جاء في دعاء الإمام السجاد عليه السلام عند الحديث عن الإخلاص في الطاعة:
«وَأَخْلِصْ لَكَ نِيَّاتِنَا، وَطَهِّرْ لَكَ أَعْمَالَنَا، حَتَّى لَا نُشْرِكَ فِيكَ أَحَدًا.»

فإنّ العمل إنّما يُقبل إذا كان مقرونًا بالإخلاص، أي أن يكون خالصًا لله تعالى، لا يُشرك العبد في قصده أحدًا سواه.

ثم يقول الإمام عليه السلام في دعاء استقبال شهر رمضان (الدعاء الرابع والأربعون) من الصحيفة السجادية:
«اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَنَبِّهْنَا فِيهِ لِمَوَاقِيتِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، بِحُدُودِهَا الَّتِي حَدَدْتَ، وَفُرُوضِهَا الَّتِي فَرَضْتَ، وَوَظَائِفِهَا الَّتِي وَظَّفْتَ، وَأَوْقَاتِهَا الَّتِي وَقَّتَّ.»


ومعنى هذا الدعاء:
اللهم نبّهنا في هذا الشهر المبارك إلى مواقيت الصلوات الخمس، وعرّفنا حدودها التي حدّدتها، وفرائضها التي فرضتها، ووظائفها التي شرعتها، وأوقاتها التي عيّنتها.


ومن هنا يبيّن الإمام السجاد عليه السلام بعض الفرص التي يهيّئها شهر رمضان المبارك للإنسان. فالصائم في هذا الشهر — وقد أقبل على الله تعالى وأحسن الصلة به — يجد فرصةً لمراجعة عباداته، ولا سيما الصلاة.


إنّه شهرٌ يتيح للإنسان أن يعالج ما كان في صلاته من تقصير طوال العام، وأن يجدّد علاقته بها حتى يبلغ الأنس بالصلاة؛ ذلك الأنس الذي يفتح أمامه طريق القرب من الله تعالى ويهديه إلى الاستقامة في حياته.

يقول الإمام إنّ شهر رمضان يتيح للإنسان فرصة الأنس بالصلاة وفرصة إصلاح ما اعترى صلاته من نقصٍ أو تقصير. فيعلّمنا أن ندعو الله تعالى قائلين:
اللهم عرّفني بمواقيت الصلوات، ونبّهني إلى أوقاتها، ولا سيما أوائل أوقاتها.

فإذا وعى الإنسان هذه الأوقات حقّ الوعي، أدرك حقيقةً مهمّة، وهي أنّ الله تعالى قد جعل أفضل ساعات اليوم والليلة — ضمن الأربع والعشرين ساعة — مواقيتَ للصلوات. فهذه الأوقات هي خيار الأزمنة وزبدتها في الأيام والليالي التي نعيشها.

ومن هنا فإنّ اغتنام هذه اللحظات واستثمارها يقرّب الإنسان من الله تعالى. ولذلك ينبغي للمؤمن إذا سمع صوت الأذان — بل قبل الأذان — أن يهيّئ نفسه للصلاة، وأن يستعدّ لها استعدادًا جادًّا.

إنّ معرفة أوقات الصلاة لا تعني مجرّد العلم بها، بل تعني التهيّؤ لاستقبالها. ويمكن تقريب هذا المعنى بمثالٍ بسيط:
فلو أنّ إنسانًا يعلم أنّه سيصل بعد قليل إلى مفترق طريقٍ، وأنّ عليه أن ينعطف عنده إلى اليمين، فإنّه يهيّئ نفسه لذلك من قبل، فيقترب تدريجيًا من الجهة اليمنى للطريق ليتمكّن من الانعطاف بسهولة. أمّا إذا لم يكن على علمٍ بذلك، فسيضطرّ في اللحظة الأخيرة إلى تغيير مساره تغييرًا مفاجئًا، فيغدو الأمر عليه عسيرًا.

وهكذا الأمر في الصلاة؛ فالمؤمن إذا تنبه لمواقيتها واستعدّ لها قبل حلولها، كان أداؤها أيسر على نفسه، وأقرب إلى حضور القلب والخشوع فيها.

إنّ التنبّه إلى أوقات الصلاة — كما يبيّنه الإمام — يهدف إلى أن يعرف الإنسان موضعه في الطريق، فيحدّد مساره، ويتهيّأ سلفًا للدخول في الصلاة. فهذا أحد أبعاد هذا التنبيه.

وله بُعدٌ آخر أيضًا، وهو أن يدرك الإنسان أنّ مواقيت الصلاة هي أشرف أوقاته وأبركها في أيامه ولياليه؛ فهي خير الساعات التي جعلها الله تعالى لعبادته، ليغتنمها العبد ويتزوّد منها.

ويقول الإمام السجاد عليه السلام في دعائه:

«اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَنَبِّهْنَا فِيهِ لِمَوَاقِيتِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، بِحُدُودِهَا الَّتِي حَدَدْتَ، وَفُرُوضِهَا الَّتِي فَرَضْتَ، وَوَظَائِفِهَا الَّتِي وَظَّفْتَ، وَأَوْقَاتِهَا الَّتِي وَقَّتَّ.»

أي: اللهم عرّفنا بحدود الصلاة التي شرّعتها، وبأحكامها التي فرضتها، وبوظائفها التي أوجبتها، وبأوقاتها التي عيّنتها.

ثم إنّ الالتفات إلى هذه الأوقات والاستعداد لها يحمل معنى آخر، وهو الالتفات إلى إمام العصر ؛ إذ إنّ الإمام يقيم الصلاة في أول وقتها. فمن كان من أهل المحافظة على الصلاة في أول وقتها، والمتنبّهين إلى مواقيتها، فكأنّ صلاته تُقام مع صلاة الإمام.

وعند إقامة الإمام للصلاة تُفتح أبواب السماء لتصعد صلاته إلى الحضرة الإلهية. وفي تلك اللحظة المباركة ترتفع — ببركة صلاة الإمام — صلوات أمثالنا، ممّن قد يعسر عليهم بلوغ تلك المقامات، فتعلو صلواتهم ببركة صلاته عليه السلام.

إنّ معرفة حدود الصلاة وأحكامها تُعدّ من جملة الواجبات الملقاة على عاتق المكلَّف؛ إذ ينبغي للإنسان أن يعرف تكليفه الشرعي. ومن هنا أكّد العلماء أنّ على كلّ مكلَّف أن يرجع في أحكام دينه إلى مرجعه في التقليد، ويتلقّى منه معارف الحلال والحرام وأحكام العبادات.

ولهذا فإنّ الإمام يشير في دعائه إلى هذا المعنى، فكأنّه يقول:
اللهم عرّفني بحدود الصلاة وأحكامها، حتى أتمكّن من رفع ما فيها من نقصٍ أو تقصير.

فإذا عرف الإنسان واجبات صلاته وحدودها، استطاع أن يصلح ما كان في صلاته من خلل. ويغدو شهر رمضان المبارك فرصةً مباركةً لمراجعة هذه العبادات وإصلاحها، حتى يعالج الإنسان ما اعتراه من قصورٍ في صلاته خلال العام.

وعندئذٍ يصبح هذا الشهر الكريم بدايةً لمستقبلٍ أفضل في عبادة الله، فيتدرّب الإنسان فيه على أداء صلاته على الوجه الأكمل، ليحافظ بعد ذلك على هذه الحال في سائر أيامه.

نسأل الله تعالى أن يوفّقنا جميعًا لذلك، وأن يمنحنا القدرة على أداء عباداتنا بأحسن وجه.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل