في حوار مع باحث في التاريخ ومحلّل للشؤون السياسية
تتناول هذه المقابلة مع أحد الخبراء والمحللين في القضايا السياسية التطورات الأخيرة المرتبطة باختيار القائد الجديد، حيث يجري استعراض خصائص انتقال القيادة، والدور المحوري للشعب في اليقظة العامة، إضافة إلى سبل مواجهة مؤامرات الأعداء.
تمهيد
عقب الأحداث المؤلمة والمصيرية التي شهدتها المرحلة الأخيرة، ومن بينها استشهاد القائد الأعلى، والعملية الحساسة لتعيين قائد جديد من قبل مجلس خبراء القيادة، واجه المجتمع الإيراني والرأي العام في العالم الإسلامي جملة من الأسئلة الجوهرية والتحديات الجديدة.
وقد سعى أعداء إيران إلى استغلال هذه الظروف لإثارة الشبهات، مثل الادعاء بوجود طابع وراثي في مسألة القيادة أو الترويج لشبهات ثقافية، بهدف إضعاف التماسك الوطني والسير بمشاريعهم التفكيكية.
وفي مثل هذه المرحلة الحساسة يصبح من الضروري توضيح الحقائق بدقة، وتحليل الدور الحكيم للمؤسسات المعنية باتخاذ القرار في إحباط المؤامرات، وكذلك دراسة الأثر العميق لهذه الأحداث في يقظة الشعب وعودته إلى ساحة الفعل والمشاركة.
وفي هذا السياق، أجرينا الحوار الآتي مع حجة الإسلام والمسلمين محمد وحيدي، الباحث في التاريخ والمحلل السياسي، للوقوف على الأبعاد المختلفة لهذه التحولات.
محاور الحوار
- كيف تم اختيار القائد الجديد وما المعايير التي اعتمدت في ذلك؟
- ما دور مشاركة الشعب في تثبيت النظام السياسي؟
- ما أفضل السبل لمواجهة الضغوط الخارجية والعقوبات؟
- ما الدور الذي يؤديه الشعب، ولا سيما الشباب، في دفع سياسات البلاد؟
- كيف يمكن الحفاظ على وحدة الشعب في مواجهة التهديدات؟
بسم الله الرحمن الرحيم.
نتقدم بدايةً بالتعزية بمناسبة استشهاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وكذلك باستشهاد قائدنا العزيز.
ونسأل الله التوفيق للشعب الإيراني الشريف، وللقائد الجديد سماحة آية الله السيد مجتبى خامنئي.
إن مسألة تعيين القيادة الجديدة يمكن تناولها من زوايا متعددة؛ سواء من منظور تاريخي، أو في ضوء الأحداث الأخيرة والتحولات التي رافقت عملية اختيار القائد.
توجه مجلس الخبراء نحو المعايير بتوجيهات القائد
من أبرز المسائل التي برزت في هذا السياق مواجهة الحملات الدعائية الواسعة التي شنها الأعداء خلال السنوات الماضية.
وفي هذا الإطار، أشار بعض أعضاء مجلس خبراء القيادة إلى أن المجلس تحرك، بتوجيهات القائد الأعلى، نحو تحديد معايير القيادة الجديدة. وقد أكد سماحته مراراً أنه لا يحمل رأياً شخصياً بشأن فرد بعينه، وأن عملية الاختيار موكولة بالكامل إلى مجلس الخبراء.
وطُلب من أعضاء المجلس دراسة معايير القيادة والتوصل إلى تفاهمات حول الأولويات اللازمة. وقد مضوا في عملهم وفق هذه الأولويات. بل إن بعض أعضاء المجلس ذكروا أنه عندما جرى الحديث عن الأسماء المحتملة، تدخل القائد الشهيد وطلب الاكتفاء بالمعايير المتفق عليها، مؤكداً أنه يمكن في الوقت المناسب تطبيق هذه المعايير على الشخصيات الحية واختيار القائد المناسب.
وهكذا تشكل الإطار العام لعملية تعيين القيادة.
