القرآن منهاجاً.. كيف واجه القائد الشهيد التحديات الكبرى؟

يتناول هذا المقال بالبحث والتحليل الإجابة عن سؤال محوري: كيف كان قائد الثورة الإسلامية، بعقله الرشيد وتدبيره الحكيم، يدير المشكلات الداخلية والتحديات والتهديدات الخارجية؟

من أبرز السمات التي تميز بها أسلوب خطابات القائد الشهيد آية الله العظمى السيد علي الخامنئي (رضوان الله عليه)، ولا سيما في المناسبات المهمة واللقاءات الجماهيرية، حرصه على افتتاح كلماته بآيات محكمة من القرآن الكريم، ينتقيها ببصيرة نافذة وحكمة بالغة. لم تكن تلك الاختيارات عابرة أو مجرد تقليد، بل كانت تعبيراً صادقاً عن وعي عميق بملابسات اللحظة، وارتباطاً وثيقاً بقضايا المجتمع المصيرية، فكانت الآيات بمثابة مصباح هادٍ يضيء للجمهور طريق فهم التحديات واستشراف المستقبل.

ففي أحلك الظروف وأشدها حرجاً، كان يتلو قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: 4]، في إشارة بالغة الدلالة إلى نزول الطمأنينة الإلهية على قلوب المؤمنين في قضية الحديبية التي كانت محفوفة بالمخاطر. وكان في هذا الاختيار رسالة صريحة مفادها: كما أنزل الله السكينة على المؤمنين بعد تلك الأحداث العصيبة، فإن الطمأنينة والأمن سيعودان إلى المجتمع الإيراني بعد تجاوز المحن والشدائد.

وفي خطاب تاريخي ألقاه في الرابع عشر من خرداد (حزيران) عام 2014، تلا القائد الشهيد آيتين كريمتين، تناولت كل منهما أحد التحديين الأساسيين اللذين واجهتهما الثورة الإسلامية على الصعيدين الداخلي والخارجي.

الآية الأولى: تكريم رواد الإيمان وتعزيز الوحدة الوطنية

﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر: 10]

تؤكد هذه الآية الكريمة على ضرورة ترسيخ روح الأخوة والمحبة والوحدة في المجتمع الإسلامي، وأن المؤمنين مطالبون بأن يسألوا الله المغفرة والرحمة لأنفسهم ولإخوانهم الذين سبقوهم إلى الإيمان، كما يجب عليهم أن ينظفوا قلوبهم من كل ضغينة وحسد تجاه المؤمنين. لكن هذه الدعوة إلى التسامح والوحدة لا تعني أبداً التغاضي عن الانحرافات أو التساهل مع المخالفات القانونية والسلوكيات المنحرفة، إذ إن آيات أخرى من السورة نفسها تؤكد على ضرورة الثبات في وجه المعتدين وناقضي العهود والمتجاوزين للحدود.

الآية الثانية: الثبات في مواجهة الاستكبار العالمي

﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: 88]

هذه الآية تحكي دعاء نبي الله موسى (ع) في المرحلة الأخيرة من مواجهته مع فرعون، بعد أن استنفد جميع وسائل الإنذار والهداية، لكن فرعون وملأه من المترفين المستكبرين أصروا على طغيانهم وعنادهم. وكلمة “مَلَأَهُ” تشير إلى أشراف القوم وحاشية فرعون، و”الزينة” هي مظاهر الترف والزخارف التي زينت لهم الحياة الدنيا وجعلتهم يغترون بها، و”طمس الأموال” يعني محوها وإهلاكها وإذهاب قيمتها.

باختياره هذه الآية الكريمة، أراد القائد الشهيد أن يستحضر في أذهان الناظرين المحليين والدوليين أهم سمة من سمات فرعون، وهي الاستكبار والتسلط، وأبرز مصداق لهذه الصفة في العصر الحاضر، ألا وهو النظام الأمريكي. فالحكومة الأمريكية، التي تمارس الهيمنة بأسلوب فرعوني، وتستخدم ثرواتها الهائلة وزخارفها المادية لتقهر الشعوب وترهقها، وتمتنع عن الخضوع للحق والعدالة، ظلت طيلة أربعة عقود تمارس مختلف أنواع العداء ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية: من دعم نظام صدام في الحرب المفروضة، والوقوف وراء محاولات الانقلاب، إلى فرض الحصار الظالم، ودعم مثيري الفتن في الداخل، وشن الحروب الإعلامية، واغتيال العلماء النوويين الإيرانيين.

بهاتين الآيتين الكريمتين، رسم القائد الشهيد خارطة طريق واضحة المعالم لمواجهة التحديين الأساسيين:

  • في مواجهة التحدي الداخلي، والمتمثل في مساعي التفرقة وبذر بذور الشقاق في المجتمع، قدّم وصفة “التماسك الداخلي” و“الأخوة الإيمانية” و“الوحدة الوطنية”.
  • وفي مواجهة التحدي الخارجي، والمتمثل في عداء الاستكبار العالمي وعلى رأسه أمريكا، أوصى بـ“الثبات” و“الصمود” و“الاستمرار على الطريق الإلهي” و“عدم الخضوع للظالمين”.

وهذه الآيات ما تزال تضيء الطريق للمستقبل، وتبقى نبراساً للمؤمنين في كل زمان ومكان.

*ترجمة مركز الإسلام الأصيل

للمشاركة:

الأكثر قراءة

اشترك ليصلك كل جديد

اكتب ايميلك في الأسفل