الناس إلى عدم الانسياق وراء آراء غير المختصين، حتى لو كانوا يحملون ألقاباً دينية أو يتمتعون بمكانة اجتماعية.

فالقضايا الدينية لا ينبغي أن تُتناول إلا وفق منهج علمي اجتهادي رصين، لا عبر تأويلات سطحية أو قراءات انتقائية للنصوص.

غير أن بعض الأفراد يروجون أفكارهم تحت عناوين براقة مثل «الدراسات الاستراتيجية» أو «الحكمة الحضارية» أو «الطب الإسلامي» أو «الدراسات ما وراء المادية»، بينما لا تعدو في حقيقتها كونها أغلفة فكرية لتسويق الخرافة.

بل إن بعضهم ذهب إلى أبعد من ذلك بإحياء ما يسمى بـ «العلوم الغريبة» وتأسيس حلقات تعليمية لتلقينها، في محاولة لبناء شبكات فكرية قائمة على هذه التصورات.

إن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون إلا بإحياء العقل النقدي في فهم الدين، وإعادة وصل التدين بالعلم والمعرفة، حتى يبقى الإيمان قوة بناء لا أداة للتلاعب بالعقول.

بقلم: محمد جواد نصيري ــ عضو الفريق العلمي لنقد الحركات الروحية المستحدثة

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل