أشار حسين رمضاني، عضو هيئة التدريس في معهد البحوث للثقافة والفكر الإسلامي، في ندوة “حرب رمضان: تحليل أبعاد المواجهة الحضارية بيننا وبين الغرب” التي نظمها المعهد، إلى تعريف الحضارة قائلاً:
الحضارات هي تجسيد للقيم والمعايير والمؤسسات في سياق أمة ومجتمع وتاريخ، وبشكل محدد فإن تشكل الحضارة هو عملية تراكمية وتطورية ناتجة عن الإنجازات المعرفية والقيمية والأخلاقية والمعيارية. لذا فإن الحضارة تسير بمسار كلي بنظرة شاملة، وقد نقلت الحضارات الإنجازات البشرية عبر التاريخ بعضها لبعض.
وفيما يلي نص الحديث:
ما يخلق التمايز بين الحضارات هو الأسس المعرفية والقيمية والمعيارية التي تحدد هوية الحضارة. عادةً ما تتميز الحضارات في سياق التطور التاريخي في النقاط المحورية وليس في الجوانب السطحية، لأن العناصر السطحية كالسلع تنتقل من حضارة إلى أخرى.
أعتقد أنه في كل فترة تاريخية يمكن لحضارة أن تهيمن، لكن هذا لا يعني تلاشي الحضارات الأخرى. الحضارات يمكن أن تكون خفية وكامنة وتظهر في ظروف معينة. لدينا الحضارة الإسلامية التي مرت بفترة خمول وفتور في مرحلة تاريخية، رغم احتفاظها بالعناصر البنيوية المعرفية والفكرية والقيمية.
هذه الحضارة في سعي دائم للوجود والتشكل والنمو، ولهذا يذكر الباحثون المعاصرون في التقسيم الحضاري عدة أقطاب. على سبيل المثال، ذكر هنتنغتون أربعة مجالات حضارية: الكونفوشيوسية، والإسلامية، والإصلاحية في شرق أوروبا، والحديثة في غرب أوروبا وأمريكا، حيث تهيمن كل حضارة.
الحضارة الإسلامية في طور استعادة ذاتها
الحضارة الإسلامية في العصر الراهن في حالة تهيؤ للنهضة، وأهم رأس مال ناهض للحضارة الإسلامية كانت الثورة الإسلامية. وصف فوكو الثورة الإسلامية بأنها نهضة الوعي والإرادة الجمعية لأمة ليس لها نظير. أمة بكل تنوعاتها العرقية والمذهبية والدينية اجتمعت معاً، وهذا تحول جذري في مجمل حياة المجتمع الإيراني. استطاعت الثورة الإسلامية، بفهم عميق ومتجدد قائم على المنطق المنهجي الاجتهادي الفقاهتي، أن تزدهر في الجانبين السطحي والبنيوي لحضارتها. وأبرز رمز لذلك هو أنها في المواجهة الحضارية، كما يقول الأوروبيون أنفسهم، استطاعت أن تخلق مقاومة معرفية وثقافية واقتصادية وسياسية وأمنية وعسكرية، تمثل رمز مواجهة نوعين من الإنسانية.
أحداث هذه الأيام هي أدلة واضحة تثبت هذه الدعوى، بأن حضارة ما، ولو كانت في كمون نسبي، في طور الاستعادة والازدهار. الأقطاب الحضارية الأخرى عملياً فشلت في البعد المحوري لهويتها عند مواجهة الغرب. استطاعت الثورة أن تخلق فهماً جديداً للحياة وأسلوب العيش الإنساني، وتمكنت من استخدام الإمكانات السطحية المعاصرة لبناء عالمها الأقصى وتقديمه للإنسان المعاصر. هذا الأمر لم يحدث في الأقطاب الحضارية الأخرى.
الحضارة الإصلاحية في شرق آسيا، التي وسعت نفسها في قالب الحضارة الاشتراكية، انهارت في القراءة اللينينية. بعد الاتحاد السوفيتي، عملياً لم تستطع دول آسيا الوسطى والقوقاز وغيرها الحفاظ على تلاقيها البنيوي، لذا تأثرت روسيا في فترة يلتسين بالغرب، ثم تلاشى هذا الأمر لاحقاً. في الصين أيضاً، ليس هناك فضاء فلسفي نامٍ ومزدهر تجاه الحضارة الغربية، وحتى في الجانب الاقتصادي السطحي تجاوزت سياسات ماوتسي تونغ واتجهت نحو الأنماط المقتبسة من الرأسمالية الليبرالية، مما يخلق تحديات جوهرية كثيرة.
يبدو أن القطب الحضاري القابل للظهور هو القطب الحضاري للإسلام والثورة الإسلامية، المستند إلى التجربة الثورية للإمام الراحل وقائدنا الشهيد. يمكن إظهار قدرة الاستعادة في سلسلة من الرموز: أولاً، رغم كل الهجمات على الثورة، حافظت الثورة على نفسها؛ إضافة إلى ذلك، استطاعت نشر رسالتها الحضارية وتوسيعها، وإيجاد حقل معرفي وقيمي جديد حتى في الكتلة المعرفية الغربية.
استهداف الحضارة الغربية
مظهر آخر هو خلق التقارب في المعتقدات والقيم؛ هناك من في شمال وجنوب العالم وفي بلدان مختلفة تقاربوا مع معتقدات الثورة الإسلامية. لقد استطعنا استهداف أساس الحضارة الغربية وإضعاف أدوات قوة الحضارة الغربية.
المسألة الأخرى هي مواجهة الكيان الصهيوني غير الشرعي. ما إذا كان الغرب تابعاً لإسرائيل أم إسرائيل تابعة لأمريكا محل نقاش، لكن على أي حال نشأ تحالف كبير بين أمريكا وإسرائيل، وإسرائيل رمز الحضارة الغربية في هذه المنطقة، ومرة أخرى استطاع تيار المقاومة في إيران استهداف هذه الهوية الغربية البارزة في المنطقة.
بسط فكر الثورة الإسلامية استطاع خلق جبهة موحدة ضد جبهة الكفر العالمي؛ يكفي أن إيران لو تخلت عن هذا المبدأ الأساسي بأن لا شأن لها بالآخرين والمستضعفين، لما دخلت في هذه الحروب، لكن العدول عنه كان يعني الانهيار، وقادنا أصروا على هذا المبدأ.
تشكيل جبهة الحق ضد إسرائيل
تشكيل جبهة موحدة للأمة الإسلامية في مواجهة إسرائيل من الأمور الأخرى التي تحققت؛ في الأمة الإسلامية، الحكومات العميلة هي أدوات عسكرية واقتصادية للغرب وأمريكا، لكن جماهير المسلمين تدافع عن الثورة الإسلامية وتوجهاتها.
الموضوع الآخر تعزيز التيارات النافية للظلم بالتركيز على قضية فلسطين، والنقطة الأخرى أن الكثيرين في العالم توصلوا إلى نتيجة أنه إما يجب القضاء على الثورة الإسلامية أو القضاء على الغرب المتوحش، وعلى أوروبا وأمريكا أن تعود إلى فلسفتها المسيحية الروحية الإشراقية، ونشهد علامات على العودة إلى هذه الهوية.
العنصر الآخر أن مسار الجهود الثقافية والاقتصادية والسياسية وغيرها لتطبيع علاقات إسرائيل مع مختلف الدول تم استهدافه بالكامل، وهذا ببركة دماء الشهداء الإيرانيين وفي غزة ولبنان واليمن وغيرهم، وهذا المسار يتسع يوماً بعد يوم بفعل هذه الحرب، وخلق تحدياً جوهرياً في التطبيع الوجودي لإسرائيل.
الصراع الداخلي في إسرائيل
الهوية الوطنية المزعومة للصهاينة، التي حاولوا على مدى أكثر من ۷۰ عاماً خلق وحدة بين الأنواع العرقية المختلفة لأشخاص جذبوهم من دول مختلفة، انهارت، والآن مجتمع الصهاينة نفسه يعاني صراعاً داخلياً.
المسألة الأخرى أن الثورة استهدفت ممثل الحضارة الغربية أي إسرائيل، وهو أن إسرائيل لا تستطيع خلق استمرارية للتنمية وتراكم رأس المال؛ إسرائيل بدعم غربي استطاعت إنشاء مدن كبرى وتحقيق تنمية مستوردة في بعض المجالات، لكن لأنها نشأت أساساً غير شرعية وبالاغتصاب، فلا إمكانية أساساً لتراكم رأس المال فيها، لذا لن يكون لها استمرارية تنمية محلية ذاتية النمو. الاستثمار في إسرائيل وتحويلها إلى قطب استثماري في المنطقة يواجه تحدياً كبيراً بسبب الوضع الراهن والتوترات الأمنية.
النخب التكنولوجية في إسرائيل لا تملك إمكانية الحضور والبقاء المؤثر، وهناك أخبار أن الكثير من النخب العلمية التي جاءت من دول أخرى بالتشجيع والطمع والإغراء تعتزم الهجرة.
انهيار أسطورة الهولوكوست
الموضوع الآخر أن الهولوكوست، التي كانوا يتظاهرون من خلالها بالمظلومية ويخدعون الناس، أصبحت غير فعالة بجرائم إسرائيل في غزة وغيرها، لذا اليوم حتى الأوروبيون أنفسهم أدركوا أنه لا يوجد أي أساس ثقافي وقيمي لبقاء وهيمنة إسرائيل إلا الهيمنة عبر القوة العسكرية. اليوم الكثير من الباحثين يشككون أيضاً في الانتماء الأرضي لليهود في هذه المنطقة.
حاولت إسرائيل عبر السياحة وبعض التقنيات ضمان بقائها وأن تصبح مركزاً إقليمياً، لكن اليوم كل هذه المشاريع انتهت وأصبحت لها آفاق مظلمة، ولهذه الأسباب أيضاً نشأت هذه الحرب ضد الثورة الإسلامية، لأنهم إن استطاعوا ضرب الثورة الإسلامية، يكونوا قد أزالوا قدرة نهضة الحضارة الإسلامية. لذا نحن في فضاء الصراع الحضاري بين الحضارة الغربية المهيمنة والآفلة، والحضارة التي ترى نفسها على أعتاب النهضة.
إذا كانت حربهم معنا وفق تحليلهم هي حرب وجودية لا استراتيجية وهوياتية، لذا صراعنا معهم وجودي أيضاً، ويجب أن تستطيع المقاومة إظهار هيمنتها وجذب العالم الذي له أذن لسماع الحق، وأن تحافظ على نهضتها الحضارية وتستمر فيها.
في هذا الفضاء، لا يمكن تحقيق شيء بالسلوكيات التكتيكية، وجبهة العدو أيضاً تنظر إلى الصراع حضارياً وليس تكتيكياً، ونتيجة هذا الصراع هي إزالة أحد الطرفين. وعلينا بطاقتنا الإيمانية والجهادية والثورية أن نغلب جبهة الكفر والإلحاد، وهذا هو المسار الذي وضعه قائدنا الشهيد (قدس الله نفسه الزكية) أمامنا، وأدار ودبر إمكانات هائلة على مدار ۳۷ عاماً من زعامته. وأعتقد أن الآفاق أمام مجتمعنا مشرقة جداً، وكان آية الله العظمى خامنئي مهندس تقدم هذا الأفق والمجتمع الإسلامي.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