تفنيد شبهة الوراثة في القيادة
من الشبهات التي قد تكون قد طُرحت، وربما تتوسع لاحقاً، الادعاء بأن القيادة أصبحت وراثية. غير أن من يتابع مجريات الأحداث بإنصاف يدرك أن هذا الأمر لا أساس له.
فالأنظمة الوراثية عادة ما تقوم على تعيين ولي للعهد أو خليفة في حياة الحاكم، وهو ما لم يحدث في حالة القائد الأعلى. بل إن مجلس خبراء القيادة عقد اجتماعات متعددة بعد استشهاد القائد، نظراً للظروف الأمنية والحساسيات المرتبطة بالمرحلة.
وقد أشار بعض أعضاء المجلس إلى احتمال وجود ضغوط خارجية، غير أن تقوى أعضاء المجلس حالت دون التأثر بهذه الضغوط. كما أن مطالبة الشعب بتسريع عملية الاختيار ازدادت مع مرور الوقت، نظراً لحساسية المرحلة وتأثر مشاعر الناس.
وفي النهاية تم انتخاب القائد الثالث للجمهورية الإسلامية.
أهمية القيادة في النظام السياسي الإيراني
تلعب القيادة في الجمهورية الإسلامية دوراً محورياً في إدارة شؤون الدولة. فالتاريخ الإيراني يظهر أن الشعب الإيراني كان دائماً شعباً غيوراً وحساساً تجاه قضاياه الدينية والوطنية.
غير أن بعض المراحل التاريخية، خاصة في العهد القاجاري وأحياناً في فترة حكم البهلويين، شهدت نفوذاً واضحاً للقوى الأجنبية في البلاد. وهذا ما يبرز أهمية وجود قيادة واعية وقادرة على تشخيص التحديات وتوجيه المجتمع.
فالشعب ظل محتفظاً بروحه الوطنية والدينية، لكنه كان يفتقر إلى قيادة توجهه في مسار الدفاع عن الوطن والدين. وجاءت الثورة الإسلامية لتغير هذا الواقع، حيث تولى قيادة المجتمع شخصية فقيهة وفيلسوفة حكيمة.
وقد دعم الشعب هذا المسار بكل قوته، وتمكن من إسقاط نظام اتسم بالظلم والتبعية للدول الغربية.
وقد أثبت الشعب ولاءه للقيادة خلال الثورة، ثم خلال حرب الدفاع المقدس التي استمرت ثماني سنوات، كما واصل هذا الدعم في مختلف المراحل اللاحقة.
ولهذا فإن القيادة في الجمهورية الإسلامية تمثل عنصراً أساسياً في توجيه المجتمع والحفاظ على استقراره.
فشل مخطط الأعداء لإحداث الفراغ القيادي
تشير المعطيات إلى أن الأعداء كانوا يسعون إلى إحداث حالة من الارتباك من خلال إطالة أمد عملية اختيار القيادة، بل كانوا يخططون لتوجيه ضربات متزامنة إلى القيادة ومجلس الخبراء.
ولو نجح هذا المخطط لكان من الممكن أن تصبح الدولة والمجتمع أكثر عرضة للاضطرابات. غير أن هذه الخطط لم تحقق أهدافها بفضل الإجراءات التي اتخذت.
وكان للقائد الراحل دور بارز في إدارة ملفات عديدة، سواء على الصعيد الداخلي أو الدولي، ولا سيما في ما يتعلق بمواجهة الهيمنة الإمبريالية.
كما أن الترتيبات المسبقة في مؤسسات الدولة، سواء في المجال العسكري أو الإداري، ساهمت في منع حدوث فراغ أو ارتباك بعد استشهاده.
ولهذا تمكنت البلاد من تجاوز هذه المرحلة دون أن تتعرض وحدتها لأي خلل، واستمرت المؤسسات في أداء مهامها بصورة طبيعية.
دور الشعب في ترسيخ النظام الإسلامي
مع انتخاب القائد الجديد ومبايعة الشعب له، يُتوقع أن يزداد تماسك المجتمع، وأن تفشل خطط الأعداء تباعاً.
بل إن هذا التماسك قد يفتح المجال أمام انتقال البلاد من مرحلة الدفاع إلى مرحلة المبادرة والتأثير في محيطها الإقليمي.
ومن الناحية التاريخية، فإن مشاركة الشعب في القرارات الكبرى كانت دائماً عاملاً أساسياً في المجتمعات الإسلامية.
ففي عهد أمير المؤمنين علي عليه السلام، وبعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله، كان سعيه إلى استعادة حقه مرتبطاً بحصول الإجماع الشعبي حول هذا الحق.
دور أهل البيت في إيقاظ الأمة
تروي المصادر التاريخية أن السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام خاطبت أمير المؤمنين عليه السلام متسائلة عن سبب صمته وعدم مطالبته بحقه. وفي تلك اللحظة كان صوت الأذان يرتفع، فكان في ذلك تذكير بضرورة الصبر حتى يستيقظ الناس ويعودوا إلى وعيهم.
وقد لعبت السيدة الزهراء دوراً مهماً في توعية المجتمع، سواء من خلال خطبها أو مواقفها المختلفة، حتى تركت عبر التاريخ إشارات واضحة لمن يبحث عن طريق الحق.
كما أن الإمام علي عليه السلام لم يقبل تولي الحكم إلا بعد أن اجتمع الناس حوله بعد خمسة وعشرين عاماً من الإقصاء.
وهذا يعكس أهمية حضور الناس في عملية اتخاذ القرار.
نهضة الإمام الحسين وإيقاظ الأمة
ومن أبرز الشواهد في هذا السياق ما ورد عن الإمام الحسين عليه السلام يوم عاشوراء حين قال:
«لِيَسْتَنْقِذَ عِبَادَكَ مِنَ الْجَهَالَةِ».
فهدف نهضته كان إخراج الناس من الجهل وإيقاظ وعيهم. وقد دفع أهل البيت ثمناً باهظاً لتحقيق هذه اليقظة، وكان استشهاد الإمام الحسين أحد أعظم تلك التضحيات.
اليقظة الشعبية في المرحلة الراهنة
وفي السياق المعاصر، تبقى مشاركة الشعب أساساً لحركة الجمهورية الإسلامية. فبعض الأفراد الذين تأثروا بإعلام الأعداء قد يحتاجون إلى صدمة أو تضحية كبرى كي يعيدوا النظر في مواقفهم.
وقد يكون استشهاد القائد أحد العوامل التي ساهمت في كشف مخططات الأعداء وإيقاظ الوعي العام.
فالأعداء كانوا يطمحون إلى استغلال هذا الحدث لإسقاط النظام وتقسيم البلاد والسيطرة على ثرواتها، غير أن ما حدث كان على العكس تماماً، إذ أدى إلى زيادة التضامن الداخلي.
وقد لاحظ كثيرون أن حتى بعض المعارضين باتوا يرفضون تدخل القوى الأجنبية في مصير بلادهم.
نتائج هذه المرحلة
تشير التجارب الميدانية إلى أن عدداً من الأشخاص الذين كانوا ينتقدون النظام أو يدعمون إسقاطه عادوا اليوم إلى الدفاع عنه بعد هذه الأحداث.
كما أن ردود الفعل بين الإيرانيين في الخارج تعكس تحولاً في المواقف، وقد يتوسع هذا التأثير في المستقبل.
ولهذا تبقى مشاركة الشعب في صنع القرار ركناً أساسياً في أي نظام يسعى للاقتداء بسيرة النبي وأهل البيت عليهم السلام.
أما مسؤولية العلماء وأصحاب القرار فتتمثل في توضيح الحقائق للناس، وهو ما عُرف بمفهوم جهاد التبيين، بهدف كشف التضليل الإعلامي وتصحيح المفاهيم المغلوطة.
وقد تكون التضحيات الكبرى أحياناً سبباً في إيقاظ الأمة وتعزيز مشاركتها في رسم مستقبلها واختيار الطريق الصحيح.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





