لم تقتصر ردود الفعل على بيان الأزهر على نقد مضمونه فحسب، بل أثارت تساؤلات جوهرية حول دور المؤسسات الدينية المرجعية في الصراعات السياسية المعاصرة.
أثار البيان الأخير الصادر عن الأزهر بشأن إيران موجة من ردود الفعل النقدية في الأوساط الفكرية والإعلامية. ويتناول تقرير تحليلي، من خلال طرح السؤال التالي: “هل استند حكم الأزهر ضد إيران إلى رواية ناقصة؟” أبعاد هذا البيان والانتقادات الموجهة إليه.
أعاد البيان الأخير الصادر عن الأزهر بشأن تطورات المنطقة وإجراءات إيران طرح مسألة مهمة في الفضاء الفكري للعالم الإسلامي، وهي العلاقة بين المرجعية الدينية والمواقف السياسية.
لطالما كان للأزهر، بصفته أحد أعرق وأكثر المراكز العلمية تأثيراً في العالم الإسلامي، مكانة تتجاوز الحدود الوطنية. وتُعتبر كلماته في العديد من المجتمعات الإسلامية بمثابة حكم ديني. لذلك، يُتوقع من هذه المؤسسة أن تتحدث في مواجهة الأزمات السياسية في المنطقة بدقة علمية، وعدالة في الحكم، واجتناب الانحيازات المتسرعة. لكن البيان الأخير أثار تساؤلات وانتقادات بين المراقبين والمحللين.
أولاً: تركيز البيان على إيران وتجاهل العوامل الأخرى
ركز البيان بشكل أساسي على إدانة إيران، في حين لم يشر إلى بعض العوامل المهمة والحاسمة في تشكل التوترات الإقليمية. فالحقيقة أن أزمات الشرق الأوسط لم تنشأ في فراغ. فالوجود العسكري الواسع للولايات المتحدة في الخليج العربي، والدعم السياسي والعسكري للكيان الصهيوني، واستمرار قضية فلسطين، كلها عناصر رئيسية في المعادلات الأمنية للمنطقة.
بالإضافة إلى ذلك، لم تتطرق الرواية التي قدمها البيان للتطورات الأخيرة إلى حوادث مثل استشهاد المرجع الديني الأعلى للشيعة في العالم، ومجموعة من القادة والمواطنين الإيرانيين في عمليات نسبت إلى الولايات المتحدة والكيان الصهيوني. إن تجاهل مثل هذه الخلفيات جعل الصورة التي رسمها هذا البيان تبدو، من وجهة نظر بعض المحللين، صورة ناقصة للواقع المعقد للتطورات في المنطقة.
ثانياً: طريقة الاستناد إلى النصوص الدينية
هناك نقطة أخرى جديرة بالملاحظة وهي طريقة استناد البيان إلى النصوص الدينية. فقد استشهد هذا البيان بآيات قرآنية ومفاهيم دينية لتعزيز إدانة إيران، مع أن هذه الإدانة استندت إلى ادعاء لا يتوافق بوضوح مع التقارير الميدانية.
لقد أُوحي في نص البيان بأن إجراءات إيران تسببت في إلحاق الضرر بالمجتمعات العربية أو مقتل مسلمين. لكن التقارير المتاحة تشير إلى أن الهجمات الإيرانية استهدفت قواعد ومنشآت عسكرية أمريكية، وليس الأماكن العامة أو البنى التحتية للدول العربية. كما لم يُنشر أي تقرير موثق عن مقتل مواطنين مسلمين في هذه الهجمات.
في مثل هذه الظروف، يُعتبر الاستشهاد بآيات قرآنية لإضفاء الشرعية على إدانة سياسية تستند إلى اتهام موضع شك، من وجهة نظر العديد من المراقبين، نوعاً من المصادرة غير الصحيحة للكتاب والسنة في خدمة حكم سياسي. وهذا أمر لا يبدو متسقاً مع التقليد العلمي والحذر الفقهي المتوقع من مؤسسة مثل الأزهر.
ثالثاً: تأثير هذا الموقف على التضامن الإسلامي
بعيداً عن محتوى هذا البيان، فإن المسألة الأكثر أهمية هي تداعيات مثل هذه المواقف على تضامن العالم الإسلامي. عندما تأخذ مؤسسة دينية كبرى جانب رواية معينة في الصراعات السياسية الإقليمية، يمكن أن يُنظر إلى كلامها على أنه حكم ديني، وهذا الأمر يزيد بلا قصد من حدة الانقسامات السياسية القائمة.
يواجه العالم الإسلامي اليوم تحديات مشتركة كثيرة، ويتوقع الكثيرون أن تقوم المؤسسات الدينية المرجعية بدور تعزيز التقارب والوحدة الإسلامية، بدلاً من أن تكون عاكسة للخلافات السياسية.
رابعاً: الحفاظ على الاعتبار التاريخي للأزهر
يعتمد الاعتبار التاريخي للأزهر إلى حد كبير على هذا الدور أيضاً. فقد نالت هذه المؤسسة ثقة العامة على مر القرون من خلال نشاطها العلمي والتعليمي. والحفاظ على هذا الرصيد يستلزم أن تبقى المرجعية الدينية شاملة ودقيقة ومستقلة في أحكامها.
إن الدفاع عن المظلومين، وإدانة الظلم دون اعتبارات سياسية، وتجنب توظيف النصوص الدينية في التنافسات السياسية، كلها من التوقعات التي طالما طرحت من مثل هذه المؤسسة. وردود الفعل الواسعة على البيان الأخير تشير أيضاً إلى أن الحساسية تجاه الحفاظ على اعتبار المرجعية الدينية في العالم الإسلامي لا تزال عالية جداً.
*ترجمة مركز الإسلام الأصيل





