كلمات حول الشهيد الكبير الدكتور علي لاريجاني

كان الشهيد علي لاريجاني، الشخصية البارزة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، من الشخصيات المتميزة التي ينبغي الحديث عنها كثيراً والكتابة عنها كثيراً. فهو من بين السياسيين القلائل في إيران المعاصرة الذين جمعوا في شخصيتهم العقلانية والتدبير والتدين والعلم والثقافة.

لقد منحني الله تعالى التوفيق لأدرك عن قرب حضور العالم الشهيد علي لاريجاني في جامعة طهران لمدة خمس سنوات تقريباً. خلال هذه الفترة التي استمرت حتى استشهاده، أتيحت لي فرص متعددة للاستفادة من تجربة ذلك الشهيد الرفيع المقام وعلمه ووجهات نظره. في جميع هذه المناسبات، كان ذلك الشهيد العزيز يعبر عن آرائه برزانة وتواضع وتقوى، وكان حقاً يثرينا.

كان الشهيد لاريجاني شخصية مؤمنة، متقية، مراعية لله، كثيرة الدعاء والتوسل. كان يقيم في منزله مجلس عزاء لأهل البيت (ع) في أيام الحداد، كما كان يحضر مجالس العزاء التي يقيمها الآخرون. كان يعشق سيد الشهداء (ع)، وكما قال في زيارة الأربعين لهذا العام، كان يرى أن خدمة الإمام الحسين (ع) هي أسمى المناصب.

كان ذلك الراحل العظيم متواضعاً جداً، فرغم منصبه السياسي الخطير جداً، كان يتصرف بتواضع، ويستخدم تعابير حميمة وخاضعة كانت تورث الإنسان أحياناً الخجل.

كان الشهيد لاريجاني جندياً مخلصاً للثورة الإسلامية، وكان يردد باستمرار أن علينا أن نعمل للثورة بكل وجودنا. إن قبوله بمسؤولية كان الجميع يرجحون استشهاده فيها، يدل على تضحيته وإيثاره. سألته مرة عن سبب قبوله لهذا المنصب (أمانة المجلس)، فذكر أن السبب الرئيسي هو أمر قائد الثورة الشهيد. كما كان نهجه في الجامعة ثورياً، وكان يستغرب ويستاء من مواقف وسلوكيات بعض الأساتذة الجامعيين السياسية، وكان يعتقد أنه يجب ثنيهم عن هذا المسار الخاطئ.

كان الشهيد علي لاريجاني مفكراً، يتأمل ويتدبر، ويمتلك العقلانية في مختلف القضايا، وخاصة الأمور السياسية. لقد ألف كتاب “العقل والسكون في الحكم” بناءً على هذا النهج نفسه، وكان ملتزماً نظرياً وعملياً بأحاديث الالتزام بالعقل والعقلانية.

كان يعتقد أن تراثنا الفكري يحمل دلالات جدية للحكم المطلوب، ورغم أنه أجرى أبحاثاً حول فلاسفة مثل كانط وديكارت، إلا أنه لم يفتتن أبداً بالأفكار الغربية مثل بعض نظرائه، بل كان ملتزماً بشكل لافت بأفكار كبار العلماء مثل العلامة الطباطبائي والشهيد مطهري.

كان الشهيد لاريجاني محباً للخير ومشفقاً على الناس. أذكر أن ابن أحد الأساتذة كان قد نقل إلى المستشفى إثر حادث سير وكانت حالته غير مستقرة، فرأيته يتابع الأمر ويتعاطف. حدثت مشكلة لأستاذ في الجامعة، ورأيت كيف كان ذلك الشهيد العزيز يتابع الأمر بحرص وتعاطف.

إضافة إلى كونه صهر الأستاذ الشهيد مطهري، كان الشهيد علي لاريجاني من بين طلاب ذلك الأستاذ الشهيد القلائل على المستوى الجامعي. كان يؤمن إيماناً راسخاً بفكر الأستاذ مطهري، وكان يستشهد بمطهري في أعماله المكتوبة، وكان هذا الإيمان واضحاً في كلماته. كان يسألني أحياناً عن كيفية تعامل الطلاب مع الفلسفة الإسلامية، وكان يعتقد أن أعمال الأستاذ مطهري هي أفضل الأعمال لتعلم الفلسفة الإسلامية.

لقد تعرض لاريجاني للظلم مراراً. خلال فترات مسؤولياته التنفيذية، اتهمه الأعداء ووسائل الإعلام الخارجية باتهامات باطلة، وقابله بعض الأصدقاء الداخليين بجفاء، لكن لاريجاني كان صبوراً ورزيناً. كما واجه في الجامعة بعض التجني التي لا يتسع المجال لتفصيلها.

كان معياره في التعامل مع مختلف الأشخاص يقوم على ثلاثة أمور: التدين، العقلانية، والاعتقاد بمبادئ الثورة الإسلامية. وبناءً على ذلك، كان يكن احتراماً كبيراً لبعض الشخصيات في البلاد. أتذكر أنه كان يثني على البصيرة السياسية لسماحة آية الله العظمى صافي كلبايكاني، وهي الصفة التي أكد عليها قائد الثورة الشهيد في رسالته بمناسبة رحيل ذلك الفقيه الرفيع المقام ووصفه بـ”المرجع البصير”.

كان الشهيد لاريجاني، كما أكد قائد الثورة، أحد الوجوه المتميزة للجمهورية الإسلامية الإيرانية. استشهاده، وإن كان مؤلماً، إلا أننا نؤمن بأن الله سيعوض فراغه وفراغ شهداء الحرب الأخيرة الآخرين.

بقلم: حامد علي أكبر زاده؛ عضو هيئة التدريس في جامعة طهران

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل