تتضمن الحكمة (150) من نهج البلاغة جملة من الوصايا المؤكدة عن أمير المؤمنين (ع) في شتى المجالات. فتارة يأمر (ع) باتصاف المؤمن بصفات معينة، وتارة أخرى ينهى عن خصال وأفعال. وهذه الحكمة الشريفة -التي تحوي أكثر من عشرين نقطة أخلاقية- تنتمي إلى القسم الثاني، أي النهي عن صفات وسلوكيات مذمومة.
جاء في الحكمة:
«لَا تَكُنْ مِمَّنْ … يَرْجُو الْآخِرَةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ»
أولاً: النهي عن رجاء الآخرة بلا عمل
جاء رجل إلى أمير المؤمنين (ع) طالباً منه الموعظة، فكان أول ما نهاه عنه (ع) أن يكون ممن يرجو الآخرة بغير عمل.
إن ثمرة أعمالنا في الدنيا هي ما نجتنيه في الآخرة، إما جنة وإما نار. فمن كان راجياً للجنة، طامعاً في السعادة الأبدية، فلا مناص من أن يعمل عملاً يوصله إلى تلك الغاية.
كيف يمكن لإنسان أن يؤمن بالآخرة ويرجو ثوابها، ثم يفرّط في العمل لها؟! هذا غير مقبول عقلاً ولا شرعاً.
ثم يضيف (ع) في تكملة الحكمة:
«وَ يَرْجو التَّوْبَةَ بِطُولِ الْأَمَلِ»
ثانياً: النهي عن تسويف التوبة وطول الأمل
النهي الثاني هو عن مصاحبة من يؤخر التوبة ويسوّف بها، ويتمادى في غمرته رهين آماله البعيدة. إن النصوص القرآنية والروائية تحث على المبادرة إلى التوبة وعدم التسويف بها، فإن العمر محدود والأجل غير مأمون.
يبتلى الإنسان أحياناً بتسويف الشيطان، حيث يوسوس له بتأخير التوبة، بأن يقول: سأتوب غداً، لا داعي للعجلة، ما زلت شاباً، وقت التوبة طويل… إلى غير ذلك من وساوسه الخادعة.
كم من شاب يظن أن الفرصة لا تزال سانحة، فيؤخر التوبة إلى حين يشيب، فإذا بأجله يباغته ويأخذه على غرة، فلا يجد وقتاً للتوبة ولا يمكنه الرجوع عما فرّط في جنب الله.
ثم يزيد (ع) في النهي قائلاً:
«يَقُولُ فِي الدُّنْيَا بِقَوْلِ الزَّاهِدِينَ، وَ يَعْمَلُ فِيهَا بِعَمَلِ الرَّاغِبِينَ»
ثالثاً: النهي عن التناقض بين القول والفعل
الخصلة الثالثة التي نهى عنها الإمام (ع) هي التناقض بين القول والفعل. فلا ينبغي للمؤمن أن يكون قوله قول الزاهدين المفارقين للدنيا، فإذا به ينساق وراءها ويعمل عمل الراغبين فيها المولعين بها.
إن هؤلاء يتحدثون بلسان الآخرة والزهد، ولكن قلوبهم متعلقة بالمنافع الدنيوية والملذات العاجلة، وأعمالهم أعمال التجار الحريصين على مكاسب الدنيا.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





