جاء في شرح الحكمة 154 من نهج البلاغة أن الرضا القلبي بالذنب يجعل الإنسان في عداد المذنبين، حتى لو لم يقم بالفعل نفسه.
وبحسب ما أفادت به وكالة أنباء «الحوزة»، وبمناسبة شهر ضيافة الله، سنكون كل يوم معكم أيها النخبة الكرام على موائد الإفطار، مع حكمة خالدة من كلام أمير المؤمنين عليه السلام، وشرحٍ لسماحة حجة الإسلام والمسلمين جواد محدّثي.
الحكمة 154 من أمير المؤمنين (عليه السلام):
«الرَّاضِي بِفِعْلِ قَوْمٍ كَالدَّاخِلِ فِيهِ مَعَهُمْ، وَعَلَى كُلِّ دَاخِلٍ فِي بَاطِلٍ إِثْمَانِ: إِثْمُ الْعَمَلِ بِهِ وَإِثْمُ الرِّضَا بِهِ.»
تمهيد:
يجدر ذكر أن ما يحدد وضعنا من حيث الأجر والثواب أو الإثم والنتائج المترتبة على أعمالنا هو نياتنا. فعندما يتعلق الأمر بالأعمال الصالحة، ينبغي أن تكون لدينا هذه الحالة النفسية: أن نحب الأعمال الحسنة، ونرضى بها، ونشجع الآخرين عليها، وأن نكون نحن أيضًا من أهل العمل الصالح.
أما بالنسبة للأعمال السيئة والذنوب، فيجب أن نبغضها، وأن نقوم – بقدر استطاعتنا – بالنهي عن المنكر، وأن نمنع الناس من ارتكاب القبيح، وألا نقع نحن فيه، وأن نحاول – إذا كانت لدينا القدرة – منع الآخرين من ارتكابه.
إن مسألة الرضا القلبي لها دور بالغ الأهمية في تقييم أعمالنا. فحين يرتكب بعض الناس أعمالًا سيئة، ما هو موقفنا تجاه ذلك؟ هل نرضى في قلوبنا بأفعالهم؟ أم أننا على الأقل في أدنى مراتب النهي عن المنكر نكره تلك الأفعال في قلوبنا؟
فإذا كان شخصٌ ما يظلم الناس، أو يأكل أموالهم، أو يتصرف بسوء أخلاق، فهل يعجبنا سلوكه؟
إن من يرضى بفعل جماعةٍ ما فكأنه قام بالفعل نفسه؛ وكأنه أصبح جزءًا من تلك الجماعة المنحرفة أو المجرمة.
ولِمَ ذلك؟
لأنه رضي بأفعالهم في قلبه.
فنحن في زياراتنا للإمام أبي عبد الله الحسين عليه السلام وشهداء كربلاء نقرأ عبارات تحذيرية مهمة.
فنحن نلعن الذين قتلوا الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه، ونلعن أيضًا الذين مهدوا لتلك الجريمة، وكذلك الذين «سمعوا بذلك ورضوا به»؛ أي الذين سمعوا بما حدث وكانوا راضين عنه.
فالأشخاص الذين سمعوا بحادثة كربلاء وأبدوا رضاهم عنها مشمولون بهذا اللعن.
فإذا كان هناك من يفرح في قلبه باستشهاد الأبرياء والمظلومين، فإنه بلا شك سيكون في المصير نفسه مع قتلتهم.
فمثلًا: لو سمع شخص أن المسلمين المظلومين في غزة أو لبنان يُقتلون على يد الجلادين الإسرائيليين، لكنه يرضى في قلبه ويقول: «حسنًا، دعوهم يقتلونهم»، فما الفرق بينه وبين الإسرائيلي الذي يقتل الأطفال؟
إذن من يرضى في قلبه بفعل قوم، فكأنه كان حاضرًا معهم في ذلك الفعل.
ومن يقع في مثل هذا الموقف يُسجَّل عليه ذنبان:
الأول: رضاه بهذا العمل الباطل.
والثاني: كأنه شارك في ارتكاب ذلك العمل.
وقد يحدث أن يقوم بعض الناس بعمل خاطئ وهم مضطرون ولا خيار لهم؛ فذلك له حساب آخر.
لكن الشخص الذي يرتكب فعلًا إجراميًا وهو راضٍ به، فإن إثمه يتضاعف:
إثم ارتكاب الفعل نفسه، وإثم الرضا به.
نسأل الله أن تكون قلوبنا محلًّا لمحبة الأعمال الصالحة والناس الصالحين، وأن تكون كذلك موضع بغضٍ للأعمال القبيحة والباطلة التي تصدر من الآخرين.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل




