يشرح آية الله جوادي آملي دام ظله بعض فقرات دعاء الإمام زين العابدين عليه السلام في وداع شهر رمضان، يقول:
«وَأَرْبَحْنَا أَفْضَلَ أَرْبَاحِ الْعَالَمِينَ»
أي ربح وغنيمة ربحناها في هذا الشهر، لم يربحها أي تاجر في أي زاوية من الدنيا، ولم يستفد أحد في العالم أجمع مثل ما استفدنا نحن من هذا الشهر. إن الإنسان مسافر أمامه سفر أبدي، وزاده لذلك السفر الأبدي لا بد أن يوفره في هذه الأيام المعدودة. في هذا الشهر، تفتح أبواب السماء على المؤمن، ويستطيع المؤمن بالتحرر من العلائق أن ينفذ إلى باطن العالم. وإذا كان أفضل فرصة هو شهر رمضان المبارك، فإن أفضل ربح يكون لشهر رمضان وأهله.
«ثُمَّ قَدْ فَارَقَنَا عِنْدَ تَمَامِ وَقْتِهِ، وَانْقِطَاعِ مُدَّتِهِ، وَوَفَاءِ عَهْدِهِ [عِدَّتِهِ]، وَنَحْنُ مُوَدِّعُوهُ».
هذا الشهر، بعد أن انتهى أجله، فارقنا وهجرنا وتركنا وحدنا. ونحن الآن نودع شهر الله. «وَدَاعَ مَنْ عَزَّ فِرَاقُهُ عَلَيْنَا». أي وداع هذا؟ وداع شكلي؟ كلا؛ بل وداع صديق عزيز، فراقه لا يطاق علينا. ذلك الذي كان من أهل المعنى، ازداد خيره في هذا الشهر، وذلك الذي كان غارقاً في الذنوب، نقص من إثمه. إننا نودع من نعزي أنفسنا في فراقه، ومن يغتم لفراقه، ورحيله علينا شديد ثقيل، شهرٌ كان ليله ونهاره رحمة.
«السَّلَامُ عَلَيْكَ مِنْ قَرِينٍ جَلَّ قَدْرُهُ مَوْجُوداً، وَأَفْجَعَ فَقْدُهُ مَفْقُوداً».
السلام عليك أيها القريب الذي كنت عزيزاً وقدرك عظيم حين كنت موجوداً، والآن وأنت على عتبة الرحيل، فإن فقدك فاجعة تحزننا وتكمدنا. كمن يفقد عضواً من عائلته.
«وَمَرْجُوٍّ آلَمَ فِرَاقُهُ».
السلام عليك أيها الأمل المنشود، الذي آلمنا فراقه وأتعسنا.
ذلك الشهر الذي تغلغل في روح الإنسان، عندما يفارق الروح، يملأ الحزن مكانه؛ لأنه لم يعد هناك ذلك الصفاء الباطني، وتلك النشوة التي كان يتحلى بها الإنسان في شهر رمضان للعطاء والإيثار، لا يجدها في غيره. إذا طلب الإنسان في هذه الضيافة الإلهية من الله الغنى والاستغناء، فلن يشغله شيء ولن يلفت انتباهه أمر، فلا يخاف من أحد، ولا يبخل ببذل روحه.
📚 المصدر: الحكمة في العبادات، ص ١٦٨-١٦٩، ١٧٢
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





