آية الله الحاج الشيخ محمد إبراهيم الجناتي الشاهرودي، أحد الوجوه العلمية البارزة في حوزتي قم والنجف الأشرف، والذي أمضى سنوات طويلة من عمره الشريف في سبيل إعلاء معارف مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، من خلال التدريس وتربية التلاميذ والتحقيق والتأليف في العلوم الإسلامية، انتقل إلى رحمة الله تعالى بعد عمر حافل بالجهاد العلمي عن عمر ناهز الرابعة والتسعين عاماً.
كان آية الله محمد إبراهيم الجناتي الشاهرودي من المخلصين للإمام الراحل (قدس سره) ومن الداعمين الأوفياء للإمام الشهيد، وكان من بين أوائل الفقهاء الذين صرّحوا بمرجعية الإمام الشهيد آية الله العظمى الخامنئي (رضوان الله عليه) قبل صدور بيان جمعية المدرسين، وذلك رداً على استفسار بعض الفضلاء الناطقين بالعربية.
وُلد آية الله محمد إبراهيم الجناتي عام 1311 هـ.ش (1932 م) في شاهرود. في الحادية عشرة من عمره التحق بمدرسة شاهرود الدينية، وتمكن في غضون أربع سنوات من إكمال المقدمات وجزء من الدراسات العليا. وفي الثامنة عشرة من عمره أتم الدراسات العليا في الفقه والأصول إلى جانب منظومة السبزواري، فهاجر إلى مشهد لاستكمال مراحل دراسته التالية، واستفاد علمياً كثيراً من دروس أساتذة تلك الحوزة.
في محضر الأساتذة
بعد فترة، هاجر إلى قم، وواصل دراسته بحضور درس الخارج في فقه آية الله العظمى البروجردي ودرس الخارج في أصول الإمام الخميني (ره). ثم هاجر إلى النجف الأشرف، وأقام في مركز العلم والفقاهة لمدة 25 عاماً، قضى معظمها في الاستفادة من أساتذة تلك الحوزة العلمية من أمثال: آيات الله العظام الشاهرودي، والحكيم، والشيرازي، والحلي، والزنجاني، والخوئي.
عام 1358 هـ.ش (1979 م) عاد إلى إيران وأقام في مدينة قم، وواصل مسيرة التدريس والتأليف والكتابة العلمية. كان يدرس الخارج في الفقه والأصول بالطريقة التقليدية في الحوزة، بالإضافة إلى تدريس الفقه والأصول وعلوم القرآن وعلوم الحديث بشكل مقارن.
التدريس والتحقيق
يُذكر أن آية الله الجناتي كان أول شخصية علمية في حوزة قم تدرس الفقه والأصول وعلوم الحديث وعلوم القرآن بشكل مقارن، من منظور اثنين وعشرين مذهباً من بين مئة وثمانية وثلاثين مذهباً فقهياً عرفها تاريخ الفقه الإسلامي. وقد جمعت هذه الدروس في سلسلة من الكتب، طبع منها: “الفقه المقارن”، “مصادر الاجتهاد”، “أدوار الاجتهاد”، “أدوار الفقه”، “مناسك الحج من منظور المذاهب الإسلامية”، في حين أن الجزء الآخر منها مثل “علوم الحديث” و”علوم القرآن” من منظور المذاهب الإسلامية لا يزال قيد الطبع.
بلغ آية الله الجناتي، بفضل تحصيله الدؤوب والمتواصل درجة الاجتهاد الرفيعة، وحصل على إجازات اجتهاد من كبار مراجع النجف، وقد نُشرت نصوص هذه الإجازات عدة مرات عبر السنوات الماضية في الكتب والمجلات والصحف.
هذا الفقيه الجليل كان من المؤيدين المخلصين للإمام الراحل وقائدنا الشهيد، وقضى عمره الشريف في سبيل إعلاء المعارف الإسلامية، والتبيين العلمي للفقه والفكر الشيعي، والاستجابة للحاجات الفكرية والفقهية في العالم المعاصر. وكان من بين الشخصيات العلمية البارزة في الحوزات العلمية التي تركت وراءها آثاراً ونظريات قيمة في مختلف مجالات الفقه والأصول والكلام والفكر الإسلامي، مستفيدة من أسس اجتهادية عميقة ورؤية اجتهادية حيوية.
النهج التجديدي
سعى آية الله الجناتي الشاهرودي بنهج تجديدي وفي نفس الوقت متجذر في التقليد الأصيل للاجتهاد الشيعي، إلى فتح آفاق جديدة في الفقه المعاصر، وبيان العلاقة بين الشريعة والعقلانية ومقتضيات العصر بنظرة عميقة واجتهادية. وقد حظيت آراؤه البديعية ونظرياته الفقهية في مواضيع مختلفة، خاصة في مجال الفقه الاجتماعي والقضايا المستجدة، باهتمام الأوساط العلمية والبحثية.
من آرائه ونظرياته التي لاقت اهتماماً في الأوساط العلمية: دور الزمان والمكان في الاجتهاد، جواز تولي المرأة منصب القضاء، جواز تولي المرأة منصب المرجعية وجميع المهام السياسية-الاجتماعية، الطهارة الذاتية المطلقة للإنسان، حليّة ذبائح أهل الكتاب، جواز الإحرام من أدنى الحل، جواز النحت كفن وحرفة، عدم تحديد سن معين لبلوغ الفتيات، بالإضافة إلى آراء حول قضايا مثل الموسيقى، والفن، والحجاب وغيرها.
في رسالته العملية (توضيح المسائل) التي تحتوي على أكثر من 3000 مسألة، قام بتحويل جميع الاحتياطات الشائعة في الرسائل والتي تزيد على مئة حالة، بطريقته الاجتهادية ووفقاً للعناصر الأساسية للاستنباط، إلى فتاوى صريحة، وقدم رأياً قاطعاً ومحدداً في كل مسألة. كما أن مناسك الحج لديه التي تضم أكثر من 1400 مسألة، لافتة للنظر أيضاً.
الآثار والآراء العلمية
من السمات البارزة الأخرى لهذا المفكر الراحل، نظرته الدولية والعالمية لرسالة الإسلام ومدرسة أهل البيت (ع). لقد كان يؤكد دائماً على ضرورة الحوار العلمي، وتقريب الآراء، وتقديم صورة عقلانية عن الإسلام. وآثاره وتأليفاته القيمة في مختلف مجالات العلوم الإسلامية تشهد على هذا النهج العلمي والحضاري.
لقد صدرت له عشرات الكتب ومئات المقالات والمحاضرات والمقابلات داخل البلاد وخارجها، وباللغات المتعددة. مما لا شك فيه أن الإرث العلمي والآثار الخالدة والأفكار العميقة لهذا الفقيه المتجدد، ستظل مصدر إلهام للباحثين والمفكرين في طريق تبيين ونشر معارف أهل البيت (ع).
الخدمات العلمية والاجتماعية لهذا الفقيه التقي النقي، ظلت في ظل زهده وبساطته وانقطاعه عن الدنيا، مستورة. نأمل أن تتاح الفرصة لتوضيحها في مناسبات مناسبة.
نسأل الله تعالى له علو الدرجات والحشر مع الأولياء الصالحين، وللأهل والذين تبقوا الصبر والجزاء.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





