يُعد المسجد من أبرز مظاهر التحضر والاستقرار، ذلك أن الاستقرار في مكان واحد هو الذي أتاح للإنسان فرصة النمو والتطور عبر التاريخ. على مر العصور، كان الإنسان بحاجة إلى التجمع حول مركز يجمعهم ليتقاربوا نحو خطاب مشترك، وبهذا التضامن الصوتي يتمكنوا من ردع الأعداء المحتملين، وتأديبهم، وفي المرحلة الحاسمة، القضاء عليهم. لقد كان هذا الفعل في مواجهة العدو هو سر بقاء أي حضارة.
عندما هاجر رسول الله (ص) إلى يثرب لتأسيس الدولة الإسلامية، كانت أول خطوة له هي اختيار موقع للمسجد في قلب المدينة. مدينة تضم قبائل متعددة، وحولها حصون شامخة لم تكن تملكها سوى اليهود. في هذه الظروف، تشكل أول تجمع للمسلمين. كان مسجد قباء أول قاعدة جادة للمسلمين في صدر الإسلام، حيث شرع النبي (ص) في تقديم شتى أنواع التعليم، وبيان المبادئ، والتوعية.
لقد حظي المسجد على مر التاريخ الإسلامي بمكانة خاصة وقدسية متزايدة لدى المسلمين، فكانوا يتقربون إليه ويتزاحمون حوله.
الأهم من ذلك، أن كلما ازدادت مكانة المساجد عبر التاريخ، ازداد خوف الأعداء منها أيضاً. خوف تجلى بأشكال مختلفة: تارة من خلال الدعاية المسمومة، وتارة بتزيين القبيح، وإذا لم تفلح أساليب التخريب، لجأوا إلى التدمير والحرق والإبادة.
المسجد هو مكان يرقى إلى أسمى درجات المعنوية، ويشهد كثافة حضور متنوعة. إنه في خضم الظروف الصعبة، يمثل معقلاً وحصناً منيعاً في وجه أعداء الشعب والمعتقدات.
معقل ظل صامداً على مر العقود الماضية في بلدنا العزيز. لقد كان المسجد في إيران الإسلامية نقطة تحول في تاريخ شعبها وصناعة ذاكرته. من هذا المكان انطلق أبناء هذا الوطن إلى ساحات النضال. كانت أجساد شهدائنا تودع إلى عائلاتهم هنا، وكانت أمهاتهم تودع فلذات أكبادهم في هذا المكان.
في فتنة كانون الثاني (يناير) الأخيرة، تجلت أهمية المسجد أكثر من أي وقت مضى. حينها، في تلك الليلة المظلمة، لم ترَ ظلمة قلوب المفسدين نور المساجد، وكانت المصاحف تحترق والمساجد بلا حماية. لكن هذا الاحتراق نفسه كان دليلاً على خوفهم وأهمية هذا المعقل الشعبي.
اليوم، في خضم حرب الحضارات، وفي مواجهة الشر المطلق للخير المطلق، يقع على عاتق هذا المعقل الشعبي مسؤوليات جسام. المسجد ونحن، هو ما يجب أن نعنى به الآن. لقد اكتسبنا، بعد تجاوز أحداث العامين الماضيين، نظرة أعمق للأمور. هناك علاقة متبادلة ذات مغزى: نحن والمسجد، والمسجد ونحن. هذه النظرة الثنائية تدفعنا من عافيتنا السابقة إلى فعل اجتماعي صحيح.
اليوم، أكثر من أي وقت مضى، يشكل المسجد قاعدة جدية في مواجهة هجمات العدو الخارجي والداخلي. إنه معقل يمكنه أن يحتضن الجانبين المادي والمعنوي للإنسان اليوم، ويزوده بسلاح الفهم والاقتدار.
اليوم، في عصر آخر الزمان، حين يقف أبناء محمد (ص) في مواجهة مستنقع الصهاينة، فإن المسجد هو ذلك المركز الذي بناه رسول الله (ص)، حيث التف الناس حوله ولم يخشوا العدو أبداً. اليوم، علينا أيضاً أن نجهز مساجدنا أكثر من أي وقت مضى لتحقيق أهدافنا الإلهية. هذا المعقل لا ينبغي أن يخلو، بل علينا أن نظل أقوى من ذي قبل، وأن نعلم أن الله وعد بالنصر. ولن يتحقق هذا الوعد إلا بالوقوف في وجه عدو الله، وعدم الكلل من الجهاد الذي بدأناه. جهاد طالما انتظرنا أن نراه بأعيننا. يوم يمحى إسرائيل من خريطة العالم على يد أبناء سلمان الفارسي.
نحن عازمون على تحويل حزننا إلى ملحمة. ملحمة تمتد في امتداد الحضارة الإسلامية. إن إيران اليوم هي حاملة لواء هذه الحضارة.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





