بيّن الإمام الصادق (عليه السلام) في روايةٍ له طريقة التعرّف على الإمام عند فقدان القيادة، وذلك من خلال عدّة أمور، منها: أن يكون في كل مدينةٍ أهلُ خبرة، يأتون – ممثّلين عن قبائلهم وأقوامهم – إلى المدينة ومركز الدولة ليتعرّفوا على الإمام، ثم يرجعوا إلى أقوامهم بوصفهم خبراءهم، فيعرّفوا الناس بالإمام والقائد، وعلى الناس أن يقبلوا قولهم. وبذلك تكون آية النَّفَر ذات وظيفةٍ أخرى، إلى جانب التبليغ، وهي التعرّف على الإمام والقائد وتعريف الناس به.

تمهيد

تناول حجّة الإسلام والمسلمين الشيخ مجيد رجبي، الأستاذ في الحوزة العلمية والخبير في فقه النظام، في حديثٍ مع وكالة أنباء الحوزة، دراسة رواية صحيحة يعقوب بن شعيب وما تتضمنه من بيانٍ لطريقة تعيين الإمام والقائد بعد الإمام السابق، وفيما يلي نصّ هذا الحديث:

صحيحة يعقوب بن شعيب وبيان طريقة تعيين الإمام والقائد

إنّ أفضل طريقة لمعرفة القائد، كما بيّنها الأئمة المعصومون (عليهم السلام)، هي أن يوجد في كل مدينةٍ ومن كل قومٍ أهل خبرةٍ وبصيرة في الدين؛ بحيث يهاجرون لطلب العلم، ويتفقّهون في الدين، ثم يعودون إلى أقوامهم فيعرّفونهم بالحقائق الدينية ويهدونهم.

وذلك لأنّ الناس غالبًا ما يقبلون كلام من هو منهم وأعرف بأحوالهم، فإذا رجع إليهم شخصٌ من قومهم قد تفقّه في الدين وقام بإرشادهم، كان قبولهم لكلامه أيسر.

ومن أهمّ ثمرات وجود الخبير الفقيه المنذر أنّه يقوم بدورٍ أساسي في تعيين القائد وتعريف الناس به؛ إذ إنّ القائد إذا عُرِّف من قِبَل ممثلٍ خبيرٍ فقيهٍ عن قومٍ أو جماعة، فإنّ ذلك يهيّئ أرضيةً مناسبة لقبول الناس له.

وهذا المعنى، مضافًا إلى كونه منسجمًا مع سيرة العقلاء ومع السيرة التاريخية للشيعة، قد انعكس أيضًا في صحيحة يعقوب بن شعيب، حيث استُدلّ فيها بآية النَّفَر.
قال:

«عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ شُعَيْبٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع): إِذَا حَدَثَ عَلَى الْإِمَامِ حَدَثٌ كَيْفَ يَصْنَعُ النَّاسُ؟
قَالَ: أَيْنَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: (فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ).
قَالَ: هُمْ فِي عُذْرٍ مَا دَامُوا فِي الطَّلَبِ، وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَنْتَظِرُونَهُمْ فِي عُذْرٍ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ أَصْحَابُهُمْ». (الكافي، ج 1، ص 378)

في هذه الرواية التي نقلها الشيخ الكليني بسندٍ صحيح في كتاب الكافي، يسأل يعقوب بن شعيب الإمام الصادق (عليه السلام): إذا وقع أمرٌ للإمام – أي توفي – فماذا ينبغي للناس أن يفعلوا؟
فأجابه الإمام (عليه السلام) بالإشارة إلى قول الله تعالى:
﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾

ثم قال (عليه السلام): إنّ هؤلاء الذين خرجوا لطلب المعرفة معذورون ما داموا في طلبهم، وكذلك الذين ينتظرونهم في بلدانهم معذورون إلى أن يرجع إليهم أصحابهم.

ما الذي تبيّنه الرواية؟

يتّضح من هذه الرواية أنّ الإمام الصادق (عليه السلام) بيّن طريقة معرفة الإمام عند فقدان القيادة عبر عدّة خطوات:

1.أن يكون في كل مدينة جماعة من أهل الخبرة والمعرفة.
2.أن يذهب هؤلاء – ممثّلين عن أقوامهم – إلى مركز الأمة للتعرّف على الإمام.
3.أن يعودوا إلى قومهم بوصفهم خبراءهم وأهل المعرفة فيهم.
4.أن يعرّفوا الناس بالإمام والقائد.
5.وأن يقبل الناس قولهم ويأخذوا به.

وبذلك يتّضح أنّ آية النَّفَر ليست خاصّة بتبليغ الأحكام الشرعية وبيان روايات المعصومين (عليهم السلام) فحسب، بل لها وظيفة أخرى أيضًا، وهي التعرّف على الإمام والقائد وتعريف الناس به.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل