في الحكمة 161 من نهج البلاغة، يقول أمير المؤمنين علي (عليه السلام):

«مَنِ اسْتَبَدَّ بِرَأْیِهِ هَلَك، وَ مَنْ شَاوَرَ الرِّجَالَ شَارَکَهَا فِی عُقُولِهَا»

يضع الإمام (ع) في هذا الكلام النوراني نهجين متضادين في مواجهة بعضهما: الاستبداد بالرأي والمشورة.

الاستبداد يعني طلب حصة ونصيب أكبر للذات وتجاهل حقوق الآخرين. و”الاستبداد بالرأي” يعني أن لا يقيم الشخص في قراراته وآرائه أي قيمة لفكر ورأي وإرشاد الآخرين، بل يجعل محك عمله فقط ما يراه هو، ويتصرف انفرادياً. يطلق على الشخص الذي يتصف بهذه الصفات “مستبد بالرأي”.

الاستبداد بالرأي آفة القرار / المشورة؛ علامة التعقل

الاستبداد بالرأي الذي ورد في هذا الكلام النوراني كعامل هلاك، يعني أن لا يقدر الشخص في قراراته فكر ورأي وتوجيه الآخرين، ولا يجعل محك عمله إلا ما يراه هو. مثل هذا الشخص الذي يتصرف انفرادياً، يحرم نفسه في الواقع من نعمة الاستفادة من أفكار وتجارب الآخرين.

في المقابل لهذا النهج، تأتي “المشورة”. في الأحاديث والروايات الإسلامية تأكيد كبير على المشورة، بل وتطرقوا إلى مسألة من نستشير وممن نتجنب الاستشارة. إن الاستشارة مع الآخرين تعتبر في الحقيقة نوعاً من المشاركة في عقلهم وحكمتهم. كما ورد في الأمثال والحكم الفارسية: “جميع الأمور يعرفها الجميع”.

المشورة، درع في وجه الزلات

تتضح أهمية المشورة عندما نعلم أن الشخص في العديد من أمور الحياة، كاختيار العمل، اختيار الزوجة، اختيار مجال الدراسة، أو الدخول في برنامج ومشروع جديد، قد لا يكون مطلعاً على جميع أبعاد القضية أو لا يملك تجربة كافية في ذلك المجال. فمن يريد شراء منزل أو سيارة مثلاً، يستشير بطبيعة الحال أهل الخبرة ليعلم جودة السلعة، وقيمتها الشرائية، وملاءمة الموقع والجوار وسائر جوانب الأمر.

بهذا الشكل، فإن الاستشارة مع العقلاء وأهل الخبرة، تصون الإنسان من الزلات وتعينه في مسار اتخاذ القرار السليم.

كما هو ملاحظ، يستفيد كبار المسؤولين، رؤساء الجمهوريات، رؤساء المجالس، صناع القرار والقادة، جميعاً من المستشارين ليتمكنوا في قراراتهم من استخدام عقل وفهم وآراء وتجارب الآخرين.

في المقابل، فإن الشخص الذي يعاني من “الاستبداد بالرأي”، أي يتخذ قراراته باستقلالية ودون الالتفات إلى الآراء المصلحية والاستشارية للآخرين، سيُساق نحو الهلاك، والدمار، والفشل والخسارة.

في مقابل ذلك، فإن الشخص الذي يستشير الآخرين، يشاركهم في عقلهم وحكمتهم، ويستفيد من منجزاتهم وتوجيهاتهم. الاستشارة في الأمور والقرارات، حتى لو لم تؤدِ إلى القبول النهائي بالرأي الاستشاري، يمكنها أن تساعد في تحديد الثغرات والنقاط التي قد تكون خفية عن أنظارنا. لذا، لا نحرم أنفسنا من فكر وتفكير الآخرين.

الدعوة إلى الاستشارة أمر مؤكد عليه؛ كما أمر الله تعالى في القرآن الكريم نبيه (ص): «وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ» (آل عمران: 159).

هذا الأمر، مع ما للنبي (ص) من عقل وفطنة، يدل على أهمية المشورة حتى في الأمور العادية، كما أنه يعتبر نوعاً من الاحترام والتقدير للآخرين.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل