وجّه آية الله عليرضا الأعرافي، مدير الحوزات العلمية في إيران، رسالة إلى شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، دعاه فيها إلى إعادة النظر في البيان الأخير لمشيخة الأزهر. وأكد أن الجمهورية الإسلامية تدافع عن نفسها بعد أن تعرضت لاعتداءات متكررة، مستنكراً تجاهل ما وصفه بـ”المجافاة للعدل والموازين الشرعية” في بيان الأزهر الذي شجب الرد الدفاعي الإيراني وسكت عن جرائم المعتدين.
رداً على بيان مشيخة الأزهر الشريف حول الأحداث الجارية في المنطقة، أصدر آية الله عليرضا الأعرافي مدير الحوزات العلمية في إيران بياناً باللغة العربية موجهاً إلى فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر، أكد فيه على ضرورة قراءة الصراع الراهن في سياقه الحضاري والتاريخي، مشدداً على أن الجمهورية الإسلامية لم تكن البادئة بالحرب، بل تعرضت لاعتداءات متكررة دفعتها إلى الدفاع المشروع عن سيادتها وكرامة شعبها. وفيما يلي نص البيان:
بسم الله الرحمن الرحيم
{أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الحج: 39]
فضيلة الشيخ الدكتور أحمد الطيّب شيخ الأزهر الشريف، حفظه الله ورعاه،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد،
فإننا نتوجه إليكم بهذه الكلمة انطلاقاً من المسؤولية الشرعيّة والأخلاقيّة الّتي توجب علينا جميعاً النُّصح لله ورسوله ولأئمّة المسلمين وعامّتهم، ومن موقع المحبّة والتقدير للأزهر الشريف، هذه المؤسّسة العريقة الّتي ظلّت عبر القرون منارةً للعلم الوسطي والمنهج الأزهري الذي جمع الأمّة على كلمة سواء.
نُثمّن ونشيد بمواقفكم الرشيدة والواعية إزاء القضايا المصيرية للأمة، ونُدرك جيّداً ما بذلتموه من جهود مباركة في اتّخاذ مواقف واضحة وشجاعة في نصرة قضية فلسطين، والدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني المظلوم، والدعوة إلى وحدة الصف الإسلامي وتقريب المذاهب، وتأصيل قيم الأخوة الإسلامية التي لا تقوم للأمة قائمة بدونها. هذه المواقف المشرفة التي عهدناها فيكم تجعلنا نتوقف طويلاً أمام البيان الأخير الصادر عن الأزهر بشأن الأحداث الجارية في المنطقة، وندعوكم دعوة صادقة إلى إعادة النظر فيه في ضوء حقائق كبرى لا يمكن تجاوزها في أي حكم شرعيّ أو سياسيّ أو أخلاقيّ. عليه فنلفت عنايتكم الكريمة إلى ملاحظات:
أولاً: لا يمكن فهم المعركة الدائرة اليوم فهماً صحيحاً بمعزل عن سياقها التاريخي والحضاريّ، وفي إطار الخرائط الكبرى منعاً للضياع وفساد المواقف. ذلك أنّ ما تشهده المنطقة هو حلقة من صراع حضاريّ ممتدّ مع مشروع استعماري غربي – أمريكي يسعى منذ زمن بعيد إلى إعادة رسم خريطة المنطقة وفق مصالحه، وتفتيت مقدّرات الأمّة، وإذكاء الصّراعات الصّغرى التي تشغلنا عن بؤرة الصراع الحقيقية وتُلهينا عن المعارك الكبرى الحقيقية؛ مشروع الهيمنة على الثروات والمقدسات، وحماية الكيان الصهيوني باعتباره رأس حربة هذا المشروع في قلب العالم الإسلامي.
ثانياً: نرى أن قضيّة فلسطين كانت ولا تزال هي القضية المركزيّة لهذه الأمّة. إن معاناة الشعب الفلسطيني على مدى ثمانية عقود من الاحتلال والبطش والتهجير والاستيطان وتهويد المقدسات، هي الجرح النازف الذي يُدمي ضمير الأمّة، وأيّ قراءة للأحداث تُهمّش هذه الحقيقة تغفل عن علّة العلل وتنشغل بالمعلولات. لأنّنا نعلم أن بعض الّذين تحمّس بيان الأزهر في الدفاع عنهم اليوم هم منغمسون في بسط سيطرة الصهيونية على مقدرات المنطقة، ووقفوا إلى جانب نتنياهو في مجازره ضد أبناء الأمة! على حساب مركز رعاية المقاومة ضد الكيان والخندق الأخير في الدفاع عن القضيّة. وهنا يبدو أن البيان – من حيث أراد أصحابه أم لم يريدوا – يصبّ الماء في صالح أعداء الأمّة ضدّ الواقفين إلى جانب القضيّة!!
ثالثاً: نؤكّد لفضيلتكم وللأمّة جمعاء الاعتقادَ الراسخ للجمهوريّة الإسلاميّة في إيران بوحدة الأمّة وأخوّتها والتضامن العميق بين أطرافها. هذه الرؤية ليست شعاراً، بل هي أساس السياسات والبرامج العملية التي انتهجناها على مدى عقود ولا نزال أوفياء لها. إن مشروعنا هو مشروع تقارب وتكامل، لا مشروع صراع وفرقة، وهي حقائق على الأرض جسّدها وبَلوَرها قادتنا في الميادين وعلماؤنا ومراجعنا العظام في الحوزة العلميّة في النجف الأشرف وقم المقدسة وجميع عواصمنا الفكريّة والعقيديّة، واعتمد عليها الإمام الخمينيّ في منطلقات النهضة الإسلاميّة المعاصرة. ونسأل الله أن يقيض لهذه الأمة عظماء يؤيّدون هذا المسار المبارك ويوحّدون الكلمة والعمل في هذا الاتجاه.
رابعاً: لا يشهدُ التاريخُ القريب ولا البعيد في حركة الجمهورية الإسلامية في إيران أنها كانت وراء أيّ حرب أو اشتباك بين المسلمين. لقد التزمنا دوماً بحسن الجوار وعدم الاعتداء، بل السعي الحثيث المستمرّ لإطفاء الحرائق وسياسة التهدئة والتسامح في التعامل مع البلدان العربية والإسلامية، رغم أن الجمهورية الإسلامية تعرضت لأكبر جرائم بشريّة وحروب وفتن وعمليات اغتيالات ودمار شامل في صراعات كانت وراءها بشكل مباشر بعض الدول الخليجيّة، وبخاصّة في الحرب المدمرة المموّلة من بعضها. إلّا أننا في هذه المرة تعرّضنا لعدوان سافر وظلم بيّن من منطلق القواعد الأميركية والإسرائيليّة الظاهرة والباطنة في أراضي الجوار الخليجيّ مع الأسف الشديد، وهذا ما لا يمكن أن ينفيه أيّ عاقل ومُدرك للواقع الاستراتيجي في المنطقة.
قد شهد العالمُ أنّ الجمهوريّة الإسلاميّة لم تكن البادئة بهذه الحرب الشاملة، بل هي التي فُرضت عليها، وهي منخرطة في مفاوضات حرصاً منها على الطّرق السلميّة في معالجة الأزمات العالقة. وأنّ ما تفعله الآن يُمثل دفاعاً عن سيادتها وكرامة شعبها، بل مقدّرات المنطقة التي يُصرّ الأطراف الطاغية المعادية على إخضاعها لإرادتها الاستعماريّة واحتلال مصائرها كلها. ومن المؤسف أن نرى تجاهل العديد من الدول الإسلامية لهذه الحقيقة الواضحة، وتقاعسها الأخلاقيّ والإنسانيّ والشرعيّ عن إدانة هذا الظلم الفاضح، والأبشع هو الوقوف إلى جانب المعتدين بصورة أو أخرى.
خامساً: مسار العقود المنصرمة خير شاهد على أن نظرة الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران إلى شعوب المنطقة ودولها كانت نظرة مودّة وأخوة وصداقة في أصعب الظروف. لقد مددنا أيدينا بالخير والتعاون للجميع، ودفعنا أثماناً غالية غير عادية، ورضينا أن نعاني من أقسى الجرائم الاقتصادية العالميّة ضدنا في نفس الوقت الذي كانت بعض الأطراف الخليجيّة تعمل على الرفاهيّة والعلاقات الواسعة مع الاحتلال والاستعمار في آن واحد!، وهي تستضيف على أراضيها أخطر القواعد الأماميّة المُعادية التي تُستخدم في المُخططات الجهنّميّة الأمنيّة والعسكريّة والاستخباريّة ضد شعبنا وأمننا، بتحريض من إسرائيل وأمريكا. ورغم ذلك، ظل بابنا مفتوحاً للحوار والتعاون، وظلّ شعبنا وفيّاً لمبادئه الإسلامية والإنسانية. ولم نكن نتوقّع أن تصدر أصوات تستهدفنا وتستنكر نضالنا المكلف والصعب، في يوم من الأيّام وسط حرب إسرائيل وأمريكا علينا لإصرارنا على مواقفنا دفاعاً عن فلسطين والشعوب العربية في المنطقة. لم نكن نتخيّل أننا سنشهد الغدر والخيانة والظلم المجحف في تجاهل الأسباب الحقيقية للحرب والأطراف التي بدأتها، والوقوف إلى جانب العدوان الإسرائيلي الأميركي ضدنا.
سادساً: لقد تجاهلتْ البياناتُ المستنكرة للطرف المظلوم والمعتدى عليه، الأرواحَ البريئة التي أزهقت منّا، والجرائمَ البشعةَ التي ارتُكبت بحق الشعب الإيراني المسلم الجار لكم، ومنها التدمير الممنهج للبنية التحتيّة، واستهداف آلاف المواقع المدنيّة، وقتل العلماء والقادة الأساسيين، وفي مقدمتهم جريمة اغتيال الإمام الخامنئي، الذي كان في الخندق الأمامي للأمة في وجه الاحتلال والاستكبار، ويمثّل مرجعيةً فاعلةً في الأمّة والثقل الأكبر في دعوات الوحدة والتضامن.
والمؤسف حقاً، وهو خير شاهد على الخروج عن أبسط قواعد العدل والإنصاف، هو التجاهل التام لحقيقة أن قوى الاحتلال والاستكبار الأمريكي والإسرائيلي هي التي بدأت هذا العدوان بالتدمير المُروّع والشامل. لقد قامتْ هذه القوى بتخريب وتدمير عشرات الآلاف من البيوت الآمنة للمواطنين الإيرانيين، وقتل وجرح الآلاف من الأطفال والنساء والرجال المدنيين العُزّل.
كنّا ولا نزال طيلة العقود الماضية نتفهّم الصمت والخذلان الصارخ المفضوح من النخب والمؤسسات الدينيّة تحت الخوف من بطش الاستكبار على مصالح دنيويّة أو غير دنيوية. ولكن لم نكن نتوقع أن يأتي يوم نشهد فيه بعض هذه المؤسسات تقف إلى جانب الجلّاد الوحش، وتسكت عن جرائم الطرف المسؤول عن الإبادة الموصوفة في حق غزة وشعب فلسطين، ضد الطرف الإسلامي الأساس في المقاومة والصمود والتضحية، فهذا فعلاً لا يمكن نسيانه ما دامت هذه الدنيا!
إنّ تجاهلَ كلّ هذه الجرائم البشعة بحق شعب مسلم وجار، والاقتصار في البيان على شجب الرد الدفاعي الإيراني المشروع الذي استهدف مصادر النيران المعادية من قواعد العدو في بعض الدول التي لم ترعَ أي قاعدة أخلاقية للجوار، ولم تحترم حقوق الشعب الإيراني المسلم والدولة الشقيقة المجاورة، إن هذا التجاهل هو عين المجافاة للعدل والموازين الشرعية. والواجب الشرعي يفرض على الأمة أن تقف عند هذه الأحداث الجسيمة وقفة تأمل ومساءلة قبل أن تطلق الأحكام المجردة.
إن بيان الأزهر، مع تقديرنا لما في بعض كلماته من حرص على وقف الحرب وحقن الدماء، غير أنّه قد انشغل بالمعلولات ونتائج الصّراع، متجاهلاً العللَ الأصليّة لهذه المأساة، ساكتاً عن أصل العدوان، متناسياً لآلاف الضحايا من المدنيين الأبرياء الذين قضوا تحت القصف والتدمير. إن الشّرع الحنيف الذي يحكم بالقسط، يوجبُ علينا جميعاً أن نكون مع المظلوم أيّاً كان، وأن ننصفه قبل أن نصف ردود أفعاله، وبخاصّة المظلوم الذي يُظلم ويدفع الثمن غالياً لأجل قضايا الأمّة!!
وأخيراً: لا بدّ من إطلاق النداء الأخير في ضوء ما تمرّ به الأمة من مِحن تتطلب منّا جميعاً وقفة حكيمة وبصيرة نافذة. ومن هنا فإننا نتوجّه إلى فضيلتكم باقتراح المبادرة الأزهريّة نحو التواصل العميق والشامل بين علماء الأمة عموماً، وعلماء ومراجع النجف وقم والأزهر خصوصاً. فالحوار العلمي الرصين والتباحث الفكري الهادئ هو السبيل لوضع تصورات مشتركة وآليات عمليّة تُساعد أمّتنا على الخروج من هذه الدوّامة المأساويّة إلى حالة الرُّقي والتقدّم والرشد الشامل، وتجنيب المنطقة ويلات الحروب التي لا تُبقي ولا تَذَر.
نسأل الله تعالى أن يحفظ الأزهر منارة للعلم والعدل، وأن يلهم الجميع رشدهم، وأن يُوحّد كلمةَ الأمّة على الحق، إنّه وليّ ذلك والقادر عليه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
عليرضا الأعرافي
مدير الحوزات العلمية في إيران
يُذكر أن مشيخة الأزهر أصدرت يوم الثلاثاء 17 مارس 2026 بياناً أدانت فيه الرد العسكري الإيراني على الهجمات الأمريكية الإسرائيلية، داعية إيران إلى الوقف الفوري لما وصفته “اعتداءاتها غير المبررة على دول عربية وإسلامية”، محذرة من تداعياتها الخطيرة على أمن المنطقة وأرواح المدنيين.





